"إلى العاشق الفلسطينيِّ الأبديِّ الإنسان: غسَّان كنفاني
ما كان لي أن أقرأ، أوأنْ أُعيدَ قراءة، أيَّ نصٍّ من نصوصِك الإبداعيَّة، والنَّقديَّة، والفكريَّة، وفي صُلبِها جميعاً مَلْحَمةُ "العاشق" الذَّاهبِة صَوبَ كَمالٍ نَشَدْتَهُ لَها، إلا لأراك في ثناياه، مُتَوهِّجَ الحُضورَ في مراياه، وفي جوهر مَغزاهُ، وفي صُلْبِ أصلاب رسالته وفَحواه. وإلا لأُبْصِرَ في عمق جوهرهِ عُمْقَ جوهرك، وفي سُمُوِّ رسالته سُمُوَّ رسالتك المُوَقَّعة، دائماً وأبداً، باسم "فلسطين" باثَّةً في مداراتِ الحياة والوجود وصاياها الإنسانيَّةَ الخالدةَ خُلُودَ كاتبها الخَالد".
عبد الرَّحمن بسيسو
في رواية: "عائد إلى حيفا"، وعبرَ تداعيات سعيد. س وزوجته صفية؛ وهمَا الفلسطينيَّان اللَّذان أرغمُهما الأرهابُ الصُّهيونيُّ، المُنفَلتِ تَوحُّشُهُ العُنْصِريُّ من كُلِّ عِقالٍ، على تركِ طِفْلِهِمَا الرَّضِيعِ" "خلدونَ"، وحيداً في "مَهْدِ طُفُولتِه"، في "بيته" في "حيِّ الحُليَّصَة"، في مدينَة "حيفا"، بَدتْ هذه المدينَة محكومةً بزمنين يفصلهما زمن ثالثٌ ذاهبٌ إلى نفي وجودِهِمَا واجتثاث ما أنتجاهُ من مآسىٍ: زمن الاقتلاع؛ زمن ارتِسَام صُورة الوطَنِ الأخيرة؛ وزمنُ الاحْتلالْ.
ولئن تجسَّد الزَّمنُ الأول؛ أي زمنُ الاقتلاع، في أماكن من الوطنِ شَهِدَتْ إعمالاً إرهابيَّة وأحداثاً بالغةَ الوحشية، فإنَّ الزَّمنَ الثَّاني؛ أي زمنَ ارتسام الصُّورة الأخيرة، ليس مجردَ بُرْهَةٍ تَبُثُّ إشاراتٍ تعلن انتقال مدينة "حيفا"، والعديد من أخَواتها المأسوراتِ مثلها، من مُدنِ الوطنِ، وبلداتِه، وقُراهُ، إلى الزَّمنِ الثَّالث: زَمَنِ الاحتلالِ الصُّهْيُونيِّ، وإنما هو زمنٌ يَمْتَدُّ مُتَّسِماً بِمَورانِ وقائعَ، وأسبابِ، وغاياتِ، تحقُّقِهِ القديم، ومُوْغَلاً على مدى السِّنينَ والعقُودَ في أعمَاقِ الوجدانِ الفلسطينيِّ الكُلِّيِّ، ليَظلَّ مائراً في رحابِه المسكونَةِ بـ"فلسطينَ المسروقَهِ"؛ فلا يكونُ للأجيالِ الفلسطينيَّةِ المُتعاقِبَة في الزَّمنِ جيلاً في إثرِ جيلٍ، إلَّأ انْ تُواصلَ الإجابَة بِحَسْمٍ انتمائيٍّ قاطِعٍ، وبوعيٍ إنسانيٍّ عميقٍ، على أسئلتِه، والَّا أنْ تَنْهَض للاستجابَة الواعِيَة والحَاسِمَة للتَّحَدِّياتِ، التي يُمليْهَا استمرارُ وجُوْدُهُ في وجدانِها الكُلِّيِّ عليها، وذلكَ بإنهاضِ المُقاومَة الشَّعبيَّة الجمعيَّةِ، النَّبيلَة والباسِلَةِ غير القَابِلة للتَّوقُّف إلَّا لحظَة تَمَكُّنِها من تعديمِ وجودِ الاحتلالِ وعقابيل زَمنِه البغيض.
