ما بينَ زمنينِ ينسلُّ طيفي الفضوليُّ إليكم من العالمِ الآخرِ وأنا أشعرُ بقرارةِ ذاتي، لا شيء أكثر مهانةً من الصفعة التي لا تردّ، والرصاصة التي تتستّر الضحيّة عليها أكثرَ من تستّر القاتل، حتّى تآمرت الأمةُ لإسدالِ ستارةِ الصمت والنسيان علينا.
حين وضعوا لي قنبلةً موقوتةً في تابوت سيارتي؛ كي يكون هو سريرُ الكلمات ويتمَّ وأدُها ودفنُها برحيلي، لكن المفاجئة كانت أنّ كلّ الكلمات بقيت على قيد النبض تبحثُ عن المكان الأكثر دفئًا، وتزحف في بقاياي ما بقيت الذاكرة والمطر.
كنتُ مشتعلَ الأصابع كالديناميت، ملتهبًا بأشواق المنفى، وقلبي كتفاحةٍ دهستها شاحناتُ المتقاتلين فوق الرصيف الدامي في بيروت.
وأنا أعايشُ المقاتلين يغلون تحت شرفاتنا، ثم يزحفون فوق بياض أوراقنا تحت جلدنا يصنعون متاريسهم من أجسادنا، ويقصّون أعصابنا حبالًا لهم، ويسلخون جلدَ أطفالنا طبولًا لحربهم.
كنتُ أخرجُ من رحم الكوابيس اليوميّة مغسولًا بالدمع كرسائل العشاق.
لا أعرفُ كيف استيقظتُ فجأةً... أخذتُ أدقُّ بشدّةٍ على الجدار حتّى فتح الحارس القبر فزعًا وهو يتمتمُ بآياتٍ من القرآن؛ نظرتُ إليهِ فلم يرَنِ. لكنّه سمع صوتي ورآني وأنا أتحوّلُ من طيفٍ إلى إنسانٍ أمامَه، حاول لمسي، لكن يده اخترقتني كأني دخان، صاح فزعًا وولّى هاربًا يهذي كالمجانين...
نفضتُ غبار الماضي عنّي، وأنا أزحف بينكم، فوجدت زمنًا غيرَ الزمان، لكن ما زلتُ مصرًّا على أن يظلَّ ذلك الجسرُ المضيءُ من الكلمات ممتدًّا بيني وبينكم، رغمَ اختلافِ وسائلِ التكنولوجيا الجديدة التي ظهرت بأيّامكم، وفرحت لسهولةِ التواصل الاجتماعيّ الذي بات بينكم... فأوّلُ عبارةٍ كتبتها بلا أوراقٍ ولا قلمٍ لم تكن أمامي إلا كغبارٍ مضيءٍ يتلاشى كبقايا السحب الضالة... فنقرت بأصابعي أوّل عبارة لي:
"انتظروني عند الطرفِ الآخرِ للجسر... واغسلوني بزيت المحبّة الشافي، وقولوا لي يا غسّان: كلّ موتٍ وأنت بألف خير..."!
أعرف أنّي عدت بينكم في أكثر الأوقات العربيّة رداءة، وكلّ المؤشّرات التي كنت أقرأها بسرعة البرق توحي لي بأنّ الطقسَ العربيّ الذي قرأته بعمقٍ يشير إلى أن باروميتر الطقس العربي لا يشير إلى الصحو أو الاعتدال... وسألت عن قضيّتي الكبرى التي ما زالت معلّقةً، وبضياع بلاد العرب، أدركت أنّكم أضعتم البوصلة حتى ضعتم خلفها جميعًا... فصعقت... ما زال الفجرُ كئيبًا ورماديًّا...
بحثتُ عن الأصدقاء فوجدتُ أقلّهم ما زالوا على قيد الحياة... واهتديت لصديقتي الأقرب "إيلا" وهي تنصحني:
أرجوك لا ترتكب إثم الكتابة مرّة أخرى... لأن خطأ التوقيت قد اختلفت مؤشراته الآن.
