خمسون عامًا مرت على رحيل الكاتب المناضل غسان كنفاني الذي مثَّل حالة متفردةً في السردية الفلسطينية الحديثة التي ألهمت الوجدان العربي جيلًا بعد جيل، وألهبت الفكر ثورة بعد أخرى، غاص عميقًا في الذاكرة الفلسطينية الجمعية ليقدم لنا أصل الحكاية، هو كاتب مؤرق بأسئلة الهوية والوجود، طُوعت له اللغة، وامتلك أدواته الإبداعية والمعرفية ليكون كاتبًا استثنائيا في تاريخ الثقافة الفلسطينية، ولتصبح أعماله الأدبية مرآة الوعي النضالي، ووقود الفكر الوهاج، وطاقة متجددة لا تنضب عبر العصور، لما كان يمتلكه من رؤية عميقة وصادقة، كان شاهدًا على الأحداث المفصلية في تاريخ الوطن فترجمها جماليًّا بوعي الأديب الثوري، والمفكر الناقد، والفنان المبدع، كان غسان كنفاني شخصية متعددة المواهب، فكان صحافيًّا وقاصًا وروائيًّا ورسامًا ومفكرًا وناقدًا ومسرحيًّا. إنه كتيبة إبداعية زاخرة وملهمة ومتفجرة بالحياة والمعنى، ترجمت أعماله لأكثر من عشرين لغة.
غسان كنفاني هو المحرض الأول للفعل الثقافي والثوري، صوت الوعي المقاوم، الذي جسد مفهوم المثقف العضوي الفاعل على مستوى الكلمة والفعل، إذ اتخذ من الحرف سلاح مقاومة، ومن الفكر المستنير وسيلة تحريض، أسس كنفاني خطابًا أدبيًّا روائيّا وقصصيًّا ذا خصوصية في ملامسته لجوهر الإنسان المفجوع بتغريبته الذي يبحث عن المعنى في واقع مأزوم ملتبس، أثارت كتاباته الأسئلة المعرفية حول ما كان ويكون والمصير، رصد بعين ثاقبة أحلام شخصياته في المكان والزمان، اعتنق الحلم وآمن بالجمال والثورة، ولا غرو أن ميلاد ابن عكا كان عام انبثاق ثورة 1936، الثورة التي شكلت ملامح أدبه، يستل منها ما يصوغ حكاية شعب آمن بالحرية والمقاومة، إذ راهن على الفكر الثوري والوعي المجاوز الذي يقود للتغيير والتنوير، فقد رأى أن الثورة وحدها هي الكفيلة باسترجاع الوطن، وبقي ثابتًا على رأيه حتى اغتالته الأيادي الآثمة عام 1972. انطلق مشروعه التثويري والتنويري بتشريح الهزيمة ناقدًا إياها، استل منها خيط البداية لتكون الدافع والمحرك للفعل الثوري، فلم تكن النكبة في فكر غسان هي النهاية، فهي التي أنضجت الوعي الفلسطيني المقاوم وعززت من قيمه التراثية والوطنية، وأسهمت في بناء الهوية الثقافية، هي الحدث التكويني الأكبر في الذاكرة الجمعية الفلسطينية. جسد غسان المأساة الفلسطينية جماليًّا وقدم الواقع عاريًّا بتناقضاته وتحولاته لتصبح الكتابة لديه عملية حفر عميقة في الوعي والكينونة من أجل إنتاج نصوص متفجرة بالمعنى والدلالة قادرة على تجسيد قضية الإنسان وتأصيل هويته المتجذرة بالأرض ضاربة جذورها في عمق الذاكرة الجمعية، إذ بدا في أدبه محللًا ومشرّحًا لواقعه مفككًا إياه ومستشرفا مستقبله؛ فهم غسان آلية عمل الكتابة ومغزاها الذي يقود لتغيير الوعي وتشكيله؛ أدرك أن جوهر العملية الإبداعية الحقيقة تعتمد على مفهومي الهدم والبناء؛ فالكاتب كي يبث أفكاره التحررية ويبني أنساقه المعرفية الثورية ويبني خطابًا توعويًّا عليه أن يهدم ويخلخل منظومة الفكر الرجعي؛ فكر الهزيمة والتغييب والاستلاب، ويعمد لخلخلة بنية القهر، لمواجهة الرواية الصهيونية التي حاولت أن تعبث بالهوية الفلسطينية وتشويهها وطمسها، عرف غسان ماذا يكتب؟ ولمن يكتب؟ وكيف يكتب؟ ومتى يقتنص المعنى ويشيّد الدلالة ويُحكم هندسة نصوصه بوعي نافذ وبلغة بسيطة وعميقة، لتصبح الكتابة لديه فعل تحرر وانعتاق، ومعولًا من معاول التغيير عبر الثورة بعيدًا عن الحلم الرومانسي والشعارات الخطابية الرنانة. والكتابة متى تحررت من الصوت الأيديولوجي الزاعق ولامست جوهر القضية والإنسان فهي تُحدث التأثير المطلوب في نفس المتلقي.