وهكذا لنْ يَكونَ لزمنِ نَسَقِ ارتسامِ صُورة الوطنِ الأخيرة أن ينغلق على نفسه في هوِّة نسيان، أو أن يتحوَّل إلى ماضٍ مُنْتَهٍ، إلا بنفي زمن الاحتلال الذي سيكُونُ لانتفائِه أنْ يُحَقَّقَ العودة، وأنْ يقتَلِعَ زمنَ الاقتلاع من جُذوره، وأنْ يفتح مداخلَ، وأبوابَ، ونَوافِذ وكُوى، كلِّ مكانٍ وحَيِّزٍ من أماكنِ الوطن الفلسطينيِّ وأحيازه التي حوَّلتها يدُ الإرهاب الصُّهيوني الأسودِ، والاقتلاع، والاحتلال، إلى حُدودٍ مُغْلَقَةٍ وحَواجزَ كابِحَةٍ للخَطْوِ، على وُسْعِها، لتستقْبِلَ خطى العائدين التي ستتكَفَّلُ بإعادتِه إلى هويته الجوهريَّة المتأصَّلة في طبيعتِهم، وفي طبيعته، والتي ليس لسواهَا أنْ تحقق وجوده الفاعل في الوجود الإنساني كوطن سيِّد يُواصِلُ شعبُه الحرُّ بناءَه وإعلاءَ صُروح حضارتِه، أي كمجال حيويٍّ لحياة الإنسان الفلسطيني الخَلَّاق، ولحضارته وإبداعه، ومستقبل وجوده.
في المسافة الممتدة ما بينَ "زمكانِ الحقلِ الفلسطينِيِّ" السَّابِقِ "زمنَ الاقتلاعِ"، وزمن "ارتِسَامِ صُورة الوطنِ الأخيرة" في عُيُونِ الفلسطينيينَ المُقتَلَعينَ؛ وهو الزَّمَنُ النَّاجِمُ عنْ زمنِ الاقتلاع الذي سبَقَهُ ليَفْتَحَه على زمن الاحتلالِ، وليَفْصَلَه عنْهُ ليقُولَ دلالةَ أنَّ أحداً لمْ يُقْتَلعَ، وأنَّ كُلَّ ما سبَقَ الاحتلالَ الصُّهيونيِّ لفلسطينَ، وإيجادِ "إسرائيلَ فيها، من أزمِنَةَ وحضاراتٍ عرفتها فلسطينَ، قدْ صارَ ماضياً مَمْحُوَّاً وبلا وجُودٍ؛ فَما بقي من شيءٍ موجودٍ في فلسطينَ إلَّا "إسرائيلَ" التي أَوجدها الإرهابُ والتَّوحُّشُ البشري فيها، وإلَّا استمرار الاحتلالَ، والمَحوَ، والتَّهويدَ، والصَّهينَةُ، والإبدالَ؛ في هذه المسافَة الزَّمنيَّة التي تُقَدِّم رواية "عائد إلى حيفَا" جوهَر ما تأسَّست عليه، واحتوته من وقائِعَ، وتحدِّياتٍ، وأنماطَ سُلوكٍ، وأشكالَ استجاباتٍ، ومُمْكِنَات مُستَقْبَلٍ، تكون مدينة حيفا، كصورة تجسِّد ما تعرَّضت له مدن الوطن الفلسطيني وبلداته وقراه من قهر وعدوان واغتصاب وسلب، قد أُخْضِعَتْ لتحولات جوهرية متسارعة تجسَّدت في نتائجَ مُؤَقَّتَة، وقابلَةٍ للزوالِ، لحركة الصِّراع الذي احتدم ما بين نقيضينِ وجوديينَ وانتهت أولى أحقابِه بانبثاقِ نَسَقَيِّ حركةٍ زمنيَّة يتَجَلَّيان في لحظَةٍ زمنِيَّة واحدةٍ ويُجِسِّدانِ منطِقَ التَّحدِّي والاستجابَة: الاقتلاع من الوطن؛ والتشبث به والعودة إليه، ويقولانِ حتْميَّة نُهوضِ الثَّاني بنفي الأوَّل، وإزالة كُلِّ آثاره.
في البَدْءِ، أطلَّت "حيفا" موسومةً بالنَّتائج التي أسفرت عنها مراحل التَّوتُّر والصِّراع الطَّويل، فبدت مدينةً منكفئةً على نفسها، يغطيها قلقٌ مكتومٌ، ووجومُ يائس" يجعلانها تظهر وكأنها لا تنتظر شيئاً. غير أنَّ التَّوتُّر الغامض الذي يسكنها متداخلاً مع برهة هدوء زائف أعقبت سلسلة انفجاراتٍ سابقةٍ، ومتكرِّرة في سلاسلَ أُخرى، جعلها تترقَّبُ حُدُوثَ انفجارٍ قادم. هكذا بدت "حيفا" مدينةً منشطرةً على نفسها، إذْ بقوَّة سلاح تصوِّبه يد إرهابٍ صهيونيٍّ أسود حُوِّلتْ أجزاءٌ من المدينة إلى أماكن "حدٍّ‘" منعت أهلها من العودة إليها عقب طردهم منها وسرقة بيوتهم. ومع اندلاع الهجوم الأخير الذي امتد من صباح الأربعاء 21 نيسان (أبريل) إلى صباح الجمعة 23 نيسان (أبريل) من العام 1948، حيث "تأكَّدَ تماماً أنَّ الأمر في حيفا قد انتهى"، تكون المدينة قد أُخْضِعَتْ لتحولات جديدة تتأسس على نتائج حركة الصِّراع ما بين نسقي الحركة المتصارعين: الاقْتَلاعُ من الأرض والتَّشَبُثُ الجُذوريُّ بِكُلِّ ذرةٍ من تُرابِها، وبِكُلِّ قَطرةٍ من ماءِ طَمْيِها.