أجبتها:
لعلك على صوابٍ، ولكن أنا خائف يا صديقتي أن أقع في الصواب!
في زمن المهزلة رفضت أن أقع في الخطأ، فوجدتني أقع في الصواب...!
اتجهت برأسي نحوها: لكن يا صديقتي إن عدم الكتابة أيضا فعل خطأ فماذا على أن أفعل برأيك؟!
صمتت هي...
لكن لم أتردد كثيرًا لأختار الخطأ الأقرب إلى حقيقتي.
قالت لي: عليك الآن أن تعايش العصر لتختار بين موت وموت آخر...
ابتسمت بمرارة فأنا طبيعتي لا أعيش تحت ذل رايات المفاوضات، التي تدعونها الآن "السلام...".
حسنًا يا صديقتي: وأنتِ ترين أن فعل الكتابة مناف للأخلاق والتقاليد الكتابيّة السائدة، والتقاليد الكتابيّة الغابرة، هل علينا أن ننتظر زمنًا طويلًا حتى تنتهي القصّة وتصبح ذكرى...؟! فكم موتًا أحتاج إذًا... لأموت حتى أوغل بالحداثة التي تركض للخلف فيكم...؟!
فأخذتني لثلة النقّاد الأكاديميين، وقفت وسط الجموع بينهم متسائلا:
يا سادتي: هل توقيت الكتابة فعل مناف للأخلاق والتقاليد الكتابية الغابرة؟
أم علينا الكتابة عن "داحس والغبراء" أو عن "سفر برلك" لأنّنا توغلنا بالحداثة حرصًا على اللمسة الكلاسيكيّة في الكتابة؟
ودار نقاش طويل بيننا حتى قاطعتني الناقدة الفذة وهي ترتدي بزة من العصر الحديث لتقول لي:
نحن نقاطع (أدب الحروب) ونرفض القراءة فيه لرداءته التي تأكدوا منها- لكن دونما قراءة- وهتفت بثقة وبفخر- بوركت التقاليد الأكاديمية الحربيّة...!
وأنا أدقق بالجموع خرج من بينهم أحد الكتاب الذين لا يكتبون الآن شيئًا موجّهًا الكلامَ لي بشكلٍ مباشر:
"يا سيّدي بنظري الآن كلّ ما يسطّره الرفاق ما هو إلا "انفعالات وظواهر تنفسيّة كردة فعل آنيّة كفقاعة صابون".
بين شدٍّ وشذبٍ قامت ثورةُ حربٍ في الآراء المتضاربة، وأنا مشدوه تكاد تقتلني حربهم الكلامية ليخرج أحدهم من الذين يكتبون ويقول:
نعم صحيح، نحن ما زلنا نكتب على الجدار بخفر وحياء وخجل العذارى ينتاب كلماتنا المترددة والمغمسة بفعل الندامة!
وأنا أدقق بحوارهم اكتشفت أن من يصمت يتّهم بالتخلّي عن المرحلة الحرجة، وإن كتب اتّهم بهدر الطاقة والتجربة قبل انضاجها.
في الوقت ذاته لمحت من خلفهم صفوف جيوش لا تعد من الزعماء خلفهم يراقبونهم، فإذا النقد البناء لا ينصب إلا على رأس الأدباء العزل، توكيدًا لحريّات الإعلام، وحمل شعارات النقد المرفوعة ترفرفُ بوقاحةٍ في "مجال لزوم ما لا يلزم"، وحين نطقت بكلمة حقّ... ركض خلفي وهو يحمل سيفه هربًا من نطق كلمة حقٍّ في "ما يلزم"... ولحظة رأوا السيف، هرب الجميع حتى مهربو السلاح، القتلة، المحتكرون، مرتدو قمصان الشعارات في مهرجانات السرقة والذبح.
رغم أن صديقتي أقرّت لي أن هؤلاء لا أحد يقترب منهم بالنقد لا الأكاديميّون ولا أهل الإعلام، وخير كبش فداء لهم هو الأديب الذي... (يموء ولا ينبح، يصرخ ولا يطلق الرصاص، يملك محبرة أليفة لا قنبلة يدوية وله صفحة "إلكترونية داجنة" لا عصابة مسلّحة).
