Menu

ملاحظات حول الهوية الرخوة

الفرفار العياشي

هل هناك علاقة محتملة بين ارتفاع نسبة الطلاق المرعبة وسلوك شباب بلا حزام؟

يكفي أن تجلس ساعة في إحدى الأماكن العامة أو الشوارع لترصد جملة ملاحظات سهلة، يسهل الحصول عليها، لا سيما حول طرق التصرف، أنماط العيش، التفكير وأشكال اللباس.

من بين الملاحظات الخاصة بطريقة ونوع اللباس أن أغلب الشباب لا يضعون أحزمة وأن البعض منهم مر من أمامنا شاب لا يستطيع حتى رفع سرواله والتحكم فيه، ثمة أسئلة تطرح تحتاج إلى دراسة دقيقة من أجل تقديم إجابة علمية: هل هناك علاقة بين غياب الحزام، انتشار السلوكات الرخوة، غياب الجدية، ارتفاع نسبة الطلاق، التفكك القيمي والأخلاقي المتزايد والانسحاب من الواقع والهروب منه؟ لماذا لا يضع الشباب الحزام / السمطة؟

عبارة عميقة ودالة وكثيفة تحيل إلى واقع يتشكل يوميا، ويشكل هوية جديدة، لكنها هوية معولمة تصنع هناك خارج جغرافية الهوية المحلية المسيجة بقيم مؤسسات التنشيئة الاجتماعية التقليدية (الأسرة – المدرسة – الحزب – الجمعية – الحومة والحي).     

ربما الرجوع بعض الشيء إلى الوراء يكشف حجم الاختلاف بين الشباب، وربما جوهر المقارنة يقود إلى استنتاج بسيط أنها مقارنة بين هوية صلبة وهوية سائلة، هوية صلبة تجد أساسها في المؤسسات الحاضنة لها والمسؤولة عنها كمؤسسات قوية وفاعلة ولها تأثير ومفعول على سلوك الأفراد، فالأسرة والمدرسة والحي والدوار والجماعة والقبيلة والعائلة كلها إطارات لبناء هوية تحترم المشترك الجمعي وتحافظ على القيم الاجتماعية والأخلاقية كإطار للسلوك، وهو ما أنتج جيلا صلبا قويا، متحكما في جسده وفي لباسه وحتى في عواطفه.

أما الهوية السائلة فهي هوية هجينة تصنع هناك وفي مكان ما، وإن شئنا التدقيق في اللامكان، إنها هوية سائلة وذائبة تنتج الكثير من السلوكيات الرخوة، مظاهرها تتجسد في أنماط سلوكية غريبة تغزو شوارعنا وأحيائنا مثل نوع اللباس وكيفية اللباس ونوع الحلاقة وكيفية الكلام ونوع الكلام وأشكال التواصل والحوار والعلاقة مع المحيط والأسرة، حتى العاطفة أصبحت عاطفة سيالة ورخوة، نسبة الطلاق عند الشباب كبيرة، مما يعكس أنه شباب بهوية سيالة وسائلة / متوسط عمر الزواج ست أشهر!!!  

العولمة أخرجتنا من هويتنا الصلبة المسيجة بالأعراف والتقاليد والقيم المتوارثة واستطاعت أن تصنع لنا هوية سائلة لا تعترف بالثبات والقيم والأعراف حتى أنها استطاعت أن تجعل الشباب لا يستطيع التحكم حتى في سرواله ولربما التخلي عنه!  

فالهوية البديلة والسائلة هي عملية تذويب الثقافة المحلية وإعدامها من خلال تشجيع منطق الاستهلاك، عبر تكوين تفافة استهلاكية عالمية أحادية المصدر، جارفة، لا تبالي بتنوع القيم ولا باختلاف العادات والتقاليد، تهدف إلى هندسة مجتمعات مقولبة وسائلة بلا أصل وبلا تاريخ هي ثقافة تعادي كل من يقف أمام الاستهلاك، لذا نجد أغلب الأحزاب ذات المرجعية الليبرالية، تتبنى مشروعها الايديولوجي من أجل فسح المجال أمام العولمة، لكي تسود وتهمين، وهو ما يفسر شدة الغضب والتوتر الذي صاحب حملة المقاطعة لبعض منتوجات بالمغرب، لدرجة أن أصحاب الشركات تخلوا عن كبريائهم وقدموا اعتذارا، لكنهم غير مستعدين للتخلي على ترسيخ تفافة الاستهلاك، لأنها الطريق الوحيد نحو الربح و المزيد من الربح.

العولمة نجحت في ربط اللذة والسعادة بالاستهلاك، فسعادتك رهينة بما تستهلكه، لذا لا نفاجأ أن المتاجر الفاخرة بواجهاتها الزجاجية تتكاثر، فالسعادة تعني القدرة على الاستهلاك والنتيجة تراكم الأزبال لأننا نشتري أكثر مما نستهلك، فأصبحنا عاجزين حتى عن تدبير وجمع أزبالنا، ليس لأن عمال النظافة لا يقومون بمهاهم، ولكن لأننا ننتج الكثير من الأزبال. 

العولمة والاستهلاك جعلتنا نملك فائضا من الأزبال، بسبب كثرة الاستهلاك وربط سعادتنا وفرحنا به، بعد أن كنا بلا مطارح ولا مزابل، وأننا نشتري ما هو أساسي.

أتذكر مساء كل اثنين وهو يوم السوق الأسبوعي، هو اليوم الوحيد لكي نأكل فيه اللحم، فكان يوم عيد، نلتقي على طبق واحد، نأكل وإذا تبقى شيء، فان الكلب أمام الباب ينتظر دوره، فيما تبقى من عظام وفتات خبز، أما القط فهو يقيم تحت الطاولة يشاركنا وجبة العشاء ولو خلسة، فلا شيء يضيع ولا وجود للأزبال؟  

الأكيد أن العولمة نجحت في ترسيخ منطق السعادة كلذة وهو منطق يقود إلى الكسل والتراخي، لدرجة أن الشباب لم يعد قادرا حتى على المضغ، فكيف له بكسب الرزق؟ شباب لا يستطيع حتى التحكم في سرواله، فكيف له أن يتحكم في وقته وفي جسده؟   

العولمة الماكرة استطاعت أن تصنع كائنات معولمة، وليس عالمية، البعض يعتقد واهما أنه يعيش ما يعيشه الآخرون ولعل الأفلام والمسلسلات المدبلجة بالعربية، تمنح المشاهد لذة واسترخاء وحتى إحساسا بالتفوق.. أن الاخرين يتكلمون لغته. إنهم لا يتكلمون لغتنا، بل إنهم يوظفونها ليسرقوا منا هويتنا الصلبة واستبدالها بهوية سائلة، يكون فيها الشباب غير قادر حتى على المضغ.