Menu

الأدبُ المقارنُ مصطلحٌ حديثٌ بجذورٍ قديمة

ثناء أحمد

يُطالعُنا عددٌ من النّقادِ بالقول إنّ مصطلحَ الأدبِ المقارنِ جديدٌ ظهر في القرن التّاسع، وفي هذا نوافقُ على حضورِهِ مصطلحًا وبحثًا أكاديميًّا ممنهجًا ومتبلورًا، لكن إذا ما تعمقنا أكثر نجد جذوره ممتدّةً في التّاريخ، ولا سيّما أنَّ لبَّهُ التَّأثّرُ والتّأثير، ونجدُ أنّه يداني مصطلح المحاكاة الذي كان ميدانه منذ عهد أفلاطون الفيلسوف اليوناني، حينما قال في معرض حديثه عن المدينة الفاضلة:

"إنّ الشّعرَ فنٌّ قائمٌ على التّقليد"

وليفتح الأفق لمتابعة هذه النّظرية في فتراتٍ لاحقة من قبل أرسطو مضيفًا: "الشّعر محاكاة للطبيعة" وأعاده إلى غريزتين: غريزة التّناغم والإيقاع والأوزان وغريزة التّقليد.

وفي الحديث عن أقدم ظاهرةِ تأثّرٍ يبدو أثر الأدب اليوناني بالأدب الروماني سنة 146ق.م، حيث حاكى الرّومانيون أدباءَ اليونان وكتّابهم وفلاسفتهم، وفيما بعد انتقلت المحاكاة إلى الآداب الأوربيّة الكلاسيكيّة.

وعند العرب، ومع الفتوحات الإسلاميّة وتمازج الشعوب بعضها بعضًا، وانتشار حركة التّرجمة عُرفت ظاهرةُ التّأثّر والتّأثير، وذلك في نهاية العصر الأمويّ، وبداية العصر العباسي.

كتب الكثيرُ من النّقاد والأدباء العرب عن هذا الموضوع ضمنَ سلسلة كتاباتهم المتشعّبة عن السَّرقات الأدبيّة والتّوارد حتّى أنّه يمكن القول: من الصّعب استبعاد ناقدٍ دون الخوض في هذا الجانب، وفي هذا أرى شكلًا آخرَ من أشكال التّقارب مع مفهوم الأدب المقارن؛ فالجاحظُ مثلًا يرى أنّ تأثّر الشّعراء المحدثين بالقدامى ضرورةٌ حتميّة، وأن لا شيء من لا شيء، ووجهة نظره الاستعانة ببعض المعاني لا عيب فيه، وإنّما العيب في الإغارة على المعاني، وميّز بين السّرقة والأخذ.

وابن طباطبا العلوي عدّ الشّاعر مبدعًا إن أخذ لفظًا من غيره وألبسه ثوبًا قشيبًا. في حين أبو هلال العسكري يذكر أنّ من أخذ معنى وأكساه لفظًا جديدًا أفضل مما تقدّم عليه كان أولى به مما تقدّم، وهنا يتفق العسكري مع ابن طباطبا، وهنا قد نجد تلاقيًا بين مفهومي السّرقات الأدبية والتّأثر والتّأثير، ولا شكَّ أنّ العلاقة وثيقةٌ بينهما بشكلٍ أو بآخر.

وعن صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه عبد العزيز الجرجاني، فيرى أنّ هذا موضوعًا أمرُهُ شائك، لا يصل إليه إلا من كان بصيرًا متمرّسًا بالشِّعر وفنونه وطرائقه.

وابن رشيق القيرواني في كتابه العمدة، طرح مصطلحًا جديدًا هو (التّوارد) أو التّشبّه والاقتداء. وعن الفارابي، هو لم يرَ في المحاكاة إلا تقليدًا. ويعرّف ابن سينا المحاكاة هي تقدّم الشّبيه ولا تنقّل الشيء نفسه.

وإذا تتبعنا القرن الثامن عشر في الغرب، وجدناه حافلًا بالتّغيرات؛ ما مهَّد للدّراسات المقارنة، فمجهودات فولتير 1778 ومعرفته العميقة بالإنجليزية مكّنته من اكتشاف شكسبير وتقديمه للقارئ الأوربي عمومًا والفرنسي خصوصًا.

ومعرفتهم بمذهب جوته 1832 الذي دافع عن فكرته القائلة: أن أدب الشّمال الأوربي خالٍ من الأصالة التي يتمتع بها أدب الجنوب.

حتّى إذا ما كان القرن التاسع عشر، ونتيجة للثورة الفرنسية وكثرة الأسفار وتعدد التّراجم للأثر الأدبي الواحد لمختلف اللغات وبتأثير الحركة الرومانتيكيّة؛ ظهر عددٌ من المقارنات، كعلم الأديان المقارن، وعلم الحياة المقارن، وعلم القانون المقارن، وعلم اللغة المقارن، والأدب المقارن، أو بالأصح النّقد المُقارِن. وكان النّاقد والكاتب الفرنسي بول فان تيغم أوّل من استخدمه بعد سلسلةٍ طويلةٍ من الإرهاصات على مدار الزّمان والمكان.

وبذلك وبعد هذا العرض التّاريخي الذي استعنتُ به لتدعيم فكرةٍ وصلتني بالبحث والقراءة ضمن هذا الإطار، فالأدب المقارن- من وجهة نظري - لا يُعدُّ علمًا جديدًا كما يذكر عدد من النّقاد والباحثين؛ فجذورُهُ ضاربةٌ في التّاريخ التي تقتربُ من مفهومِهِ الحالي حينًا أو تلامسه حينًا آخر، ولا أتصوّر أن تبتعد عنه كثيرًا، لا تبتعد عن لبِّ موضوعاته القائمة على عنصري التّأثر والتّأثير، وكلّ ما يمكن قوله: إنّه اتُّخذ منهجًا وأُسّس له في تلك الفترة المتأخرة نسبيًّا، وفي هذا قد أختلف مع البعض وقد أتفق مع آخرين.