يتضمن الكتاب مجموعة من الدراسات الأكاديمية، ومجموعة كاملة من المقالات الصحفية، والدراسة الأولي عنوانها "الصهيونية إيديولوجية عنصرية"، وكما يذكر الكاتب أنه طبق فيها منهجية "التحليل الثانوي"؛ وتعني إعادة تحليل البيانات الإحصائية والميدانية الإسرائيلية وفق إطار نظري يختلف عن الأطر النظرية التي تبناها الباحثون الإسرائيليون لإخفاء حقيقة المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي والالتفاف حول الاتجاهات العنصرية التي تسوده.
والدراسة الثانية دراسة مستقبلية حاول فيها تطبيق إطار نظري متماسك عن الصراع والتباين في العلاقات الدولية أن استكشاف مختلف انواع التقاعلات بين مصر وإسرائيل في المستقبل.
ويبدأ الكتاب في الفصل الأول بالدراسة الأولى، وبدأه التعريف بمصطلحات الأيديولوجية والعنصرية وتطرق إلى أن الصهيونية الحل العنصري للمشكلة اليهودية، وانتهى إلى أن العنصرية قد رافقت الصهيونية كأيديولوجية منذ نشأتها وأن الفكرتين الجوهريتين: الأولى المتعلقة بوحدة الشعب اليهودي عبر التاريخ وفي الوقت الراهن. والثانية الخاصة بمعاداة السامية قد انبنت عليهما في التطبيق الصهيوني والإسرائيلي سياسات إسرائيلية عنصرية متعددة.
ويمكن القول إن الطابع العنصري الذي يسم الصهيونية منذ ظهورها في القرن التاسع عشر قد أدى بعد إنشاء إسرائيل عام 1948 إلى ظهور مجتمع عنصري بكل ما تعنيه الكلمة من معني.
ولذلك كان ظهور كتاب العالم الإسرائيلي إسرائيل شاحاك رئيس لجنة حقوق الإنسان الإسرائيلية وعنوانه (عنصرية دولة إسرائيل)، صدمة لكثير من الدوائر الثقافية العربية التي خدعت طويلا بدعاوى الاشتراكية والديمقراطية ومجتمع المساواة في إسرائيل. كما أن بحوث عالم النفس الإسرائيلي جورج تامارين والتي نشرها في كتابه (المعضلة الإسرائيلية) والتي تسببت في فصله من عمله كأستاذ في جامعة تل أبيب، وكلها بحوث ميدانية لتثبيت بما لا يدع مجالا للشك كيف أدت مسلمات الصهيونية العنصرية وسياساتها التتطبيقية إلى صياغة شخصية إسرائيلية تتسم بكونها عدوانية وتسلطية ومتعصبة ومنغلقة.
ومن الجدير بالاهتمام أن السمات التي يشترك فيها إلى حد كبير عديدة، ومن هنا تكتسب الدراسات المقارنة لهذه النظم أهمية خاصة نظرًا لأنها جديرة بكشف البنية الأساسية لهذه النظم من ناحية، وتبرز مكونات العقلية الاستيطانية من ناحية أخرى.
إن نتائج هذه الدراسات العلمية المقارنة يمكن أن تكون ذات قيمة بالغة لصانعي السياسة في البلاد التي تقاوم هذه النظم الاستعمارية؛ فعلى صوتها يمكن رسم الإستراتيجية الثورية لمجابهتها، مهما ظنت هذه النظم أنها قادرة على البقاء إلى الأبد. ومن خلال الإستراتيجية يمكن القضاء- ولو في الأجل الطويل- على هذه الأوهام الاستعمارية من خلال العمل الفكري والنضال السياسي والعسكري.
