يعاني الكاتبُ والفنانُ والمفكّرُ الفلسطينيُّ أعباءً كثيرةً جرّاءَ واقعٍ ملتبس، ادّلهمّت فيه الأمور، وازدادت تعقيداتُ الحالةِ السياسيّةِ الفلسطينيّة والعربيّة، وصولًا إلى التدخّلات الاقتصاديّة في مناحي الحياة شتّى، لدرجةِ أن أصبح القلمَ عبئًا على صاحبه، وبات للكلمةِ ثمنٌ كبير، يدفعه صاحبُها من راتبِهِ أو حرّيتِهِ في حالِ معارضتِهِ صنّاع القرار، الذي تسلطوا على الحالة الفلسطينيّة، بالإضافة إلى الاحتلال الذي اغتال الكلمةَ حين اغتالَ غسّان كنفاني ومهند الحلبي وباسل الأعرج، وصادر الكتب وهدم المكتبة الوطنيّة، ومنع إقامة معارض الكتب والمعارض الفنيّة، وحاصر الأدباء والفنانين ثمّ منعهم من السفر.
إنّ القضيّة تصقلُ الأدباءَ والفنّانين ليصبحوا محاربين أشدّاء، فهي رغمَ تحوّلِها إلى عبءٍ أحيانًا، إلّا أنّها تصنعُ مجدًا للأحرار، لا يمكنُ أن يتجاوزهم التاريخ، خالدين في نواميس هذا الكون.
كان غسّان كنفاني واحدًا من هؤلاءِ الأبطال، حمل السّلاحَ والقلمَ في مواجهةِ الاحتلال، انضوى تحت لواءِ القوميّين العرب، إيمانًا بدور الأمّة العربيّة بنصرة شعب فلسطين، وبحثًا عن قوميّةٍ يمكن لها أن تصنع مجدًا. ولم يبحث عن منصبٍ أو مكانةٍ في حزب، ولم يهادن الأنظمة أو أصحاب رؤوس الأموال والتجّار كي يحظى بمغنم، لم يكتب في الحبّ بلا وطن، كان يحبّ الوطن ويحارب لأجله حتّى اغتالوه معتقدين أنّهم أخمدوا الصوت، فإذا به ينبعثُ من الرماد، وتصير روايات غسان واحدةً من أهمّ الروايات العربيّة، التي تنتشرُ في كلّ مكان، بطبعاتٍ أصليّةٍ وطبعاتٍ شعبيّة، تتجاوزُ عمالقةَ الكتابة العالميين، وتترجمُ للغاتٍ كثيرة، بل زيادة على ذلك، يفتخر الشبان بقراءتهم لتلك الأعمال، ونشر بعض المقتطفات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في إشارةٍ غيرِ مباشرةٍ أنّ الكلمةَ لن تموت، ما دامت بوصلتها فلسطين.
استمرّت مسيرةُ غسّان كنفاني، ولم تتوقف؛ لأنّ الكلمة رصاصة، إن خرجت لا يمكن أن تعود إلى الحنجرة، تحيي وتميت، تبعث الروح فيمن أصابهم اليأس جرّاء هذا العبث والتنازل الكبير في المنطقة لصالح الإمبرياليّة والاستعمار الأمريكيّ والصهيونيّة المتغلغلة في حروف بعض المرتدين وأفكارهم عن فلسطين.
كلمات غسّان التي تصعد بنا إلى سلّم المجد، فالإنسانُ في نهاية الأمر قضيّة، ويجب عليه ألا يموت إلا أن يكون ندًّا لأعدائه، قادرًا على الإيقاع بهم، وإلحاقهم الخسائر، وهو الإنسان الذي ليس مهمًّا أن يموت، ولكن المهمّ أن يعرف كيف يموت، يحمل دمه في أرض البرتقال الحزين، ويعود به إلى حيفا، وإن مات سرير رقم 12، لا بدَّ من الوصول، وستظلُّ كلمات غسّان معلّقةً في سقف السماء، يطرق جدران الخزان، ويهتف بصوتِ أبي الخيزران، حتّى تنبعثَ الثورة من النفوس والبيوت، الأزقّة والشوارع، الشهداء والجرحى والأسرى، الأطفال والنساء والشيوخ، وكلّ الرجالِ في الشمس والقمر، الشتاء والصيف، وسينتصرُ الفلسطينيّ، رافعًا علم فلسطين، وغسّان برفقةِ معلّمتِهِ سميرة عزام ومحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد يشدون مع الجمع.
لقد كان غسان كنفاني مثقفًا مشتبكًا لا يموت، فالجسدُ أيقونة، والكلمةُ قاموسٌ خالد، كلّما امتدَّ بها الزمنُ صارت أكثرَ إشراقًا، وباتت نواقيسُ تعيدُ الاعتبار لكلّ ما هو فلسطينيّ.

