تتميّزُ روايةُ ما تبقّى لكم عن بقيّة روايات غسّان كنفانيّ بثلاثة قضايا، أوّلها عنوان الرواية الذي يتوجّه خطابًا إلى عموم الشعب الفلسطينيّ، سواءً كصيغة إثباتٍ أو استفهام، في حين ارتبطت عناوينُ كلّ رواياته بشخصيّاتها. وثانيها بالتركيز على العلاقة بين الشخصيّتين الفلسطينيّة والإسرائيليّة بشكلٍ إضافيٍّ بوصفِها علاقةَ صراعٍ مصيريّ، وبشكلٍ يختلفُ عن المشهد الحواريّ في رواية عائد إلى حيفا. وثالثها اعتماد أسلوب تيّار الوعي في سرد أحداث الرواية. يركّز هذا المقال على القضيّة الثانية بالأساس.
أوّلًا: الصّراعُ بين صدفة المواجهة وعمق المحفّزات
تدورُ علاقة الصّراع بين الشخصيتين في صحراء الجنوب الفلسطيني، التي تتحرّر في رحابها الشخصيّة الفلسطينيّة "حامد" من العجز والتردّد، عندما بات الصّراع بفعل عواملَ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ قدرًا لا مفرّ منه. فعلى المستوى المباشر يشكّلُ ظهور الجنديّ الإسرائيليّ عاملَ إعاقةٍ غير متوقّع. يسدّ على حامد الطريق، في حين كان يحاول عبور الصحراء، مخلّفًا وراءه ماضيه وأخته الملطّخة، محاولًا الانفلات إلى المستقبل؛ بالوصول إلى الأم الطاهرة التي تقيم في الظاهريّة – الخليل، التي تسبب فقدها في كلّ مصائبه. لقد كانت طلقاتُ مسدّس الإشارة التي تلمع في الفضاء، بالنسبة له إشارة إلى أنّه يواجه "شيئًا معاكسًا"، يمكن أن يسدّ عليه طريق الوصول بسلامٍ إلى أمّه، لذلك فإنّ الرغبة الملحّة في الوصول إلى الأمّ تقتضي الاختباء وتفادي الاصطدام بذلك الشيء المعاكس. بينما كانت الرغبة الملحّة بالنسبة للجنديّ الصهيونيّ وصول جماعته إليه بعد أن ضلّ الطريق وافترق عنها، تقتضي الظهور والانكشاف، لذلك أعلن عن وجوده في مكانٍ محدّدٍ بطلقات الإشارة.
يقول حامد موضّحًا وضعيّته ووضعيّة الجنديّ الصهيونيّ، بأسلوب تيّار الوعي: "ها أنا أشدّ جسدي إلى الأرض ما وسعني ذلك كي لا أكتشف، ووراء الهضبة، يوجد من يطلق إلى السماء ضوءًا ساطعًا كي يكتشف". وبالرغم من أن كلا الشخصيتين كان ينشد وصلًا مختلفًا عن الآخر. وتحفّز كلا منهما رغبات لا علاقة لها بالآخر، بل إنّ كليهما كان يحاولُ تجنّب الاصطدام، حامد بوعي، والجندي بغير وعي؛ لأنّه لا يتوقع وجود حامد أصلًا، إلا أنّ وجودهما في المكان ذاته الذي يمثّل الوحدة الضامة للنقيضين، يجعل من اصطدامهما قدرًا محتّمًا. "لقد بدا ارتطامهما ببعضهما في ذلك المدى اللانهائي قدرًا غريبًا، وربما مصادفا، ولكن لا مفر منه"، ويتبدى المستوى غير المباشر عندما يحدث الاصطدام بين الشخصيتين، ويتمكن حامد من الجندي وأخضعه لسيطرته، ليكتشف من خلال أوراقه أنه يقيم في "يافا" فيقول له: "هل تعرف رجلا من غزة اسمه سالم.. ربما أنت الذي قتلته أيضا كيف انتهى الأمر بذلك الحي، الذي كان يمتد بين جامع الشيخ حسن وحمام اليهود المحروق في المنشية". وبذلك تتطور النظرة للجندي من كونه عائقا للعبور، إلى كونه الواقف خلف كل فصول المأساة المحفزة للتفكير في العبور، فهو الواقف خلف مأساة حامد وهزيمته الوطنية والشخصية المتمثلة في الطرد من الوطن بما رافقها من انتهاكات وترتب عليها من نتائج، متمثلة في فقدان الأم، وانتهاك شرف الأخت على يد زكريا الذي وشى أيضا بسالم المناضل، مما أدى إلى مصرعه على أيدي قوات الاحتلال، وبذلك يصبح الماضي بكل مآسيه هو الحاضر المباشر، والفاعل الايجابي في وعي حامد، الذي يعدل من خطته الأساسية وهي البحث عن الأم، وتتغير نظرته للصحراء التي تتبدل من كونها طريقا للعبور، إلى مكان للبقاء وخوض الصراع من أجل تطهيرها من الدنس "ولم يعد يريد الذهاب إلى أي مكان آخر".