كان لابدَّ للقوى التي تحرك أياً من النَّسقين وتسعى لإنجاحه وإنجاز أهدافه أنْ تسيطر على كامل المدينة المُنْشَطِرةِ، وأنْ تُعيد توحيدها، وأمام عجز أهل المدينة وأصحابِها وبُناتها الأصليين، رغم بسالة مقاومتهم وسطوع حقِّهم ونبل غاياتهم، عن فعل ذلك، تمكَّنت العصاباتُ الإرهابيَّةُ الصهيونيَّةُ، بدعمٍ حاسمٍ، ظَاهِرٍ وخَفِيٍّ، من قبل القوات البريطانية المحتلة، من تحويل الأحياء والسَّاحات والشوارع والأزقة والبيوت إلى أماكن "حدٍّ‘" يستحيل على أهلها اختراقها. وكان الشَّارع الرئيسيُّ هو الطَّريق الوحيد المفتوح أمام خطواتهم المندفعة في زحامٍ هائلٍ، ومن دون إرادتهم، نحو الميناء والبحر ومتون القوارب الصغيرة المنتظرة قدومهم كي تحملهم إلى هجير المنافي، وصقيع الشَّتات.
ومع امتطاء مُتُونِ القوارب، يصير الشاطئُ، والميناءُ، والشَّارع الرئيسيُّ، حدوداً مُحَرَّمة. ومع ارتسام صُّورة الوطن الأخيرة في عيون المقذوفين إلى سديم المنفى وصقيعه وهجيره، ورسوخها في وجدانهم، يتأكَّد تحوُّل حيفا نفسِهَا إلى "حَدٍّ محرَّم". ومع الإيغال في البحر في اتجاه لا يقودُ إلا إلى المنفى، تصير كلُّ بوصةٍ يقطعها المُقتَلَعُ، المنفيُّ بَعيداً عن وطنِه، "حدَّاً مُحَرَّماً"، لا يُؤذَنُ لَهُ الاقترابَ منْه؛ فلا يستطيع اختراقه في اتجاه مُعَاكِسٍ يَقُودُهُ إلى "عَودةٍ" إلى "الوطن"، ثمَّ يصير البَحْرُ كلُّهُ، بعدَ حينٍ، حدَّاً مُحَرَّماً أيضاً، فَيُحَقِّقُ نَسَقُ "الاقتلاع من الوطنِ" انتصاره الأخير!
غير أنَّ الأمرَ لا ينتهي هُنَا؛ فثمة مُفَارقَةٌ لافتةٌ، بالغةُ الأهميةِ، وعميقةُ الدَّلالة، مُؤَدَّاهَا أنَّ صيرورة "نَسَق ارتسام صورة الوطن الأخيرة" التي تَشرعُ في الانبثاقِ لحْظَة قُربِ اكتمالِ "نسَق الاقتلاع"، سَتُفضي إلى تَخَلُّقِ نَسَقٍ يُناقِضُهُ؛ إنَّه "نَسَقُ العَودة"؛ فالرُّؤية إلى المدينة الفلسطينيَّة "حيفا" من موقع الرَّائي المدفُوع، قهراً وإرهاباً، إلى الأيغالِ في البحر، إنَّما تتحقق من خلال نَسَقٍ حركيٍّ بصريٍّ ينطلق مِنَ البحر باتَّجَاهِ الشَّاطئ، ومنْهُ إلى فالمدينة، فالحيِّ، فالبيت، فالمَهْدِ الذي تُركَ فيه الرَّضِيْعُ "خلدونَ" وَحيداً. وهو كما نلاحظ نسق يتطابق، وإنْ على نحو تجريديٍّ تُؤَسِّسُ وجدانيَّتُهُ العميقَةُ مُخَفِّزاً لاهباً لإمكانَ جعْلِه واقعاً يَتحقَّقُ، مع نَسَقِ التَّشَبُّثِ بالوطنِ، ومع نَسَقِ العودة إليه، في آنٍ مَعاً.
