تتعلق والدة الشهيد عبد الحميد أبو سرور بكلمة "مؤقت" الذي أوردته سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" في نص قرارها لاحتجاز جثمان ابنها المحتجز منذ عام 2016م. تقول السيدة أزهار أبو سرور: "أحمل قضية ابني على كاهلي" وسأطلب مما يسمى "محكمة العدل العليا الإسرائيلية"، عبر المحامي قريبًا، حصر توصيف "مؤقت" في مدّة زمنية معينة، نهايتها معروفة؛ لتتحقق أمنيتي بـ"دفن جثمان ابني".
هذه هي الثغرة القانونية التي تحاول والدة الشهيد أبو سرور الولوج عبرها لتحقيق اختراق يمكّنها من تحرير جثمان ولدها من مقابر الأرقام الإسرائيلية، وإلى أن تحقق الوالدة أمنيتها تسعى جاهدة، عبر مسار قانوني آخر، إلى زيارة قبر عبد الحميد المجهول بصفته أسيرًا.
تقول أبو سرور، في مقابلة مع "بوابة الهدف": تقدمتُ بطلب لنيابة الاحتلال لزيارة قبره، وسأتقدم بطلب إلى المحكمة؛ لأنّ من حق العائلة زيارة ابنها بصفته أسير/شهيد.
وتشرح: "دفن جثماني ابني يعني لي الكثير، أنا أمّ، والأم تحاول دائمًا الوفاء بواجباتها تجاه أولادها، أنا ابني استشهد وواجبي الأخير نحو جثمانه بدفنه بكرامة، ولك أن تتخيل شعوري وأنا غير قادرة على القيام بواجبي هذا تجاه عبد الحميد".
وتضيف: "القضية الثانية هي قضية يقين، كل إنسان يدفن عزيزًا له، يغادر القبر غير مصدقٍ لحادثة الفقد، فكيف سنصدق حادثة موته ونحن لم نرَ جثمانه؟! إنّ أهل الشهيد لو كانوا مصدقين بنسبة 99 بالمئة موت ولدهم وبقي 1 بالمئة هاجس أنه حي سيتمسكون بالهاجس، خاصة أنهم لم يروا جثامين أولادهم ولم يدفنوها، وطالما أن جثمانه محتجز ستبقى وفاة ولدي رواية "إسرائيلية" ومن حقي أنّ أشكك في صحتها رغم كل تقاريرهم الطبية التي تحاول إثبات ذلك، تحرير جثمانه هو فقط ما يثبت موته.
كعبد الحميد أبو سرور؛ يحتجز الاحتلال الإسرائيلي جثامين 104 شهداء في الثلاجات، و256 شهيدًا في مقابر الأرقام، بينهم 13 شهيدًا منذ مطلع العام الجاري 2022، وتتبع "إسرائيل" سياسة احتجاز جثامين الشهداء منذ العام 1948، فيما يعرف بـ"مقابر الأرقام"، ومنذ العام 2015، بدأت "إسرائيل" باحتجاز جثامين الشهداء في الثلاجات ضمن سياسة ممنهجة.
ويتخذ الاحتلال الاحتجاز وسيلةً لمعاقبة أهالي الشهداء والضغط عليهم، كما يستخدم الاحتلال سياسة الاحتجاز بوصفها ورقة تفاوضية لأي صفقات تبادل للأسرى محتملة مع المقاومة ب غزة كما حدث مرات عدة سابقًا في إطار المفاوضات السياسية مع السلطة الفلسطينية.
ويري المعالج النفسي في المركز الفلسطيني للإرشاد حسام كناعنة أنّ عدم رؤية جثمان الفقيد يزيد من مخاوف الأهل بأنّ ابنهم تمّ اختطافه وهو مصاب، وقد يتمّ إعدامه بعد ذلك بدم بارد، ومنع سلطات الاحتلال من تشريح الجثامين بعد تسليمها يزيد من هذه الشكوك، هذه الحالة تؤدي إلى "فقدان ملتبس"، وما يميّز هذا الفقدان هو أنّه فقدان غير واضح المعالم وغير مكتمل، يكون الشهيد غائبًا جسديًا، حاضرًا نفسيًا، وحضوره يطغى على كلّ شيء آخر في الحياة، مع بقاء أمل ولو بسيط جدًا أنّه قد يكون على قيد الحياة.
ويشير، في مقابلة مع "بوابة الهدف" إلى أنّ أسر الشهداء المحتجزة جثامينهم تعاني من "الفقدان المُلتبِس"؛ فالحضور النفسي للشهيد يظلّ مسيطرًا على المشهد، بينما الجسد غائب في ثلّاجات الاحتلال.
