تشكّلُ الزمنيّةُ بعدًا أساسيًّا من الأبعاد المكوّنة للخطاب السرديّ، وتتقدّم وجهًا بارزًا من أوجه إبداعيّته الجماليّة، لا تقتصر على هذا الجانب الخاص بنظام القصص في عمليّات التقديم والتأخير التي تحكمه، وفي العلاقات المميّزة التي تربط خطابه السرديّ بحكاية أحداثه، إذ إنّها تشغل كذلك وضعيّة هذا الخطاب في أدائه القصصيّ، بما يتضمنه هذا الأداء من سرعة سردٍ تتمثّلُ بعمليّات إجمالٍ أو إيجازٍ وإطنابٍ ووقفٍ وحذفٍ ومشهديّةٍ أو مساواة.
من الملاحظ في هذا الصدد أنّ الإيجاز أو الإجمال الذي يعتمد عادةً في القصص، حيث يروي الخطاب في الزمن البسيط الذي تفترضه عبارة محدودة الزمن المديد الذي يفترضه الحدث المخبّر عنه، يعرف هنا وضعًا خاصًّا يتمثّلُ في تلك العلاقة المميّزة من التفاعل الذي يؤدّيه مع المشهديّة أو المساواة، حيث يتساوى زمن القصص مع زمن الحكاية كما يحصل إجمالًا في الحوار؛ فالطّريقُ التي تمتدُّ من مشارف عكا إلى نهاريا مرورًا بالمنشيّة والسميريّة والمزرعة، التي تبلغُ نحو عشرة كيلومترات وتحتاج ربّما، إلى نحو ثلاثين دقيقةً يعبّر عنها النصُّ مثلًا في أقلّ من سطرين(00)(ص871)، بينما تأتي مخاطبة رجل لآخر يجلس قربه بقوله: (هذا الفتى يلعب الشبّابة جيدًا) (ص871) مساويًا مبدئيًّا في زمن الحكاية الذي تشغله لزمن القصص الذي يؤديها. لكن الخطاب السرديّ خارج هذا التجاور بين أداءين على نسبةٍ عاليةٍ من التباعد، يكاد لا يعتمد في قسمه الأوّل هذه المساواة أو المشهديّة إلّا في نهايته مع الاقتراب من نهاريا وبروز الحاجز الصهيونيّ، حين يجري تداول الكلام بين السائق وبعض الركاب (ص875)، ليسيطر الإيجاز بشكلٍ واضحٍ على هذا القسم. يظهر ذلك في رواية الأحداث والتصرّفات من انسراب سيارة الركاب في الطريق المؤدّية إلى عكّا حتّى اقترابها من نهاريا، مرورًا بعزف أحمد على شبابته ونوم الطفل وإعداد امرأة رقاقة بيض له، كما يظهر في ذكر أحاديث الركّاب عن موسم الزيت أو نسف الصهاينة دار الأيتام، حتّى غناء السائق نفسه يُقدّم بصورةٍ مختصرة.
لكن الخطاب السرديّ لا يكتفي بمتابعة هذه الأحاديث وتلك التصرفات، بل إنّه يهتمّ بملاحقة المشاهد المتتابعة على الطريق التي تسلكها سيارة الركاب، وتأخذ هذه الملاحقة حيّزًا من هذا الخطاب يكاد يكون معادلًا لذاك الذي يختصّ بالأحاديث والتصرّفات. ويتقدّم هذا الاهتمام بارزًا، خاصّةً في متابعة عبور السيارة في عكا من المقبرة القائمة على يمين الطريق إلى المرائب المصطفة على يسارها، مرورًا بالبيوت الحجريّة والحديقة العامّة وأبراج السور؛ حتى ليمكن القول إنّ المكان هنا يحظى باهتمامٍ مماثلٍ لذاك الذي تعرفه الشخصيّات، ليس في المجال الذي يشغله من الخطاب السرديّ وحسب، إنّما أيضًا في الصيغة التي يعتمدها هذا الخطاب للتعبير عن ذلك. على هذا النحو يبين الإيجاز في القسم الأوّل تلك اللحمة السرمديّة بين الأرض والناس، كما يعبّر عن الكثافة الزمنيّة التي تميّز وضعها المتماثل.
