Menu

شعر ابن الفارض في ضوء النقد الحديث

عطا درغام

ابن الفارض

يُعد ابن الفارض(576-632م) بحق شاعر التصوف الإسلامي العربي.. ذلك أنه الشاعر المسلم العربي الذي وهب حياته وفنه لمعالجة هذا اللون من الشعر.   

ولم يُعرف لابن الفارض من آثار غير ديوانه، وعليه فهو عمر الشاعر الفني، والديوان في جملته وتفصيله تعبير عن عاطفة واحدة هي الشوق إلى الحقيقة الإلهية المطلقة، وقصائه محاولات متعددة الوصول إليها والتحقق بها والفناء فيها، سبيل الشاعر إلى هذه الغاية البعيدة هو" الحب الإلهي".       ولديوان ابن الفارض نسخ كثيرة متعددة، منها ما هو مخطوط ومنها ما هو مطبوع، إلا أن هذه النسخ على كثرتها وتعددها ترجع كلها إلى مصدر واحد أخذت منه.. ونسخة أصلية نقلت عنها تلك هي النسخة التي جمعها الشيخ "علي" سبط الشاعر؛ إذ أن عليًا هذا هو أول من جمع ديوان جده

وفي العصر الحديث تأتي دراسة الدكتور عبد الخالق محمود لدراسة ابن الفارض دراسة في ضوء النقد الأدبي الحديث ليجمع بذلك بين إحياء التراث وبعثه وبين إلقاء الأضواء وفيرة عليه من وجهة نظر حديثة ومعاصرة، تبغي الكشف عن أصالته وبيان مقوماته الفنية بالقدر التي تكشف به عن أصالته كتراث روحي له قيمته الفكرية.

ولقد انقسمت هذه الدراسة إلى بابين أساسيين تتبعها خاتمة تجمل أهم ما اهتدي بالباحث إليه.  

الباب الأول:" الشاعر وديوانه"، وانقسم بدوره إلى فصلين. الفصل الأول: عرض فيه الباحث لحياة ابن الفارض وعصره وثقافته، مبينًا أنه عاش فيما بين القرن السادس وبداية السابع الهجري، وفيه انتقلت مصر من حكم الفاطميين إلى حكم الأيوبيين فمعها مذهب أهل السنة الذي أحياه صلاح الدين الأيوبي، وتبعه في ذلك ملوك بني أيوب من بعده. 

والفصل الثاني: وعرض فيه الكاتب لديوان ابن الفارض، مبينًا أنه الأثر الوحيد الذي أبدعه الشاعر وأودع فيه تجربته الروحية الفذة، وعرض لجمعه وترتيبه وأثبت ثبتًا لجميع نسخه المخطوطة ثم المنهج الذي نهجه في التحقيق وتعريفًا مفصلًا بالنسخ الست التي قام عليها التحقيق، والرمز الذي رمز به لكل منها. 

والباب الثاني: "شعر ابن الفارض في ضوء النقد الأدبي الحديث" وانقسم الباب إلى ثلاثة فصول.. الفصل الأول: ابن الفارض "صوفيًا"، وقام بنيان هذا الفصل – في محاولة للكشف عن الأفكار التي عالجها ابن الفارض في ديوانه-معتمدًا بالدرجة الأولي على شروح الشراح وكلهم من الصوفية.. بدأه بدراسة مذهب ابن الفارض الصوفي، وانتهي إلى أنه ولئن كان مذهبه في الحب الإلهي "مذهبًا إسلاميًا" في جوهرة إلا أن ذلك لا يتعارض مع القول بتأثير نظرية "الحب الإلهي" بعامة بالعديد من النظريات غير الإسلامية، ولتكن النتيجة في نهاية الأمر مجموعة من النظريات في "الحب الإلهي"، وليس نظرية واحدة، وعرض وحدته على أفكار عصره. كالحلول" و"الاتحاد" و"وحدة الوجود".     

وخلص إلى أن وحدة ابن الفارض كانت "وحدة شهود".. ثم عرض لفكرة "الحقيقة المحمدية" التي يقترب ابن الفارض بقصوره لها اقترابًا كبيرًا من النظريات الصوفية المعاصرة له.   

أما عن وحدة الأديان" فإن ابن الفارض ينظر إليها على أنها متباينة في ظاهرها.. أما من حيث حقيقتها فلا تباين ولا اختلاف.. وينتهي هذا الفصل بعرض فكرة ابن الفارض عن "وحدة المعرفة" التي يقرر فيها أن النفس مصدر المعرفة، وأن هذه المعرفة قد طبعت فيها منذ الأزل وقبل اتصالها بالبدن.. ولكي يصل السالك إلى إدراك هذه المعرفة والمجاهدات لتصفو نفسه من كدرها.. فتعود المعارف منتشية على صفحتها وتتلقي العلم الإلهي على سبيل المكاشفة.