لقد أدرك غسان سلطة اللغة وضرورة مواجهة رواية النقيض بالحكاية التي تجذر الوجود الفلسطيني في المكان، كما أعلى من سلطة العقل، وأهم مقولة من مقولات: العقل هي الحرية، فهي عين وجود الذات، فالإنسان ولد حرًا ولا يمتلك خيارًا سوى استعادة حريته المسلوبة بالكفاح، لذا لا بديل عن الوعي المقاوم للخروج من دائرة الهزيمة في فكر غسان، ولا ننسى أنه أول من قدم مصطلح "أدب المقاومة" على الساحة الثقافية العربية عام 1966 عبر كتابه "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968"، وهذا الأدب بحسب عباراته يمثل "صرخة شجاعة"، ويجسد حالة من حالات "الصمود من الداخل" وهو أدب ملتزم بالقضية التزامًا واعيًّا، المعبر عن الذات "الواعية بهويتها" و"المتطلعة إلى الحرية" في مواجهة الآخر العدواني. آمن أن المقاومة في الأدب تهدف إلى تدعيم ركائز الحرية والمسؤولية في الإنسان ومجابهة كل ما من شأنه هدر كرامة الإنسان وكينونته، ليصبح الكاتب مناضلًا في مجاله لا يقل دروره عن المناضل المسلح، وهو كذلك أول من قدّم دراسة معمقة ومنهجية في الأدب الصهيوني بأساليبه وفنونه بمراميه السياسية في ثمانية فصول.
امتلك غسان كنفاني مشروعه الأدبي لا سيما الروائي الذي اشتغل عليه بوعي نافذ وخطة مدروسة؛ انتقل فيها من تشريح فكر الهزيمة إلى الوعي المقاتل، بدءًا من رواية "رجال في الشمس" 1963 التي شرَّح عبرها الهزيمة وانتقد الزعامات الخاسرة في ظل غياب الوعي ممثلة في ثلاث شخصيات رئيسة: أبو قيس، ومروان (اللذين يجمعهما الفقر والعوز)، وأسعد المناضل المطارد؛ اتفقوا مع أبي الخيزران ممثلًا القيادة الخاسرة ليهربهم للخارج؛ آثروا ثلاثتهم المنفى سعيًّا لحياة جديدة، لكن الصحراء كانت شاهدة على موتهم في الخزان الذي لم يدقوه استسلامًا لمصيرهم، لتنتسج دلالة النص مؤكدة أن الموت هو مآل من آثر الهروب من الوطن، في حين أن رواية "ما تبقى لكم" 1966، راهنت على إرادة الفعل بعد حالة الاستفاقة من الصدمة والخروج من الذات والتيه؛ فاستحالت الصحراء التي كانت شاهدة على الموت في رواية رجال في الشمس إلى مكان استعادة الوعي والمواجهة الواعية مع المحتل، فلم تكن صامتة هذه المرة، كانت شاهدة على مواجهة "حامد" للضابط الإسرائيلي المسلح الذي ضل طريقه، ليتلاحما في الظلام ويتمكن حامد من نزع سلاحه، ليتغير الميزان لصالحه؛ إذ يجد نفسه ممسكًا بزمام الأمور بعد رحلة تيه وبحث عن الذات، وليصبح كل شيء في الرواية يدق؛ الساعة تدق، الجنين في بطن مريم يدق؛ الأمر الذي يشي بحالة من الفعل الخلاق تنتهي بثورة حقيقة بعد معرفة الذات واستعادة قدرتها على الفعل، لتراهن الرواية على الرغبة الأكيدة في الخروج من دائرة العجز والاستلاب لدائرة الحراك الثوري والمواجهة.
