قراءةٌ مختارةٌ في دفترِ الأسئلةِ والاشتعالات
ناقدٌ وكاتبٌ فلسطينيّ/ سورية
غسّان كنفاني في وجوهِهِ الكثيفةِ ومراياهِ المتعدّدة، هو أكثرُ من علامةٍ بفعلٍ غيرِ سيرةٍ له، فمن أين يبدأ غسان كنفاني وإلامَ ينتهي؟ تلك صورتُهُ الأخرى العابرة لأزمنتها وليصير الزمن الفلسطيني باستعارة أثيرة: زمن غسان كنفاني، وعليه فإنّ غسّان هو أكثر من فكرةٍ وأدّل من استعارة، هكذا في مقاربته في لحظةٍ مختلفةٍ وفي زمنٍ مختلف، ذلك أنّ كتابة الأثر ما زال رجعها صادحًا في الذاكرة البعيدة والقريبة، ولعلّنا في المرايا «مرايا الدهشة والاكتشاف»، سنعثر على وطنٍ بحجمٍ غسان، وستعثر اللغة على ما جعلها حقلًا دلاليًّا واسعًا، سيرةً ومسيرةً وأقانيم إبداع متعدّدة في حياةٍ سريعةٍ مترعةٍ بقوّة المثال كثافتها غسان كنفاني «الفنان التشكيلي الروائي القاص المسرحي المعلم السياسي البارع والإعلامي النجيب». لكن الأدلّ هو غسان الإنسان، فثمة ما هو جدير بالذكر الآن ومن دفتر يوميات الرفيق الشهيد غسان كنفاني المؤرخة بين عامي (1959، 1960) خلال فترة عمله في الكويت، وهذه الأوراق يمكن لها أن تشي بمكامن إبداعه وقلقه الوجودي وأسئلته الكبرى، وتجهر بصيرورات روحه كما فكره المنثور على ضفاف إنسانيته، يقول غسان: «ماذا تبقى؟ ما الذي أبقى التجربة أم الحضور، الدهشة معًا؟ لقد أضيئت المداخل والجنبات والضفاف والتفصيلات... للتفصيلات مقامٌ آخر، مقامُ الولادة، الخطو الصعب، مقامُ المشروع الكلّي، فحيث البدء، الافتتاح المجيد ينبجس ينبوع الديمومة، التواصل الملحمي».
هذه الأوراقُ بعض من دفتر الرجل/ السفر لما رأى، لما عاش/ لما عرف، دفتر الأسئلة والاشتعالات التي أبرمتها «الوقائع» سيرة بناء الذات لمتراسها المشروط بالألم، بالجرأة والأسئلة المضادة! هكذا يفتتح غسّان كنفاني تلك الأوراق برمزيّاتٍ هائلةٍ وأسئلةٍ فادحةٍ محمولةٍ على هواجسِهِ وإرهاصاتِ مشروعِهِ وأبعادِ رؤيته، التي تتحدّد بمنهجيّتها بوصفها بوصلةً للمعنى الذي ظلَّ غسّان كنفاني يُطيّفه في عوالمه الإبداعيّة المختلفة ذاتًا وموضوعًا، لكنّها المتّصلة ب فلسطين الوطن والإنسان والحقيقة... كلّ الحقيقة، التي أصبحت أكثر من شعار، بل قوّة مثال غسّان كنفاني في مضمون رسالته الإعلاميّة والمرتبطة بحوافز التفكير والاستنهاض، يقول في ورقةٍ مؤرّخةٍ بتاريخ 31/12/1959: «إنّ الضباب الأسود غير موجود في الطبيعة، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يؤكّد أنّه ليس أبعث على الراحة من الضباب الطبيعيّ الذي لا لون له» تحكم هذه الورقة رؤيته للاتّساق مع الذات بعيدًا عن تناقضها، وهو ينطلقُ من الباعث الطبيعيّ الذي يمثّل روحَ الأشياء، وتلك عتبةٌ إبداعيّةٌ كامنةٌ تخلصُ للجوهر بقدر ما تشي به وتجهر: الوضوحُ وليس أقلّ من ذلك، ليعود في ورقةٍ مؤرّخةٍ بتاريخ 2/3/1960: «أن يسقط الإنسان من السماء بلا مظلّة... ثمَّ يمضي طريقه إلى الأرض مفكّرًا... شيء لا يُحتمل»، هنا يعود غسّان إلى مركوز تأمّلاته الخاصّة التي سنجد دالتها في ما كتبه تاليًا أي في مجموعاتِهِ القصصيّة، ولا سيّما ذلك النمط الفريد من الأسئلة الوجوديّة التي تصادفت فيها، ففي إحدى قصصه يقول: «لماذا لا يسير الإنسان على رأسه؟!»