والفصل الثاني: ابن الفارض "شاعرا"، ويثبت فيه الباحث بالدراسة أن الديوان "ترجمة ذاتية" لابن الفارض ومحصلة لتجربته الصوفية الفائقة، ثم جاء ترتيب قصائد الديوان ترتيبًا نفسيًا يتسق وطبيعة التجربة الصوفية.. وانتهي الفصل بإخراج بعض قصائد الديوان عن دائرة نسبتها إلي الشاعر.      

والفصل الثالث: "القيمة الأدبية لشعر بأن الفارض" ويتناول الباحث فيه بالدراسة خمس نقاط هي:     

أولًا: "علاقة الشكل بالمضمون، تلك العلاقة التي تشكل في الشعر الصوفي بعامة- وفي شعر ابن الفارض بخاصة- قضية تُعد من أخطر قضايا النقد الأدبي الحديث. وذلك انه يستحيل فصل الشكل عن المضمون في هذا الشعر فليس فيه مقابلًا أو رداء يلبسه المضمون بل هو المضمون نفسه.

ثانيًا: "الرمز" لجأ ابن الفارض إلى الرمز ليجبر قصور اللغة العادية الصريحة الدلالة وعجزها عن التعبير عن خفايا النفس واهتزازات الوجدان، ولقد أبرزت الدراسة أوجه شبه كثيرة- تلفت قويًا- بين خصائص المدرسة الرمزية- الفرنسية بوجه خاص- وبين تلك التي صبغت شعر ابن الفارض.     

ثالثًا: "الخيال".. كان علي الباحث وهو يدرس مفهوم "الخيال" عند ابن الفارض من خلال شراحه الذين هم في الوقت نفسه تلامذة ابن عربي وأفكاره عن الخيال.. وكان عليه أن يستحضر آراء ابن عربي وأفكاره عن الخيال.. وكان عليه كذلك أن يظل على ذكر حقيقة هامة هي أن ابن الفارض قد حصر فكرته عن الخيال-طبيعة ووظيفة- وقصرها على مجال "الحب الإلهي"، فليس للخيال عند ابن الفارض الشاعر نظري أدبية مجردة بل هو بعد من هذا بكثير أنه الوسيط الوحيد الذي يصل بابن الفارض إلى غايته البعيدة المنال إلى معرفة الله الحق وحبه، ومن ثم الاتصال به فالفناء فيه.   

رابعًا: "الصورة الفنية".. فلا يمكن لأي مفهوم عن الصورة الفنية أن يقوم إلا علي أساس مكين من مفهوم الخيال الشعري نفسه؛ إذ الخيال هو الرحم- العائل الوحيد- الذي تتخلق فيه الصورة الفنية وتتولد.    

وقد تناولت الدراسة بالتحليل ثلاث صور، وهي:   

صورة: النحول والضني     

صورة: الطيف وخياله

صورة: البكاء والسهاد

رابعًا: الخصائص الفنية لشعر ابن الفارض.. وقد حاول الباحث في هذا الفصل الأخير من الدراسة أن يبرز أهم ما تميز به شعر ابن الفارض من خصائص، فدرس أولًا:" العنصر الموسيقي"، محاولًا البحث في شعر ابن الفارض عن إجابة لسؤال مطروح هو: كيف يخلق الشاعر صوره الموسيقية التي تنقل أولًا وقبل كل شيء حالته الشعورية؟ ثم توقف ثانيًا مع ابن الفارض وهو يصطنع "القصة الشعرية" إطارًا لأطول قصائد ديوانه على الإطلاق- 761 بيت! وهي قصيدته "نظم السلوك".. وأخيرًا أثبت ما لثقافة ابن الفارض الإسلامية الكبيرة من أثر واضح في أسلوبه مكنه من التعبير عن تجربته الفريدة فجاء معجمًا غاصًا بالكثير من الإشارات: الدينية والادبية والنحوية واللغوية.. مستلهمًا احداث التاريخ الإسلامي وسيره، متمثلًا بالقرآن نصه وقصصه، فاقهًا الحديث النبوي متنه ومعناه، حافلًا إلى أبعد الحدود بالمصطلحات الصوفية الرامزة التي جمعها في فهرس خاص بها مع بقية فهارس الديوان. 

وبهذا التناول لشعر بأن الفارض في ضوء النقد الأدبي الحديث، يمكن القول بقيمة الديوان الأدبية وبأصالة مبدعه الذي اشتركت في تكوينه بيئات ثلاث: الشام وإليها يرتد أصله، والحجاز وفيها فتجه وكشفه واليها حنينه وشوقه، ومصر وفيها مقامه وسياحاته ومجاهدته.