وفي الحين الذي تبدو المساواةُ في هذا القسم محدودةً جدًّا قائمةً خاصّةً في نهايته، فكأنّها لا تعلن وجه تشكله على هذا الصعيد، بل تشير أيضًا إلى تشكّل القسم الثاني الذي يحتلّ فيه الخطاب المشهديّ موقفًا محظيًّا. فخلافًا لما لوحظ في القسم الأول لا يهيمن الإيجاز هنا وإن بقي معتمدًا، وتتقدّم المساواة أو المشهدية لتحتلّ موقعًا لا يقلّ أهميّة عنه، وهي بارزةٌ خاصّة في المخاطبات المثبتة التي تكاد جميعها تأتي مساوية في السرد للحكاية المرويّة زمنيًّا، ويشير افتتاح القسم بهذا النمط من الخطاب إلى أهميته المذكورة. ويتداخل الإيجاز هنا مع المساواة حتى لتبدو الزمنية المؤدّاة من خلالهما خاضعة لهذا التقاطع الناتج عن تجاورهما. كان في ذلك تعبيرًا عن التوتر الذي يخيّم على القسم، وعن التقطيع الذي لا يميزه عن سابقه وحسب بل وعن لاحقه أيضًا. ففي هذا الأخير، حيث لا مخاطبات تتمثّل المشهديّة في السّرد تحديدًا، وبذلك يتساوى الزمن القصصي مع زمن الحكاية، ويأتي تعداد الطفل الأخير ليدفع نهاية القسم بهذه المساواة.
إنّ أقسام النصّ الثلاثة التي تمايزت على صعيد الإيجاز والمساواة؛ تتمايز أيضًا على صعيد الوقف والحذف. ففي حين يتقدّمُ الوقف في حضوره اللافت في القسم الأوّل يبقى نادرًا في الثاني ليغيبَ نهائيًّا في الثالث. وإذا كان الوقف عامةً نوعًا من التعليق لمجرى الحكاية وأحداثها، للانصراف إلى وصفٍ أو رأي، فإنّ معظم الوصف الوارد في القسم الأوّل يرتبط بوقف المُتابع للمشَاهد التي تصادفها السيارة في عبورها للطريق، كذلك فإنّ الوقف بارزٌ في تقديم الشخصيّات والتعريف بالطريق حيث يجري التركيز على التعريف بأوضاع هذه وتلك، دون أي إشارةٍ تذكر إلى مظاهرها الخارجيّة، هكذا تتقدّم الشخصيّات بانتماءاتها وعلاقاتها ومهامها وكفاءاتها، والنخيل في عبرته ومعاناته، والنهر في حزنه وعناده والبلدات بأسمائها وانتظامها، وهو ما يتعارض تمامًا مع الوقف الذي يتراءى في القسم الثاني، حيث يتمُّ الاهتمامُ بمظاهر الشخصيّات المتناولة، الخارجيّة بشكلٍ خاصّ (ألبستها وقطعتها)، وتنعدم أية إشارةٍ إلى أوضاعها وأحوالها واهتماماتها، كأنّ الخطاب السرديّ يقيم من الوقف المعتمد فيه علاقة بين الطرف الأول (الفلسطيني) والثاني (الصهيوني)، حيث تشير الإطالة والعمق لدى الأوّل مقابل الاختصار والسطحيّة لدى الثاني إلى علاقةٍ من التجذّر التاريخيّ والجغرافيّ المتواصل (الفلسطيني) من جهة، والطارئ العابر والمرحلي المتقطّع (الصهيونيّ) من جهةٍ ثانية، وفي الوقت نفسه إلى علاقة بين البعد الإنساني الأصيل لدى (الأول) والبعد التشيُّئي المصطنع لدى الثاني.
مقابل هذين الطرفين المتعارضين يتقدم القسم الثالث بدون وقف يذكر، كأن في ذلك استجابة الموضع الذي يتناوله وتعبيرًا عنه في أن في المجابهة الفدائيّة الجارية ضدّ الإرهاب الصهيوني لا مجال لأيّ وقفٍ كان، إذ يتّحد المتطلّع إلى موقفٍ بممارسته، يتّحد الوصف بالرأي، والمشهد بالفعل، بحيث يصبح أي وقفٍ خللًا وعلى الخطاب أن يسير على خطو الطفل وإيقاع عده البطء، أما الحذف فهو ملاحظة بشكل خاص في مواقع ثلاثة رئيسية، يبرز الأول في القسم الأول من النص، متمثّلًا في ذلك القفز الذي يجريه الخطاب السردي عن تلك البلدات التي يعرفها خط السيارة المعروف من عكا إلى نهاريا: المنشية والسميرية والمزرعة، إذ ينتهي ذكر عكا إلى متابعة ما يجري داخل السيارة بين الركاب ليعلن بعدها مباشرة الاقتراب من نهاريا (ص872). لكن هذا الحذف لا ينال من الأماكن فقط، فهو يتعلّقُ كذلك بالشخصيّات، فعلى هذه الطريق الممتدّة من عكا إلى نهاريا يغادر السيارة المذكورة خمسة ركاب، فالنصّ الذي يشيرُ إلى "عشرين إنسانًا" في هذه السيارة عند عكا يذكر لاحقًا أن عددهم قبيل نهاريا هو خمسة عشر شخصًا.
