ينتمي الكاتبُ الراحلُ غسّان كنفاني - كمرحلةٍ معرفيّةٍ - إلى جيله الذي عايشه، ولكن عندما نطرق أبواب كتاباته المرحليّة سنلاحظ أنّها ما زالت تعيش معنا، ومن هنا ارتأيت أن نكون مع إحدى المناهج المعرفيّة؛ ومنها التكوينُ الدلاليُّ الذي كان يرافق الكاتب بكتاباته المعرفيّة حالةً للمدلول الأوّل، وأمّا حالةً للمدلول الثاني فيكون عن مكانة الابستمولوجيا وعلاقتها بالحقول المعرفيّة، باعتبار الكاتب الفلسطيني قد قدّم رواياتٍ عدّةً مختصّةً في الهمّ البيئيّ الفلسطينيّ وهي قضيّته الأولى، فنظريّة المعرفة والدلالة المعرفيّة متناسبتان تمامًا في الخوض عبر علم المناهج؛ والتقائهما من خلال العلاقات الواردة في نقاط الاختلاف وتوافق في كلّ رؤيةٍ مكتوبة، باعتبار أن النصّ الكنفاني قد خرج من الرؤية الذهنيّة وأصبح في رؤية الآخر.
من الروايات التي كتبها الكاتب الراحل غسان كنفاني رواية (عائد إلى حيفا)؛ فبالرغم من وجهة الاحتلال الصهيوني، فإنّ الكاتب يشيرُ إلى العودة من خلال التفكّر والدخول إلى مناطق الفلاش باك، وأستطيعُ أنّ أقول إنّ (وضعية أوغست كونت) الفلسفة الوضعيّة تتناسب تمامًا بتفكيك جواهر الأشياء، فالعمل بدأ عام 1948، وبما أن تحرير الموضوع يبدأ من الرواية، فإنّه ينسف جزءًا من الحاضر ويجعلنا "الكاتب" مع الأشياء وماهيّتها، فالبحر يعود إلى حيفا، الأزقة البنايات القديمة والناس المهجرة، كلّها خرجت في مناطق تفكريّة أراد الكاتب أن تكون حاضرة، والمنهج المعرفي الذي توّلاه الكاتب، هو حضوره قبل اغتياله عام 1972؛ إذن، نحن في منطقة الكتابة الكنفانيّة طالما أنّ الاستدلال يشيرُ إلى الكاتب.
(في نظر المدرسة الفلسفيّة المنطقيّة؛ نوعانِ فقط من المعارف المشروعة: معارف ترتبط بصور الفكر ومنشآت اللغة، ومعارف ترتبط بظواهر الواقع ومعطيات التجربة... وبما أنّ هذا النوع الأخير، أي المعارف العلميّة، يرتدّ في نهاية الأمر إلى ما نقوله عن الأشياء الواقعيّة، فإنّه من الضروري إخضاع لغتنا، أي حديثنا عن الأشياء، لتحليلٍ منطقيٍّ صارم، حتّى تعبّر عمّا تقدّمه لنا "محاضر" التجربة، من غير زيادةٍ أو نقصان) *د. محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم، ص 28*.
أمّا عن المساحة السردية وأصول الأشياء، فهناك التأسيس وهناك الأصل، فلا تشغل الذهنية سوى ما تركته تلك العوائل من بيوت وأشياء بأصولها الفلسطينيّة، وقد اشتغل الكاتب غسّان الكنفاني بين الأصل وترتيب الأشياء وهو يشغل مساحة من الأسماء التي اعتنقها، فنحن الآن بين (دوف) و (خلدون)، وبين المزهريّة وريشات الطاووس السبع. فللأشياء التي تمّ البحث عنها تأسيسها وسببيتها؛ فما هو سبب وجود عوائل أو أشخاص شغلوا بيوت غيرهم؟
إنّ الإشارة التي أشار إليها الكاتب، كانت غائبة، فالمنطوق الذي تحوّل إلى خطٍّ مكتوب، لا يكفي أن يكون حجة من الحجج التي يعتمدها الكاتب، ولكن طالما أن الإشارة تحتاج إلى المشار إليه (حسب نظرية أولمان)، فإنّ النصّ الكنفاني يقودنا إلى دوالٍ حقيقية، وتتعدد هذه الدوال الغائبة منها والحاضرة، فالغائب يحضر، والحاضر هي الأشياء التي ما زالت على قيد المنظور المقرّب، أيّ أنّ هناك محسوسًا مرئيًّا من الممكن أن نشاهده بالعين. فالبنية السرديّة التي ظهرت في المتن، هي البنية المضعّفة، أي أن الكاتب بتأكيداته، راح يرتّب الأشياء بهدوء؛ وذلك بالرغم من الفوضى والصعوبات التي واجهت وتواجه المرء الفلسطيني الآن وفي كلّ الأزمنة؛ وفي الوقت نفسه تقابل القوي مع الضعيف، مثلما تتقابل أفعى مع طفلٍ بحربٍ لا نهاية لها، فسمة التقابل أن تتقابل الأفعال الحركية مع الأفعال التموضعيّة، فالحركة التي تبنّاها الكاتب، حركة الناس في كلّ مكان، وكذلك حركة الأشياء، فالهواء ساكن، وهو من الأشياء، والمحطّة التي وضعنا فيها، تحوي على الإنسان الحقيقي والإنسان المصطنع؛ أي، أن هناك كينونةً واقعيّة، تحوّلت إلى كينونةٍ جديدة، وقد كان للفعل الدلاليّ الأهميّة في تحريك هذه الكينونة من وإلى.
