Menu

دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي

عطا درغام

نشر في العدد 40 من مجلة الهدف الرقمية

كان المستشرق الألماني تيودور نودلكه أول الباحثين المحدثين الذين أثاروا موضوع انتحال الشعر الجاهلي في سنة 1861، أي قبل الدكتور طه حسين بخمسة وستين عامًا؛ فاستعان بنتائج البحث في اللغات السامية وما كشفت عنه النقوش الحميرية والسبئية وفي اليمن الجنوبية عمومًا.    
وبالمقارنة بما حدث في الآداب الأخرى: الأدب اليوناني، وخصوصًا بالنسبة إلى هوميروس، وفي الأدب الألماني ليسوق الأسباب الدقيقة التي تؤيد وتوسع من نطاق النتائج التي وصل إليها ابن سلام الجمحي بنظرة ثاقبة لكنها غير مؤيدة بالأسانيد التاريخية. وأضاف إلى دواعي الانتحال الاهتمام بالداعي الديني الذي لم يمسسه ابن سلام الجمحي إلا مسًا خفيفًا.    
ونولدكه تلاه في سنة 1872؛ أي بعده بإحدى عشرة سنة؛ فأشبع القول المفصل في قصائد من هذا الشعر الجاهلي الذي نشر قبل ذلك بثلاثة أعوام (سنة 1869)، خير مجموعة نشرت حتى الآن منه بعنوان: "العقد الثمين في دواوين الشعراء الجاهليين"، وانتهي إلى تحديد أدق للأبيات والقصائد التي عدّها أو رجّح أنها منحولة في هذه المجموعة. وكذلك استقصى أخبار ونقد الرواة وخَصَّ خلف الأحمر ببحث مفرد، وهكذا تقدم كثيرًا في هذا الميدان.    
وتطرق إلى الموضوع، ولكن بمناسبة خاصة، هي نشر ديوان الحطيئة المستشرق الشهير أجنتس جولدتسيهر؛ لكنه لم يزد على ما جاء به نولدكه وألفت شيئًا يُذكر- وكان ذلك في سنة 1893.    
كما تناوله- بصورة عابرة- سير تشارلز ليال في مقدمة الجزء الثاني من نشرته لكتاب "المفضليات" للمفضل الضبي (لندن) لكن بحثه تعوزه الروح النقدية.    
وأخيرًا خطى البحث خطوة جبارة بمقال كتبه ديفيد صمويل مرجوليوث في عدد يوليو سنة 1925 من "مجلة الجمعية الآسيوية الملكية" استغل فيه نتائج النقوش الحميرية والعربية الجنوبية، وركز خصوصًا على الدوافع الدينية في انتحال الشعر الجاهلي والتغيير في روايته زيادة أو نقصًا أو تحريفًا له. وقد رد عليه برونليش في السنة التالية (سنة 1926) بمقال.    
ومن هذا الاستعراض يتبين لنا أن موضوع صحة الشعر الجاهلي قد شغل الباحثين الأوربيين منذ سنة 1861 على أقل تقدير، ووصلوا فيه إلى نتائج لا تزيد كثيرًا عما وصل إليه ابن سلام الجمحي قبل ذلك بأكثر من عشرة قرون، إنما امتازت أبحاثهم بالاستناد إلى أسانيد تاريخية موثقة، ونتائج اكتشاف لغات شبه الجزيرة العربية بفضل ما جمع من نقوشها، وما أدى إليه البحث المقارن في تاريخ أوليات الآداب في الأمم المختلفة؛ كما امتازت باستعمال النقد التاريخي والفيلولوچي الدقيق على النحو الذي سبقهم إليه في الأدب اليوناني علماء اليونانيات.    
والجدير بالذكر أن كل هذه الأبحاث قد بدأت في ستينيات القرن التاسع عشر، ونمت واتسعت، بينما ظل المشتغلون بالأدب العربي في العالم العربي والإسلامي بمعزل تام عنها، وفي جهل فاحش بها، وربما التفسير للدهشة التي قوبل بها كتاب الدكتور طه حسين (في الشعر الجاهلي). فلو كانوا على علم بما كتبه القدماء من علماء العربية مثل الجمحي، وبما كتبه المستشرقون قبل ذلك بستين عامًا لما قامت الضجة التي أثيرت حول كتاب (في الشعر الجاهلي) للدكتور طه حسين. فلهذا جاء كتاب (دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي) للدكتور عبد الرحمن بدوي وهي جملة مقالات ترجمها عن الألمانية والإنجليزية والفرنسية.