، وبطبيعة الحال فإنّ غسّان كنفاني الذي يستبطن تلك الأسئلة – المضادة - لبنية تفكيرٍ سكونيٍّ قار، من أجل زحزحته عما استقرّ به، المضمرات في الموروث والانفتاح على الحداثة، سينشئ في قادم إبداعه المعروف والأكثر شهرة أنساقًا جديدةً في التفكير الفلسطينيّ الباعث على أكثر من التأمّل، إلى التجاوز والانعطاف، وهذا ما يجعلُ من غسّان كنفاني الناقد مؤسّسًا لوعيٍ نقديٍ غيرِ مسبوق، ليس أدلّ من ذلك سوى ما كتبه في روايته (رجال في الشمس) الرواية العلامة بسؤالها المصيريّ الفادح والرجيم «لماذا لم يقرعوا جدران الخزان؟»، وثمة سياقات إضافيّة سنجدها في متون أعماله المسرحيّة من مثل (الباب، والقبعة والنبي) مثالًا على شواغل غسّان، شواغل الأسئلة المضادة التي تعني في جوهرها أيضًا أسئلة الكيانيّة الفلسطينيّة وارتباطها بزمنها الفلسطينيّ الخالص، ذلك أنّ غسّان كان المشغول بالمكان ليعيد تأثيثه كما في روايته الباهرة وعلى غير مستوى (عائد إلى حيفا) إنّه عملٌ ذاكروي بامتياز، يستعيدُ فلسطين برمزيّتها إلى الوعي الجمعي.
وفي ورقةٍ مؤرخّةٍ بتاريخ 15/1/1960، يقول غسّان: «أفكّرُ في كتابة قصّتين، الأولى قصّة إنسان مخذول، خذلته القيمة التي اعتقد أنّها مقياسُ الحياة الوحيد، وإذا هي قيمٌ لا تُعدُّ في عالم الحضارة المعاصر... إنّني لم أتوصل بعدُ إلى اصطياد الحادثة الملائمة، ولكنني أحتاج أن أصلَ منها إلى التعبير عن الانخذال الكامل الذي يحسّه إنسانٌ صُفع بشيءٍ آمن به، فإذا به عند الآخرين لا يساوي شيئًا، وليس يهمّني على الإطلاق أن يكونَ هذا الإيمانُ خطأً أو صوابًا، يهمّني فقط أنّه إيمانٌ يحملُ على دعائمه كلّ طموح ذلك الإنسان، إيمانٌ مبثوثٌ في عروفه مع أمه جنبًا إلى جنب، أمّا القصّةُ الثانية فتدور حولَ المحور، ولقد سمعنا اليوم من صديقٍ رواها ببساطةٍ حرقت محجري.. أترى أستطيع أن أنقلها ببساطة إلى محاجر الآخرين، إنّها قصّة مثقّفٍ أضاع ذراعه في اعتداءٍ غادر.. وحينما خرج من المستشفى وجد نفسه مرفوضًا من قبل الحياة التي لا تعترف بالضعف... إنّني لم أصل بعدُ إلى صياغة جميع تفاصيل هذه القصّة، ولكنّني أشعر أنني أستطيع أن أفهمها بإخلاصٍ وصدقٍ بل وأن أعانيها»، على الأرجح هنا أن غسان كنفاني يحاول استعادة الشرط الإنساني، الذي سيكون له غير محمول في تلك العوالم الإبداعيّة الباذخة التي اشتغل عليها وعني بها، وهجس بها، إذ إن الواقع الذي يلتقطه غسان كنفاني ليس هو الواقع ذاته الذي تكتبه القصّة، لا سيّما إذا كانت قصّة الهاجس، ولعلّ ثيمة الهاجس