ويوضح أنّ انشغال الأهل بكيفيّة استعادة جثمان الشهيد، يضعهم من حيث لا يعلمون، في فقاعة تفصلهم عن محيطهم وعن مسؤوليّاتهم وعن حياته السابقة، ولا يرون فيها سوى انشغالهم بقضية الفقدان هذه. مشددًا على أنّ "الحاجة لدفن الجسد ليست ذات أهمية متواضعة، كما يبدو للمجتمع الذي يفقد صبره بسرعة ويتوقّع من عائلة الفقيد التماسك والمضيّ قدمًا، وفي الدفن جانبًا ثقافيًا ينظر إليه كنوعٍ من تكريم الفقيد ومتطلّبًا حتى ترقد روحه في سلام، وإنّ رؤية جسد الفقيد تساعد في تقبّل غيابه".
ويؤكّد أنّ عائلة الشّهيد تشعر بالمسؤولية، وأنّ استعادة الجسد واجب لا يمكن التقصير إزاءه، وربّما يخالجها شعور بالذنب إذا ما عجزت عن مرادها، مضافًا إلى الشعور بالهزيمة، وهي مشاعر مناقضة بالكليّة لما يتوقّعه العُرف المجتمعيّ من شعورٍ بالفخر وبالألم الممزوج بالابتهاج، والمرافقَين عادة لأسر الشهداء.
تسعى إسرائيل تاريخيًا إلى قوننة انتهاكاتها بحق الشهداء، من خلال إيجاد مسوغات تُجيز احتجاز جثامين الشهداء، فقد أقرت "المحكمة العليا الإسرائيلية" في العام 2019 " قرارًا يُتيح "للقائد العسكري" باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين "ودفنهم مؤقتًا لغرض استخدامهم كأوراق تفاوضية مستقبلًا.
وفي هذا السياق، أقر وزير الحرب "الإسرائيلي" بيني غانتس، في أواخر العام 2021، سياسة عدم تسليم جثامين منفذي العمليات الفدائية، ليقوم الكنيست باستغلال الموقف والضغط باتجاه تشريع قانون "يخوّل شرطة الاحتلال احتجاز جثامين الشهداء".
ويعدّ احتجاز جثامين الشهداء انتهاكًا صريحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويخالف معظم المعاهدات والاتفاقيات والقوانين الدولية؛ حيث تحظر المادة 50 من "معاهدة لاهاي" للعام 1907 بشأن قوانين وأعراف الحروب سياسة احتجاز جثامين الشهداء، وفرض شروط مقيدة ومهينة على ذويهم قُبيل تسليمهم الجثامين، باعتبارها "عقوبة جماعية" يحظرها أيضًا البندان 15 و17 من اتفاقية جنيف. كما تنتهك تلك السياسة اتفاقية جنيف الأولى، والمادة "27 من اتفاقية جنيف الثالثة، وكذلك "قرارات لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب".
وترى الباحثة غزل الناطور، التي أعدت، مؤخرًا، ورقة بحثية تستعرض الأبعاد السياسية والقانونية لاحتجاز جثامين الشهداء، أنّ سياسة احتجاز الجثامين ورفض الاعتراف والإفصاح عن أماكن تواجدها ترقى إلى جريمة "الإخفاء القسري" الواردة في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، كما تناهض قواعد التعامل مع جثامين قتلى الحروب، التي ينص عليها القانون الإنساني العرفي"، وكذلك "البند الثاني من المادة 12" من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتعلق بالشعوب الأصلية".
وتشير، الناطور في مقابلة مع "بوابة الهدف" إلى أنّ سلطات الاحتلال تتعامل مع قضية احتجاز جثامين الشهداء على أنها ملف سياسي مغلق وقضية منتهية غير قابلة للتفاوض، وأنها الوحيدة التي يحق لها أن تقرر ماذا سيحدث في هذه القضية من دون أي اعتبارات للقوانين الدولية والجانب الفلسطيني وذوي الشهداء.
كما تشير إلى أنّ غياب خطة تحرك وطنية فلسطينية واضحة، على المستويين السياسي والقانوني، لمحاسبة إسرائيل؛ يستدعي البحث عن آليات وطرق أكثر فاعلية للضغط على الاحتلال وإعادة جثامين الشهداء.
وتضيف: رغم أهمية تحديد يوم وطني لاسترداد الجثامين، إلا أنّ التصدي للانتهاكات الإسرائيلية يتطلب وضع خطة شاملة مستندة إلى قاعدة بيانات محدثة، بما يضمن تحويل هذه القضية إلى عمل يومي وفعل مستمر على المستويين الوطني والشعبي.
خاتمة
تحظى قضية احتجاز جثامين الشهداء خاصة لدى الشعب الفلسطيني، بأهمية كبيرة، لا سيما مع تزايد أعداد الشهداء في ضوء تصعيد سياسة القتل والإعدام الميداني واحتجاز الجثامين، من دون أن يكون هناك رادع يجبر "إسرائيل" على وقف سياسة احتجاز الجثامين، وبالتالي من المهم السعي باتجاه تشكيل حراك وطني سياسي وقانوني ودبلوماسي فاعل، للضغط بصورة أوسع على السلطات الإسرائيلية لتسليم جميع الجثامين المحتجزة، والتزامها بالقانون والاتفاقيات الدولية.

