على الأرجح فإنّ نتيجة خطاب رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني في الجمعية العامة للأمم المتحدة ستكون (صفر) في الموضوع الفلسطيني، ويمكن القول بسهولة إنّ ارتداء لابيد لبزة حل الدولتين، إنما هو جزء من طقوس المسرحية الانتخابية الصهيونية لا اكثر، وبينما يرى الكثير من المراقبين إن خطاب لابيد وإعلانه تأييده لحل الدولتين ليس موجهًا في الواقع إلى الفلسطينيين وإنما إلى ناخبي ميرتس والعمل على الأغلب، ومحاولة لحشد "معسكر السلامك" المزعوم حوله، فإن نتائج هذا الخطاب على مكانة لابيد تبدو ضبابية تمامًا، وإذا كان لابيد قد غير محور الانتخابات القادمة من جانبه من (إلا نتنياهو) إلى الموضع الفلسطيني ومحاولة إعادته إلى الواجهة فإن هذا يتناقض كليا مع السلوك الحكومي الاحتلالي، ويبدو أن لابيد لن يحصل مقابله على مقاعد انتخابية جديدة في ظل أغلبية حسب استطلاعات الرأي تعارض حل الدولتين على عكس ما قاله لابيد.
أيضًا يريد لابيد تعريف نفسه للناخبين على عكس صورة منافسه الرئيسي في الكتلة زعيم حزب المعسكر الوطني بني غانتس، حيث يسعى لابيد إلى استقطاب المزيد من أصوات بين العرب في الداخل، بينما موقفه المعاكس قد يتمكن غانتس من اكتساب المزيد من أصوات اليمين في كتلته، في ظل كل هذا يواصل نتنياهو تقدمه، ويترك المعركة تدور بين الحليفين، وربنا يستفيد أيضًا من تغيير محور الانتخابات، فلا يكون الشعار (إلا نتنياهو) ذا تأثير عليه.
ماذا قال لابيد وما التأثير الداخلي؟
ألقى رئيس الوزراء الصهيوني يائير لابيد كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس، حيث أعرب عن دعمه لحل الدولتين. وتحدث عن الاتفاق مع الفلسطينيين، على أساس دولتين لشعبين، وقال إن هذا هو "الشيء الصحيح لأمن إسرائيل، ولاقتصاد إسرائيل، ومستقبل أطفالنا". مضيفًا في تحوير لعبارة طالما سمعناها أن " السلام ليس مساومة. إنه القرار الأكثر شجاعة يمكننا اتخاذه ".
وبينما يتجه الكيان إلى الانتخابات للكنيست الخامسة والعشرين في غضون خمسة أسابيع، ليس من الواضح ما إذا كان رئيس الوزراء الحالي سيكون قادرًا على تشكيل حكومة. بل إنّ فرصة تتناقص بشكل كبير، وبالتالي ليس من الواضح ما إذا كان حديثه عن إقامة دولة فلسطينية إلى جانب "إسرائيل" في مثل هذا الوقت القصير قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع فرصة سياسية أم مخاطرة.
وقد أثار خطابه، حتى قبل أن يصعد إلى منبر الأمم المتحدة انتقادات من العديد من خصومه. بالنسبة لمعارضة لبيد، وخاصة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، كانت هذه فرصة للتغلب على زملائه في التحالف وأيضًا فرصة للمنافسين لتمييز أنفسهم عن بعضهم البعض كما هو حال غانتس.
من المعروف أنّ القيمة الرئيسية لتحالف لابيد هي الإطاحة بنتنياهو من السلطة بعد أكثر من عقد. وكان تحالفًا صعبًا استمر أكثر من عام بقليل كان مزيجًا من يساريين غامضين ضبابيين، ويمينيين غاضبين من نتنياهو وآخرون يبحثون عن فرصة بعيدًا عن قبضة الليكود، ولاشك أنّ خطابه في الأمم المتحدة يحمل في طياته خطر تنفير بعض الأحزاب في الكتلة المناهضة، ولا سيما تلك التي تتموضع في اليمين.