كان الخطاب في هذا القسم يغفل ذكر أي انقطاع كان في عالم الركاب الذي يتابعه مركّزًا في حال التواصل الذي يميّزه، كما يدل على ذلك ما يورده بصدده من تصرفات وأحاديث، لكن هذا الإغفال مرتبط فعليًّا بنجاح هؤلاء المغادرين في الوصول إلى أهدافهم، كما هو مرتبطٌ بالحياة التي تجسّدها نجاتهم من كمين العدوّ القاتل الذي يتعرّض الآخرون له.
على خلاف ذلك، بل على نقيضه، يتقدم الحذف الثاني في القسم الثاني خاصًا بعملية التصفية الجسدية التي يتعرض لها الركاب. فبين تقديم القائد الصهيوني هؤلاء الفلسطينيين للمجندة، بقوله (هذه حصتك اليوم)، وبين ما يليه مباشرة من سرد يذكر (سقطوا في الخندق...) ص876 يغيب فعل القتل نفسه، كأن هذا الإسقاط يأتي ليتلاءم مع حال التقطيع المهيمن على هذا القسم، وما يرتبط به من موت يتجسد في مقتل هذه الجماعة الفلسطينية تحديدا، لكن الأمر قد يبدو كذلك تعبيراً عن موقف يتراءى من خلال الرسالة، التي يسعى القائد الصهيوني لتوجيهها عبر الطفل إلى بقية الفلسطينيين. ففي طلبه من الطفل (تذكر هذا جيّدًا وأنت تحكي القصّة..) ص876، يبرز فعل القتل الذي نفذته المجنّدة الصهيونيّة أفظع مشهد في "القصة" بأكملها، وهو يشكّل مدار التذكّر المطلوب، فكأنّ إسقاطه رفض للمنطق الصهيوني الرهيب، ومشاركة ضمنية في المقاومة المعارضة له والرافضة لوجوده والمتحدية لعنفه المطلق.
أما الحذف الثالث فهو ذاك الذي يأتي في نهاية القسم الثالث، ونهاية النص القصصي نفسه، وهو حذف متميّز تمامًا عن سابقيه المتعارضين. ففي حين يدل السباق القصصي هناك على ما أهمل، فإنّ الحذف هنا يدخل بترًا على هذا السياق وعلى النص، وذلك بقدر ما يشكل إثبات ما بدأ الطفل بِعدّهِ من لحظة توتر حادة ينقطع عندها القصص. لكن هذا القطع المتوتر لا يقفل في الحقيقة النص بقدر ما يفتحه على التاريخ نفسه الذي يشكل موقف الطفل، والنص بأكمله، مساهمة أولية في مسيرته.. ليتكرس من خلال ذلك، ليس البعد الجمالي للنص، كما يؤديه تضافر مستوياته في تركيبها البنائي الثلاثي كما هو ملاحظ على أكثر من صعيد، وإنما كذلك البعد النضالي والإنساني له.
ولا يسعنا في هذه المناسبة الجليلة، إلا أن نتوقف برهة عند مسألة قلما يلتفت إليها النقاد، وهي تنم عن ذكاء كنفاني الحاد في شكل تقديمه الطباعي لعمله القصصي، إذ نلحظ أن الفقرة الأولى من أقصوصته، مدار البحث، تبدأ بحرف طباعي غليظ (النبر البصري) يميزها عما عداها فيه، كما نلحظ فراغاً يفصل بين الفقرة الثانية (التي تنتهي عند هذه حصتك اليوم) وبين تلك التي تليها، وهذان ينمان عن عمق دلالي عميق، نكتفي هنا بالإلماع إلى علاقة الصيغة الطباعية الأولى بالتواصل الفلسطيني واستمراريته وعمق جذوره وامتداداته التاريخية، وإلى علاقة الفراغ الثانية بالتقطيع الصهيوني الفظيع المتمثل بالمجزرة الرهيبة الجماعية التي نفذها الصهاينة المسلحون، وإلى علاقتهما معاً بذلك الوقف القلق الذي إليه ينتهي النص**.
هوامش ومراجع:
(*) في مقالة سابقة نشرت على صفحات الهدف، عدد /1283/، كنا قد قسمنا نص غسان كنفاني إلى ثلاثة اقسام (وحدات) سردية، تبدأ الوحدة الأولى من مطلع النص (مَسّحُ الزَّبدُ المتوهج باحمرار الشروق رمال الشاطئ الفضية..) وحتى أحاديث الركاب عند الحاجز الصهيوني وتوقف السيارة (ثم وقفت السيارة وأطفأ السائق محركها). أما القسم الثاني فيبدأ من أمر الركاب بالنزول حتى فرار الطفل باكيا، ويبدأ القسم الثالث من سماع الطفل ضحكة الصهاينة وحتى عده البطيء. واحد، اثنان، ثلاثة.. وهذا ما نعتمده هنا.
(**) الآثار الكاملة/ المجلد الثاني، القصص القصيرة. بیروت، دار الطليعة، 1973، ص867 - 877
(مجلة الهدف، العدد 1308، 31 تموز 2000، ص 50-51)