تحوّل الطفل من فلسطيني إلى (إسرائيلي)، فنمتثـل أمام سبب وذريعة، فالذريعة هي الحادث الذي يسبق الحادث السببي مباشرة؛ لذلك فقد تمّت النتيجة، فنحصل على نتيجةٍ وذريعة، ومن خلالهما نبني الحالة التي واجهت تلك العائلة؛ وقد أكّد أبو خلدون (أيّ خلدون يا صفية؟ أيّ خلدون؟ أي لحم ودم تتحدثين عنهما؟ وأنت تقولين إنّه خيار عادل! لقد علموه عشرين سنة كيف يكون. يومًا يومًا، ساعةً ساعة، مع الأكل والشرب والفراش... ثمّ تقولين خيار عادل! إن خلدون أو دوف، أو الشيطان إن شئت، لا يعرفنا! أتريدين رأيي؟ لنخرج من هنا ولنعد إلى الماضي. انتهى الأمر. سرقوه) *غسان كنفاني: عائد إلى حيفا، ص 49*. لقد تخلّص الكاتب من العقلانيّة، وأنبت الواقع الذي تمسك بالظاهراتيّة؛ وهو واقع الرحابة والجذرية، ومن هنا كانت قياسات الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، حيث ربط المعنى بالمعنى، فالمعنى الأوّل الطفل والأهل والتهجير القسري، والمعنى الثاني، تربع عائلة "بولونية" على عرش جديد، وخصوصًا أن المرأة لم تنجب أولادًا، ومن خلال هذه العلاقة الرمزية التي كانت سببيّةً بالدرجة الأولى، أثّرت على الشكل والدلالة، وأدّت إلى معرفة الغنيمة؛ فترجعنا العلاقة إلى موضوع القيمة اللغوية التي ظهرت من خلال الحوار بين الرجل والمرأة وبين المرأة والمرأة، ويُظهر الكاتب أيضًا درجات الوعي بين الطرفين، والحالة التي يعرضها، مسارها التوليدي، أي أن هناك نماذجَ عدّةً متشابهةً حدثت في مناطق عديدة، ونتيجتها السلب والقتل والتهجير لتكون نماذج علائقية بين الماضي والحاضر.
لقد كشف الكاتب عن عدة مناطق في رواية (عائد من حيفا) وأهمّ تلك المناطق، عودة البرعم المتروك والذي تعوّد على طقوس مختلفة تمامًا، وأستطيع القول إنّ الكاتب اتخذ من هذا المنظور رمزًا للكثير من الحالات والظواهر التي حدثت أيّام الغزو الصهيوني؛ لذلك فالماضي تمّ نسفه في الواقع، ونسف الماضي ليس برغبة من أصحاب الأرض، بقدر ما كان بقوّة المالك الجديد.