ثانيا: التجليات المادية والمعنوية للصراع
يدور الصراع بين الشخصيتين بكيفيتين متتابعتين الأولى مادية والثانية معنوية. يتبلور الصراع المادي بسيطرة حامد على الجندي، واستيلاءه على المتعلقات المادية الخاصة به التي كانت تشكل عوامل قوته وتفوقه. فيجرده من رشاشة ويرمي به بعيدا، بينما يحتفظ بسكينته، ويستعملها لإدامة هذه السيطرة وفرض شروطه عليه، ثم يستولي على أوراقه الشخصية التي تثبت هويته، وعلى مطريه الماء، بوصفها الوسيلة الأهم للبقاء على قيد الحياة في الصحراء. لكن ذلك يتحقق من خلال مسار الارتطام والاشتباك بين خصمين غير متكافئتين، من حيث عوامل القوة المادية، فحامد من غير سلاح وهو يدرك ذلك النقص، الذي ينطبع في وعيه عبر الكلمات الآتية: لأول مرة في حياتي افتقدت السلاح فعلا هنا، ليس بوسع المرء أن يحصل على حجر أو على عصا «أما الجندي فقد كان مسلحا برشاش حديدي صغير وسكين طويلة ومدربا على فنون الصدام المباشر والجسدي «. لكن موازين القوى تبدأ في الميل لصالح حامد، لحظة تحفيز قواه الكامنة، المتمثلة في "قدرته على المفاجأة" وتوظيف عناصر الطبيعة كأدوات قتال. يقول: "كنت مسلحا بقدرتي على مفاجأته فقط، وأورثني هذا السلاح شعورا بقوة مجهولة تعمل إلى جانبي"، فالأرض تقوم بدور المساعد له، فهي تدفعه في وجه العدو ليصبح في طول قامته، وبالنتيجة يخضعه لسيطرته. يقول: "وفجأة صار أمامي تماما فدفعتني الأرض دفعا إلى فوق ووقعنا معا.. تيقنت إنني أقوى منه.. رفعت ركبتي ووضعتها بين فخذيه، فأخذ يئن بصوت واهن.. المفاجأة كانت قد شلته نهائيا.. نثرت حفنة رمل في وجهة". لكن هذه المفاجأة التي أذهلت الجندي لم تمنعه من رد الفعل بقوة فقد "انتصب واقفا وتعلق بعنقي بكفيه الدقيقتين القاسيتين، ولكنه حين أحس بالسكين تضغط فوق بطنه تراجع وأخذ ينظر حواليه مرة أخري محتارا". إن حتمية الصراع وضرورة الانتصار فيه بالنسبة لحامد لم تكن بذات الحدة بالنسبة للجندي؛ وذلك لأن حامد يعرف خصمه، بينما الجندي لا يعرف ضحيته. فقد انتهى الشعب الفلسطيني ولم يعد موجودا في وعيه، ومن يستطيع الوصول إلى هذا المكان، لن يكون بالنسبة له إلا صديقا، وفي نطاق المزاح. أما وصول عربي إلى هذا المكان، فأمر غير وارد وهو ما جعل سلاح المباغتة والمفاجأة أكثر فاعلية. يقول حامد مفسرا ذلك: "وفجأة اكتشفت انه لم يستسلم أمام قوتي، ولكنه لم يقاوم على الإطلاق؛ لاعتقاده بأنه صادف أصدقاء له.. أحتاج إلى وقت طويل صعب كي يصدق أنه ليس مزاحا من أحد أصدقائه"، أي أنه قد دخل دائرة الاطمئنان التي تنبني على التجاهل والنفي التام للفلسطيني "ولم يحسب أبدا انه سيستمع، فجأة، إلى كلمة عربية في هذا المكان البعيد". وإذا كانت عنجهية المنتصر في الماضي أحد أسلحة المهزوم للانتصار عليه في الحاضر، فإن حامد باتكائه على هذه المسألة، يجعل من الإعلان عن الوجود الفلسطيني، أحد علامات إعطاء الصراع سمته الوطنية، بينما يتمثل على المستوى المعنوي في الوضعية النفسية التي آل إليها كل من الشخصيتين بعد حسم الصراع المادي، ونظرة كل منهما لمعاني اللحظة التي يوجد فيها، ومدى انعكاس ذلك على وعيه وقناعته، وهما "في الخلاء المترامي جالسين كشبحين لا يفصل بينهما إلا نصل، وظهرا كشيئين غير حقيقيين تحوم حولهما ريح الموت الباردة، بانتظار لحظة الحقيقة الوحيدة التي بدت بعيدة عن كتفيهما القريبتين إلى بعضهما قربا لا يصدق". فبالنسبة للجندي وبالرغم من أنه يبدو في نفس وضعيته السابقة للصراع، ينتظر معجزة وصول رفاقه إليه، إلا أنه لم يعد يملك إمكانية الإعلان عن نفسه ومكانه، ولم يعد مالكا لحريته الذاتية، بعد أن أصبح رهينة لخصم لم يتوقعه. لذلك كان خائفا وهو ينتظر "لمفاجأة تنبع من بين قدميه". تتبدى في مرور دورية بالمكان، وهنا يبرز عنصر الزمن كعامل ضاغط عليه ومساعد لحامد. فكلما طال الزمن تبدت ملامح خسارة الجندي النهائية، لذلك يقول له حامد بنوع من الثقة: "الوقت لا يمكن أن يكون ضدنا نحن الاثنين معا بصورة متساوية… لقد تحول انتظاره إلى مستنقع بلا قرار، وأضحى الزمن خصما"، ذلك إن قصر الزمن، أي سرعة وصول الدورية إليه يعني مصرعه، وطول الزمن يعني موته عطشا في الصحراء.