التي كانت تؤرّقه، لا ليتحوّل إلى متعاطفٍ مع شخوصه، بقدر ما كان يبثُّ وعيه الإنسانيّ بالتقاط ثيمة الضعف/ العطب الإنساني، ليضع منظوره الفكريّ كما رؤيته للكتابة السرديّة المتّصلة بحقيقة المقاومة، إذ المقاومة هنا ستتعدّد وجوهها ومستوياتها وضفافها، إلى مقاومة العجز والضعف والتخاذل، ولتجهر تلك السرديّات بشعريّةِ الكشف والجرأة، التي عمل فيهما الدرس النقدي الفلسطيني والعربي طويلًا بحثًا عن دالّهما «الفاخر» بحسب الناقد الفرنسي رولاند بارت، الذي يعني صلابة الروح الفلسطينيّة وهي تواجه غير احتلال للأرض والعقول واللغة، وليس من التبسيط القول هنا إنّ غسان كان يضع مخطّطًا لما سيكتب وما سيكون عليه هو، بل أكثر من ذلك كان يبثّ هواجسه مثقّفًا فلسطينيًّا عضويًّا مشتبكًا في زمنٍ مختلّف، كان يعني الآن أي المستقبل، فهو القادم منه بامتياز، وهذا ما يجعل من قراءة أعماله وبرؤيةٍ نقديّةٍ جديدة، اكتشاف آخر لغسّان كنفاني بوصفِهِ تعبيرًا عن فلسطين الأرض والتاريخ والهوية والجغرافيا، وأسئلة الكينونة الفلسطينية واختمارات واختبارات اللغة التي جعلها -غسان كنفاني- طيعة منكشفة دون أن تتخفف من رمزياتها وأمثولاتها الحية (أم سعد )، (منصور يصل إلى صفد عن الرجال والبنادق) مثالًا.
يقول غسّان كنفاني في ورقةٍ مؤرخّةٍ 23/1/1960: «قرّرت اليوم أن أبدأ بكتابة قصةٍ طويلةٍ سوف تكون أقل طموحًا من (كفر النجم) التي كتبتها في العام الفائت وفشلت؛ لأنّني سوف أحكي فيها قصّة إنسان فرد.. وأعتقد أنّها لن تستغرق وقتًا طويلًا وفكرتها في رأسها منذ زمنٍ بعيد: الخذلان، لن أستشير أحدًا فيها، إذ إنّني وجدت أن أنسب مكان للآخرين يفرغون فيه أحمال عقدهم النفسيّة هو الثغرات المفتوحة في نفوس القلقين»، القلق إذًا، والبحث في الفجوات كان أمرًا متروكًا للقارئ الذي يكتشف سعيدًا – تلك الفجوات - وهذا ما يجعله شريكًا في النصّ الذي يكتبه غسان، إذ تستحقّ أعمال بعينها له من مثل (من قتل ليلى الحايك) إلى دراسةٍ سيكولوجيّةٍ تستقرئ أبعاد الذات الفلسطينية، وبما ترك غسان من مساحات أسسها بأسئلته الوجوديّة والمشبّعة بالثقافة والفكر، وإبدالات الوعي من ثقافةٍ إلى أخرى، ليكوّن خيطًا خفيًّا بينها صعودًا إلى كينونة الفلسطيني حارس الزمان والمكان والذاكرة.
وبعد..
فهل ستكون أوراقه الأخرى مثار شهية النقاد والباحثين فيما وراء عوالم غسان الإبداعيّة؟! وحسبنا أنّنا قدمنا هنا نماذجَ مختارةً منها، بقصدٍ (سيميائي) يقرأ العلامة ويُنهض لها ما يناسبها من سياقات تحمل على التفكير الناقد، الذي كان كلمة سرّ غسّان كنفاني في السياسة والإبداع، وسوى ذلك ممّا تلتقطه الذاكرة في زمنها المختلف، ذلك أن العودة إلى زمن غسان كنفاني من شأنها أن تعيدنا إلى أسئلة الثقافة الوطنيّة، داخل شرطها التاريخي وليس خارجه محايثة لاستشرافٍ يخصّ الأدب الفلسطيني في أسئلته الكبرى.