ويتبعه الفصل الثاني الذي جمع فيها الكاتب مقالاته عن بنية وسيكولوجية المجتمع الإسرائيلي. وتضمنت ثمانية عشر مقالًا منشورة بجريدة الأهرام، بدءًا بمقال "إسرائيل بين خرافة المجتمع اللاطبقي وحقيقة الصراع الاجتماعي، وإسرائيل العقيدة والروح المعنوية، وانهيار فلسفة الكيبوتز، وأبعاد الصراع بين الدولة في المجتمع الإسرائيلي، والصورة القومية للعرب عند الإسرائيليين وتأثيرها في الصراع الراهن، وقراءة سياسية لخريطة الشخصية الإسرائيلية، وتأثير العوامل النفسية علي الصراع العرب يالإسرائيلي، واتجاهات الوعي الصهيوني في إسرائيل، وتناول المثقف الإسرائيلي بين الانتهازية والنقد المبدئي للصهيونية، وتشريح العقل الإسرائيلي، وكيف يري الكاتب أن العقل الإسرائيلي وريث العقل اليهودي الصهيوني المتعصب، وهو فريد في الطريقة التي يستقرئ بها الواقع، ولا يمكن أن نفهم عديدًا من دعاوي الصهيونية ولا كثيرًا من مقولات الفكر الإسرائيلي بغير تحديد دقيق للأسلوب الذ يعمل العقل الإسرائيلي بواسطته.
كما تناول الرؤية الإسرائيلية لحرب أكتوبر، والمشكلة الفلسطينية في وعي الشباب الإسرائيليين والمشكلة الإسرائيلية واحتمالات السلام، ورؤية الصهيونية لمستقبل إسرائيل. وأنهي الفصل بالتغييرات الاجتماعية داخل إسرائيل.
وفي الفصل الثالث أورد فيها المقالات الخاصة باتجاهات الرأي العام الإسرائيلي، ومن خلالها حاول فهم العوامل الكامنة وراء اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي في الوقت الحاضر.
ويطرح الكاتب اختيارًا أمام إسرائيل من خلال الاختيار بين الأرض وبين الأمن، وقد يثير هذا السؤال في العقل الإسرائيلي هذه الأيام أشد ضروب الحيرة والبلبلة: هل تبقى إسرائيل كما كانت دائمًا الدولة- المعسكر بما يتضمنه ذلك من التشبث بالأرض العربية المحتلة بما عليها من مستوطنات (بنيت بالدم والعرق والجهد كما يريد بيجن)؟ أم تتنازل عن الأرض سعيًا وراء السلام، وتتحول إلى "الدولة- المشروع" الذي يقوم على البراعة في استثمار الموارد العربية واستغلال الفوائض العربية؟
غالبًا ما تنسى إسرائيل، وهي في زحمة انشغالها بالرد على السؤال المعضلة، أن هناك طرفًا آخر، يمكن أن يؤثر على السياسة الإسرائيلية، وهو الطرف العربي.
هل نستطيع نحن العرب أن نمارس هذا التأثير من منطلق القوة الكامنة والقوة الظاهرة معًا؟
والفصل الرابع عن التطبيع وثقافة السلام. وتناول المؤيدين والمعارضين وحججهما، وتناول أثر العولمة على تسوية الصراع العربي الإسرائيلي ويري الكاتب أنه في مواجهة الهجمة الاستيطانية الإسرائيلية الجديدة هناك تخاذل واضح من القوي الفلسطينية والعربية التقليدية غير أن دروس التاريخ وآخرها حرب أكتوبر أن إسرائيل لن يردعها سوي استخدام القوة العربية، وليس بالضرورة أن يقوم بهذا الردع هذه المرة الجيوش النظامية ولكن قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية وهذا الدور التاريخي الذي بدونه سيخضع الوطن العربي بكامله للهيمنة الإسرائيلية.
ويختم الكتاب بالدراسة المستقبلية عن الصراع الحضاري بين مصر وإسرائيل، حيث إن توقيع المعاهدة المصرية- الإسرائيلية بكل ما تتضمنه من إنهاء حالة الحرب وتطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل، وما تلاها من اتفاقية سلام بين إسرائيل والأردن، وقبلها اتفاقية أوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تُعد من أبرز الأحداث في مسار الصراع العربي- الإسرائيلي الذي امتد عقودًا طويلة من الزمان، ومرد ذلك إلى النظرية العربية التي سادت منذ عام 1948، والتي مبناها أن الصراع مع الدولة الإسرائيلية هو صراع ممتد، وأنه لن يحسمه إلا معركة عسكرية فاصلة.