وبينما تمكن نتنياهو من إقناع العالم بأن حل الدولتين غير ممكن، يريد لابيد تمييز نفسه بتقديم خطاب آخر يتعارض مع رؤية الرئيس الأمريكي السابق ترامب ويتقارب مع بايدن الذي رحب بالخطاب. ورغم ذلك يبدو هذا دراماتيكيا ربما أكثر من اللازم في السياسة الصهيونية ومع اقتراب الانتخابات. حيث أن النقد الأساسي لجماعة نتنياهو ضد لابيد جاء لمجرد حقيقة أن الصراع مع الفلسطينيين قد أعيد إلى العناوين الرئيسية، بينما كان نتنياهو يروج عنه دفن القضية الفلسطينية إلى الأبد.
وجاء في بيان صادر عن حزب الليكود: "على مدى سنوات، نجح نتنياهو في تهميش القضية الفلسطينية من جدول الأعمال العالمي" و "لبيد أعاد أبو مازن [الرئيس الفلسطيني محمود عباس ] إلى وسط المسرح في أقل من عام".
يرى مراقبون أخرون إنه وبينما في خلفية خطاب لبيد، كانت هناك أسابيع من التوترات المتصاعدة بين في الضفة الغربية. أثارت الاشتباكات الليلية بين القوات الصهيونية والمسلحين الفلسطينيين مخاوف من أن فترة الأعياد اليهودية القادمة ستشوبها أعمال عنف واضطرابات. وهكذا فإن إعادة فتح الباب بشكل عاجل أمام اقتراح شبه منسي، بعد أن تم التوصل إلى إجماع في المجتمع الدولي، يمكن أن يخفف بعض التوتر. على أساس "منح الأمل للفلسطينيين بعد فترة طويلة".
في هذا السياق قال جايل تالشير، أستاذ العلوم السياسية من الجامعة العبرية أنه "يمكن أن يكون للأفق السياسي تأثير فوري على الأرض، حتى لو لم نكن قريبين من اتفاق سلام" وأضاف "يمكن وقف اليأس بالأمل، ليس فقط بوضع الجنود على الأرض في الضفة الغربية". إلا أنه وبغض النظر عن التزام لبيد بحل الدولتين، لا يزال الطريق إلى السلام بين "الشعبين" مسدودًا.
من جانبه قال البروفيسور جوناثان رينولد، رئيس قسم الدراسات السياسية في بار إيلان" كانت آخر مرة التقى فيها الطرفان على طاولة المفاوضات في عام 2014" مضيفًا "يعتقد غالبية الإسرائيليين أنه حتى لو قدمت إسرائيل تنازلات أكثر مما يعتقدون شخصيًا أنه صحيح، فلن يكون هناك حد أدنى من السلام"، وأن "الخلافات الحقيقية حول ما يجب أن تفعله إسرائيل يطغى عليها الشعور بأنه لا يوجد شيء يمكن القيام به على أي حال." وبالتالي بالنسبة لبيد، الذي ظل في الساحة السياسية الإسرائيلية منذ عقد من الزمان، فإن إصدار مثل هذا التصريح على المسرح الدولي يمكن أن يكون له ثمن محلي باهظ. ويشكل خطابه أيضًا إدانة للأحزاب اليسارية التي في تحالفه والتي اختارت الصمت السياسي حيث كاد كل من ميرتس وحزب العمل كتمان دعمهما لحل الدولتين في الحملات الأخيرة، مدركين التأثير غير المرغوب فيه على الناخبين "الإسرائيليين" الذين يميلون باستمرار إلى اليمين في السنوات الأخيرة.
كنتيجة إضافية وإضافة إلى الصراع الداخلي داخل كتلة لابيد، سيندلع صراع مه وزير الحرب بيني غانتس وهو شريك لبيد في الائتلاف ولكنه أيضًا منافس على رئاسة الوزراء. ويؤمن غانتس باحتواء وإدارة الصراع مع الفلسطينيين دون السعي لتحقيق تسوية سياسية. ولدى غانتس عناصر يمينية قومية في حزبه لن تسمح له بالإدلاء بمثل هذا التصريح بشأن دولة فلسطينية في المستقبل.
لكن بعض المراقبين يرون أنّ هذه ليست قصة منتهية، فمع حلول الوقت الذي يتوجه فيه "الإسرائيليون" إلى صناديق الاقتراع في 1 تشرين ثاني/ نوفمبر، قد يغير لبيد موقفه ويتراجع عن خطابه، ولكن إذا صمد أمام إرهاب المعارضين فربما يكون لديه فرصة لتغيير قواعد اللعبة.