نظرتُ إلى صديقتي بذهول: كلّ ما حدث الآن يدعو الأديب إلى الصمت وحكّامكم أسعد خلق الله بصمتكم - ريثما ينضجُ إبداعكم - أو تنضجُ مؤامرة الخيانة على صوت شخيركم المسالم في زمن الخيانات الجماعيّة؟!
نظرتُ حولي ونظري يمتدُّ على طول الأرض، وأنا لا أرى إلا مقهى - الاسترخاء الرسميّ- ممتدًّا على طول الخريطة العربيّة؟!
حتّى أصبح الجمع متّفقًا لحلاوةِ صوت شخير الأديب المسالم... بعد ذلك من هذا الذي بقي ليكتب؟!
أنا...
أنا العائد من "برقوق نيسان، رجالًا لم يروا إلى الآن الشمس، العاشق" الموت الموت أفظع، تموت وأنت فيه على قيد الحياة باسم الحياة؟!
صرخت بأعلى صوتي فيهم:
أيها العميان المبصرون "الذين لا تدركون أن الكتابة نبع الوعي المتجدّد بالصحو، وكلّ الذين يلوذون إلى بركهم الراكدة والآسنة سيصحو ذات يوم لتجدوا "بشاعة" من نوعٍ آخر، تأكّدوا سينتهي الأمر بينكم إلى أن تأسن بحيراتكم وتموت أحصنتكم البريّة المتمرّدة، وتختنق جوّ الطيور الجارحة في عليائكم، وتنتحر الفراشات المنيرة بالضوء بدرب عتمتكم.
معكم أيّها المغفّلون سوف تستيقظون لتجدوا على شاطئ عزلتكم ثماني وعشرين جثّةً ملوّنةً لأسماكٍ نادرةٍ كانت حروف أبجديتكم الطروب.
أمسكني صديقي لأهدأ.. وهو يتمتم بعبارات لم أسمعها، نفضت يداه عني، وهربت راكضًا مع توأمي السيامي القضيّة، في مدنٍ مجنونةٍ ومجهولةِ الهُويّةِ باتت عنّي، أركضُ وأنا أحملُ ثقلَ الحياةِ على كتفي، وأنا أرددّ:
"كان وما زال الفرار موتًا"
لا تخضع يا غسان إلا لإلهك الداخلي هذا عالمنا الثالث بات مكرّسًا للتفاهة والصمت المدجّن، وصارت مهمّة الكاتب لا تخرجُ عن أن تكون "مبدعًا مقتولًا" ينهضُ من موتِهِ اليوميّ ليسقطَ تحتَ سنابك أحداث الزمن الجامحة، المذهلة بالتناقض - وعليهِ أن يعيشَ موته بإتقانٍ ومثابرة، ما دامَ تمَّ قبولُهُ أن يبقى قابعًا داخل ما يحدث، وهذا الوطن يحاصره من الجهات الأربعة حتّى إذا حدّق في المرآة لن يجد إلا خارطة الوطن العربي!
مذهولًا يائسًا حينها وجدتني أركضُ تجاهَ قبري أحفره بيدي فليس هناك أبشع من الموت وأنت على قيد الحياة، وأنا على يقينٍ الآن أن ليس بعد الموت موت.. أنا الجسدُ المثقّبُ الممزّقُ بالبارود، وأنت تذلُّ باسم الحياة.
باتت الكتابةُ في زمن العولمة انتحارًا... وهل لمثلي خيارٌ بعد أن دفعتُ الثمنَ حياتي سابقًا؟!
يا عبيد المرحلة.. "ما تبقى لكم"، "وأنا عائد إلى حيفا"..
هل لي غير الكتابة الآن.. إذا سأنتحر لإنقاذ حياتي!
وسأكتب.. على شاهدة قبري الذي عدت لأحفره الآن!
دق على الخزان
دق على الخزان
لا تستسلمْ
دق على الخزان!