وبناء على هذه النظرية تبلورت صورة نمطية عن الإسرائيليين كشعب وعن إسرائيل كدولة وكمجتمع والإسرائيليون- وفق هذه الصورة النمطية - أشتات من البشر جاءوا من مختلف بلاد العالم لا يجمع بينهم سوي العقيدة الدينية (اليهودية)، ولا يدفعهم ويحركهم نحو استعمار فلسطين العربية سوى عقيدة سياسية متطرفة وعنصرية هي الصهيونية. وهم بذلك لا يكونون شعبًا واحدًا منسجمًا، فالاختلافات الإثنية (السلالية) بين اليهود الشرقيين(السفارديم) واليهود الغربيين ( الأشكنازيم) تمزقهم بالإضافة إلي الاختلافات الاجتماعية والحضارية بين فئاتهم المختلفة. وإسرائيل كدولة- وفق هذا التصور النمطي- دولة عنصرية تعتمد اعتمادًا أساسيًا على القوة العسكرية والعدوان والإرهاب، وهي بذلك مجتمع عسكري صمم، بحيث يكون في حالة حرب دائمة.
ويؤكد الكاتب على أننا لسنا في حاجة إلى التحدي الحضاري مع إسرائيل؛ فهي لا تقدم نموذجًا حضاريًا يمكن الاقتداء به، أو يستحق الصراع مع حضاريًا معه، ولكننا في حاجة إلى مقاومة الغزو الثقافي الإسرائيلي الذي يمكن أن يصل إلى أهدافه لو لم نتسلح بالمنهج العقلاني النقدي، ولو لم نكن على وعي كامل بأهمية عمليات الغزو الثقافي في السيطرة على الشعوب.
والغزو الثقافي عملية برعت فيها الدول الاستعمارية التقليدية، ويبرع في تطبيقها الاستعمار الجديد الذي كف عن احتلال الدول بالقوة العسكرية، ولكنه ينفذ إليها من خلال تصدير نموذجه الحضاري وتأثيره على الاتجاهات والقيم والعادات وأسلوب الحياة، ويعتمد في ذلك على عديد من الوسائل والأدوات، لعل أهمها الثورة العلمية والتكنولوجيا في مجال الاتصالات الدولية. فمن خلال الإذاعة والتلفزيون ومن خلال الأقمار الصناعية التي تسيطر عليها الدول الكبرى، يمكن لهذه الدول أن تؤثر تأثيرًا فعالًا على الاتجاهات والقيم وبالتالي أسلوب الحياة في عديد من بلاد العالم الثالث. ويختم الكاتب الفصل بالدعوة إلى العمل على سيادة النظرة المستقبلية، حيث إنه لن يجدينا أن نعيش في الماضي، ولم ينفعنا وسط صراع العمالقة في عالم اليوم التغني بأمجادنا السابقة، ولن يصلح من حالنا اجترار فضل الحضارة العربية الإسلامية علي أوربا.
نحن في حاجة إلى دراسة منهجية ونقدية لماضينا القديم تقوم علي أحدث مناهج التاريخ الاجتماعي، حتي نقوم ممارستنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحين نفعل ذلك ستتساقط كثير من الأساطير العلمية التي ورثناها كباحثين ومثقفين ورددناها بغير تمحيص.
إن دراسة الماضي هي الأساس لفهم الحاضر والنظر إلى المستقبل، والحاضر الذي نعيشه يحتاج إلى دراسة تكاملية تحيط بكل أبعاده وتكشف عن كل جوانبه، غير أنه أصبح اليوم من المسلمات أن دراسة الحاضر ينبغي أن تتم في إطار النظر إلى المستقبل، ومن هنا نشأ علم النظر إلي المستقبل علي اختلاف مدارسه في الشرق والغرب، وعلى تعدد مناهجه ونظرياته، لكي يساعد المخطط الاقتصادي والاجتماعي وصانع القرار السياسي علي أن يخطط في ضوء سيناريوهات بديلة للمستقبل، حتى يأتي تخطيطه وحتى يصدر قراره وهو على علم بكل البدائل المتاحة.

