Menu

موسم الهجرة (قصة قصيرة)

نزار الحصان

كان الجو ماطراً كئيباً، أسيراً تائها في عتمة الليل تحت خيوط المطر، كان ضوء عمود الشارع الشاحب يرسم على وجوه ما تبقى من المارة أشلاء التعب ومن بعيد تضيء الأضواء اللامعة صمت المدينة. أسندتُ العمود بجسدي ووقفت أنتظر أي شيء لعلي أحظى بمن يؤنس وحدتي.

ضوء عمود الشارع الوحيد مثلي رسم لي ظلاً طويلاً امتد حتى قدميها، من بعيد رأيتها قادمة وحيدة ترقب انعكاس صورتها على الشارع المبلل وتسمح للمطر أن يتساقط على مظلتها، راقبتها بفضول حتى شَعرتْ بنظراتي، اقتربت مني.. وقفت في مواجهتي فعبقت منها رائحة وطن كالخبز الساخن الشهي، ابتسمت لي وكأنها تود الاعتذار عن تأخرها.

قالت: روحي مليئة بالأسئلة وقد خرجتُ أبحث عن ذئب يفترس قلبي، وضباب تبغك يغريني. 

 قلتُ: أنا حمل وديع إن شِئتِ سأذهب وأشتري أنياب ذئب شرس وتبغ للاحتفال.

قالت: سر معي وأخبرني بما لم تستطع عليه صبراً.

 ترافقنا طوال الليل هي تحمل مظلتها المزركشة وأنا بمظلتي السوداء.

 تَكلمتُ كثيراً.. هي لم تنطق بكلمة كانت تنظر إليَّ بانبهار... تضحك بصوت مجلجل يوقظ كسالى المدن الحزينة وأحيانا تبكي بصمت فيزاحم دمعها المطر.

حين قالت أشعر بالبرد مثلك، كنت أعلم أنها تكذب، فرميت بمظلتي في سواد الليل واحتضنتها وتدفأنا تحت مظلتها المزركشة، حتى تلاشت جميع المدن.

      في ذكرى السنوية الأولى لعلاقتنا التي لم تستمر الا لثلاثة أشهر فقط، أشعلنا الشموع وشربنا نبيذ الرغبة كما فعلنا تحت المطر أول مرة حين تعارفنا.

 قالت: سأعترف لك بسر. قلت: انتظري.. سأكتشفه بنفسي.

أجابت: لا لقد فات الأوان أن تكتشف شيئا أيها النبيه، لقد مضى على ذلك السر دهرا.

هل تعلم أني قد كذبت عليك حين قلت: أني فقدت سمعي بسبب قذيفة همجية سقطت على منزلي ودمرته، وأني فقدت النطق حين قتلوا أمي برصاصة غادرة، وهي تلتقط حبوب القمح من الشارع لتطعمنا.

لقد كذبتُ... فأنا ولدت هكذا خرساء وصماء، ولكني رأيت كل ذلك، ورأيت أبي يبكي تحت سياط الجلاد، ورأيت من الموتى في البحر ما يكفي لأُصاب بالعمى.

 بكينا معا وطنا لن يعود، بكينا هول الحرب وذكرياتنا التي دمرتها الطائرات، وسرقها قطاع الطرق.

قلت: تزوجيني.. انتفض جسدها وابتسمت.

 قالت: لا... أنتَ عشقي في الرحيل فقط، أنت رائحة الأرض حين يبللها المطر الأول.

 لدي مهنتي وأعشقها، فأنا الآن امرأة في معبد بابلي نذرت نفسها للألهة.

يا مهاجر... من يتزوج امرأة خرساء وصماء بعثرتها شظايا الحرب...!! ولا تتقن الآن سوى منح الفرح للرجال الخائبين.

  في تلك الليلة الشتوية الأخيرة، وقبل أن تحلق مع أسراب الطيور المهاجرة، منحتني الكثير من الفرح، وأصرت أنها خرساء وصماء، حتى أقنعتني، لم تنطق بحرف بعد ذلك، هذا أن كانت قد نطقت قبل ذلك.

ولكن حين تأوهت، أدركتُ أنها كانت تكذب علي.