وهكذا نستطيع أنْ نخلص إلى قَولٍ دلاليٍّ جَوهريٍّ أرادَ غسَّان كنفاني بثَّ مدلولاتِه في روايتِه "عائد إلى حيفا"، كما في الأعمِّ الأغلب من رواياتِه وقصصه ومسرحياتِه ومقالاتِه، وكُلِّ كِتاباتِه السياسيَّة والفكريَّة، وفي صُلبها جميعاً رواية"العَاشِق" التي لم تَكتَملْ، ولكنَّها تعرفُ، بدَّقَةٍ، ما قدْ نشدهُ غسانُ لَها. ومَا مُؤَدَّى هذا القَولِ الدَّلاليِّ إلَّا أنَّ أنَّ نَسَقَ التَّشَبُّثِ بالوطن، والإصرار على تحريره، والعودة إليه، يتحقَّق، على مستوي الفكر والوجدان والعقيدة الإنسانيَّة الرَّاسِخَة، في نفس لحظة تحقق نسق الاقتلاع على المستوى الموضوعيِّ الماديِّ، وهو الأمر الذي يؤكِّدُ أنَّ احتلال الوطن، واقتلاعَ أهله منه، مرفوضٌ، وباطلٌ، ولا يُوجَدُ سبيلٌ لجعلِه غير ذلكَ أو لتأبيدِ وجوده، لِأنَّ الهزيمة الحقيقة والنهائية إنما تكمن في رضوخ الإنسانِ الفلسطيني للأمرِ الواقع، أو في استنكافه عن مواصلة المُقاومَة الباسِلَة، أو في إذعانِه لإنهاء الصِّراع عبر القبول بإنهائه وفق شروطٍ لا تُرْجِعُ الحَقَّ الفلسطينيَّ المُغْتَصَبَ، ولا تُقِيْمُ العَدْلَ على ميزان العدل، ولا تستجيبُ لإرادة الوجود الإنسانيِّ الحَقَّ، بل إنَّها لَتُنًاقِضَهَا تَمامَ المُناقَضة!
سَيأخُذُنَا التأملُ المًعَمَّقُ قي آلية الحركة الحاكمة زمنَ "ارتِسَامِ صورة الوطن الأخيرة" إلى إدراكِ حقيقة أنَّها حركةٌ كاملةٌ: فكرياً ووجدانياً، وأنَّها حركَةٌ ناقصةٌ: عملياً ومادياً، لأنَّها مكبُوحَة عن اجتراحِ فعلٍ ثَوريٍّ فَوريِّ قادرٍ على نفيِ وجود زمن الاحتلال، وذلك لكونها حركَةٌ تتحقق على المستوى الأفقي فحسب، أي على مستوى الرؤية البصرية التي تتحول إلى رؤية فكرية، وقناعة وجدانية، وعقيدة إنسانيَّة. ولِهذا أنْ يدلَّ على أنَّ التطابق الفعْلِيِّ بين نسق ارتسام صورة الوطن الأخيرة، ونسق التشبث بالأرض والوطن، غير قابِلٍ للتَّحَقُّق على المُستوى الموضوعيِّ المادِّي إلَّا بتحريرهما والعودة إليهما. وأنَّ هذا التَّطابُق إنما يقعُ، الآن، على المستوى الفكري والشُّعوري فحسب، كما أنَّ التَّضَادَّ بينه وبين نسق الاقتلاع إنما هو تضادٌ تجريديٍّ غير متحققٍ في الواقع الفعلي، فالذي تحقق على المستوى الماديِّ الموضوعيٍّ هو نسقُ الاقتلاع الذي جاء بكُلِّ أنساقِ زمن الاحتلال، وأوقف حركة احتدام الصراع في الواقع الفعلي، أو كَبَحَ استمراريَّتَهَا، ولكن إلى حين، إلى حينٍ فحسبِ.
وما رسالةُ غَسَانِ كنفاني لشَعبِه الفلسطينيِّ، ولأُمَّتِه العربيَّة، وللإنسانيَّة الحُرَّة بأسرها، إلَّا دَعْوةً إلى التَّضَافُرِ الجمعيِّ من أجل جَعْلِ كُلِّ إمكانيَّةٍ نِضاليَّة مُجرَّدة إمكانيَّة فِعلِيَّة يُؤسِّسُ تحقيقها لمواصَلَة إنهاضَ المُقاومَة الفلسطينيَّة الإنسانيَّة النَّاهِضة بمواجهة التَّوحُّشِ البشريِّ مُجَسَّداً في الرأسماليَّة العالميَّة المُتوحشَة، وحليفتِها الصُّهيونيَّة العُنصُريَّة الإرهابيَّة، وفي "إسرائيلهما" الَّتي هي، في البدْءِ والمُنْتَهي، كينونَةُ زائِفَةٌ لا تَعكسُ من شيءٍ سِوي حقيقتيهما، ولا تنهضُ بشيءٍ سوى أداء الوظائفِ المُسندةِ اليها من قِبَلِهِمَا.