وفي رواية "أم سعد" 1969، يتبلور الوعي ويتطور بعدما يتحول "الفقير" إلى ثائر يطالب بحقوقه بعدما كان هاربًا في رواية "رجال في الشمس"؛ فالفقراء في "أم سعد" كانوا أساس العمل النضالي ووقودها في المخيم الذي استحال بيئة ثورية بتحريض من "أم سعد" معلمة الجماهير، يختار في هذه الرواية الانحياز الطبقي والفكري إلى "المخيم"، ويكشف الفرق بين خيمة وأخرى؛ خيمة اللاجئ وخيمة المقاتل، وبينهما يكتمل الوعي الفائق باللحظة الثورية وتوهجها.
كان غسان كنفاني ذا رؤية ثورية، ولكي تحدث الثورة لا بد من "الوعي" بضرورة التغيير، وهي إحدى المقولات المعرفية المهمة التي اشتغل عليها في خطابه الإبداعي، ففي رواية "عائد إلى حيفا" 1969، ناقش مفهوم العودة إلى الوطن بعد النكسة، كان يؤمن أن الإنسان ليس في نهاية المطاف إلا قضية، ومنذ اقتلاعه من أرضه متنقلًا بين المنافي كبرت معه القضية، وظل في جيبه مفتاح عتيق لبيت أجداده سرقه منه يهودي، وروايته "عائد إلى حيفا" تناولت مفهوم العودة إلى حيفا بعد عشرين عامًا ليبحث سعيد وزوجته عن ابنهما الرضيع "خلدون" الذي تركه والداه غفلة إثر التهجير القسري ليجداه بعد ذلك وقد أصبح "دوفًا"، ليتفتق الوعي لسعيد بأن فلسطين ليست هي الذكريات بل هي المستقبل وما بينهما حاضر مقاوم قوامه وعي البندقية.
وفي روايته غير المكتملة "الأعمى والأطرش" التي نشرت بعد استشهاده ناقش مفهوم الركون والعجز بانتظار الذات حدوث معجزة، وأن رحلة المعرفة تبدأ من مجاوزة دائرة الوهم بتحطيم الأوثان، جسد غسان ذلك بشكل رمزي من خلال الشخصيتين الرئيستين: "عامر/الأعمى"، و"أبي قيس/الأصم" ورحلة تفتق وعيهما واتضاح أنهما واهمان وأنهما علقا في دائرة انتظار المعجزة التي لم تحدث مدة عشرين عاما؛ معجزة الأعمى في أن يبصر، والأصم في أن يسمع عند ضريح أحد الأولياء، والولي رمز به غسان إلى كل المعتقدات التي من شانها أن تشل الذات عن الفعل وتركن إلى المسلمات وتؤكد على الاستسلام، وبالتالي فغسان رأى أن الخروج من متاهة الهزيمة يتطلب الوعي بضرورة مجاوزة دائرة انتظار المعجزات، أو مجرد الحلم بحدوث معجزة، لذا راهن على الوعي والفعل. كما وناقش معاناة المنفيين واللاجئين ومصيرهم في "أرض البرتقال الحزين"، و"موت السرير رقم 12"، لتكتمل رؤيته وتنفتح طاقة من الأمل في نصوصه رغم سوداوية الواقع، ولتنجدل أعماله الروائية والقصصية مع بعضها البعض في ضوء فلسفته الخاصة التي نثرت الجمال في وجه القبح، ورسمت ملامح الذات الفلسطينية واضحة وصلبة أمام من أراد تمويهها وشطبها، لتكون أعماله الإبداعية متجذرة في الوجدان الفلسطيني، ومصدر وحي للأجيال اللاحقة، ومازال صوت غسان كنفاني يصدح يحثنا على مواصلة المسير، وإزالة الغبار عن أعيننا لنرى الطريق الذي عبّده بكلماته وآمن به، ولا طريق سواه؛ طريق الثورة حتى النصر.