إنّ الأشياء تخرج من الداخل، فكلّ شيء من حولنا كان داخلياً، والآن أصبح لا قيمة له، نعم لأنّه الحداد الذي برقع المدن كلها، مدينة مدينة، وشجرة شجرة، ويبقى رأس الفطنة والصراع اللذان بالفعل التقطا الشخصية، ومن هنا نستطيع أن نكون مع عدة شخصيات، فالوارد الذي أمامنا وما ذكره الكاتب، ينقلنا إلى حوادث متشابهة، ومنها صورة الشهيد التي بقيت متآخية مع الجدار، لتصبح جزءًا منه، ومنها استطعنا أن نعرف العشرين سنة التي مضت، فهي معنى للطفولة وبمستقبل منسوف، ويبقى العالم الذي كان أجمل قبل الضياع بالرغم من بساطته، وإنّ الاحتجاج الذي نعيشه الآن أصبح أكثر قوة وملائمة، وذلك بسبب الضياع والتحولات النفسية، والفراق والأنين المدجّج، فإذا فقدنا وطنًا، سنفقد أولادًا، ولا فرق هنا عندما يكون الموت خاصية ملعونة، وعندما تكون التحوّلات ذات ممارسة تربوية منحازة تمامًا.
الدالة النصّية في المنظور الكنفاني
من أهمّ دالات النصّ التي رسمها الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، دالة المعنى؛ حيث انتمى إلى حالات فلاش باكية، وهي دالة الماضي وحضوره في القيمة الصغرى، وهي حالات تذكرية تمرّ على الأشخاص ومدى تذكرهم بالشوارع والأزقة. وتعدد الدالات في المعنى وظلال المعنى لدى الكاتب كثيرة، ولكن لو نتوقف أمام الدالة النفسية لكلّ شخصية اختارها المؤلف، فسوف نضع أصابعنا على النصّ والنصّ المختلف، ومدى تأثر فعل الإثارة على جميع الدالات المرسومة. فقد وظف الكاتب اللغة النفسية وهو يشرّح للمتلقي ظاهرة الهجرة القسرية، بالرغم من كلّ ذلك، نلاحظ أنّ المرأة تعبّر عن ذلك، بالدموع، بينما لا تفارق الرجل السيجارة لكي يطفئ وضعه النفسي ويتحلى بالصبر، أو على أقلّ تقدير نظراته المعبّرة، فقد كانت لغة العيون تخبرنا بمدى تعلّق الفلسطيني ببيته وببيئته التي تركها قسراً.
تشكّل العتبات النصّية النماذج الدالة على النسق الكنفاني، بداية من العنونة التي دلّت على إحدى المدن الفلسطينية (حيفا) فلم يخف الكاتب منظوره المستهدف، بل أراد أن يكون الوضوح المباشر كعلامة دالة على المتن، وجعلها مظهرًا ذا طبيعة مرجعية؛ وهي ظاهرة التقصّي والبحث بين الشخصيات التي مرّرها على المتلقي، وكلّ شخصية اعتبرها نسقًا دالا على ما يمتلكه، فقد عنون شخصياته من خلال العلامة السيميائية ذات الحمولة المكتنزة بالدلالات.
لقد استفز الكاتب متلقيه من خلال الحوارات التي حدثت بين المالك الأساسي وبين المالك المُغتصِب؛ ومن هنا زرع التأمّل، فالغاية التي تواصل معها غاية حجاجية، وقد استطاع من خلال هذه النظرية (نظرية الحِجاج) أن يكون القارئ محرّضًا ومستمسكًا في بعض البيانات الأصلية، ولم يفارق التيقظ والتبصر والاعتصام والتمسك بالحكمة والفرق بين الأرض وبين النزيل بالقوّة. وإذا عددنا الدالات والأنساق، فسوف نتوقف عند نسق الأرض، ونسق الشعور، ونسق القناع (التخفي خلف أقنعة مستعارة)، ومن أهم الدالات أيضا، نسق المتكلّم (المُحاوِر والمُحاوَر)، حيث أبرم الكاتب اتفاقًا بين هذه الأنساق لكي يتوصّل إلى نهاية مصيرها معلّق لا نهاية لها طالما أن هناك قوّة تجبر الآخر على التخلّي والسكوت. (إن المتكلم يمثل من النظرية البلاغية منـزلة مرموقة، فهو طرف أساسي في عملية الكلام وعنصر فعال في تحديد خصائص النصّ إذ على عاتقه تقع كلفة إخراجه على سمت يستجيب لمقتضيات الوظيفة والإبانة والمقام) *التفكير البلاغي عند العرب: ص 248*، وهو الذي يشخّص الحركات الدلالية التي تنقلب عند النحوي إلى مفاهيم.