أما بالنسبة لحامد فهو رغم ارتباكه أمام حجم إنجازه الأول والمفاجئ، إلى درجة أنه يجد نفسه "في وجه لحظة جديدة لا يعرف كيف يتدبرها.. إلا أنه تجاوز الخوف إلى "شعور غريب لا يفسر" ودخل في مرحلة الاطمئنان الذاتي كدليل على حسمه للصراع على الصعيد المعنوي، كما أنه تجاوز لحظة الارتباك بإعطاء النجاح على هذا المستوى بعدا وطنيا. وقد بات يرى في خصمه قاتل أبيه وقاتل سالم وقاتله في أية لحظة، وبذلك يضع الصراع في مساره الأساس والسليم، وهنا بالضبط ينبثق الزمن الفلسطيني الجديد، عند نقطة التقاطع بين الزمن الماضي النتن، والزمن الحاضر الزمن الإسرائيلي المرعب. كما تختلف دلالات الزمن بالنسبة للاثنين، خاصة أنه في اللحظة التي يشتبك فيها مع عدوه، رمز الزمن الحاضر، تشتبك أخته مريم مع زكريا رمز الزمن الماضي وأحد أسباب الهزيمة السياسية والاجتماعية وتصرعه. وبتحرر حامد من ضغط الزمنين، يبدأ في صياغة زمنه القادم، لا سيما وأنه يعي بشكل عميق اختلاف الدلالات بين مصرعه ومصرع خصمه؛ لذلك يقول للجندي: "تعال أقول لك شيئا مهما: ليس لدي ما أخسره الآن، ولذلك فاتت عليك فرصة أن تجعلني ربحا، وبهذا أن تُقتل أنت هنا على بعد خطوات من معسكرك، ربما هو عمل أخطر من أن أقتل أنا، مجرد عدو اقتحم عليكم قلعتكم وكان وحده تماما، بلا سلاح"، وهذه هي نقطة التمايز الثانية على مستوى الصراع المعنوي بين الشخصيتين. فكون الأمر قد غدا "قصة مسافة ليس غير، وربما زمن أيضا"، إلا أن حامد لم يعد يكترث كثيرا بالزمن، ويلخص رؤيته بقوله للجندي: "كما ترى، المسافة لصالحي فأنت أقرب إلى نصل سلاحي مما أنا إلى فوهات بنادقهم، قبل دقائق كان كل شيء في هذا الكون ضدي تماما وكانت الأمور كلها في غزة وفي الأردن تعمل في غير صالحي، وكنت أقف هنا، هنا بالضبط في رقعة محاطة بالخسائر من كل جانب".
إن وعي حامد بأنه في وضع مختلف عن خصمه لأنه "لم يكن ينتظر شيئا"، يجعله يعدل من نظرته إلى الصحراء. فبعد أن كانت في وعيه مجرد ممر سيعبره للوصول إلى أمه، تصبح مكان البقاء الذي سيحسم عيه الصراع، ويتخلص من إذلاله الوطني والشخصي. لذلك يعقد العزم على البقاء حتى النهاية، وعلى الرغم من الدلالات المادية والمعنوية لسير الصراع إلا أنه ينتهي دون حسم، حيث يبقى الطرفان وجها لوجه ووراءهما "كان أفق من الرمال تحت سماء بيضاء عالية يبدو وكأنه مسرح ستندفع فيه حين يدق جرس ما، سيارات وكلاب ورجال، يسوقون أمامهم رشاشات سوداء، ذات فوهات دقيقة، ولكنهم جميعا سيظلون ملتصقين قرب مؤخرة المسرح أمام تلك الخلفية الفارغة، إذ يكتشفون فجأة أن القصة إنما تجري هنا، وأنهم هم المتفرجون" وهي إشارة إلى أن النهاية قد بقيت مفتوحة ولم تغلق، ذلك أن شكل انغلاقها مرهون بما يجري في وعي من يتوجه لهم خطاب العنوان "ما تبقى لكم" وما يمارسونه من فعل مادي على أرض الواقع.

