Menu

غسان كان يحرّر مجلّةً وحدَهُ رغم مرضه! 

المناضلُ الفلسطينيُّ العربيُّ القوميُّ صالح شبل "للهدف": نقولُ لشعبِنا الفلسطيني إنّ ظهرنا إلى الحيط ولا يوجد في حساباتنا خيارُ التراجع

المناضل صالح شبل

نشر هذا الحوار في العدد 42 من مجلة الهدف الإلكترونية - حاوره أحمد جابر

(المناضل الفلسطيني العربي الكبير صالح شبل، من مواليد فلسطين (قضاء عكا) عام ١٩٣٠؛ يعد من أعمدة النضال القومي العربي والنضال الوطني الفلسطيني، حيث كان أحد مؤسسي حركة القوميين العرب، وعضو في أول لجنة تنفيذية لها عام ١٩٥٥.

درس في الجامعة الأمريكية ببيروت؛ رفقة جورج حبش ووديع حداد وأحمد الخطيب، وانضم إليهم في تأسيس منظمة الشباب القومي العربي، التي أصبحت فيما بعد حركة القوميين العرب.

بدأ نشاطه السياسي النضالي من خمسينيات القرن الماضي؛ عبر جمعية العروة الوثقى التي أسسها قسطنطين زريق وكان جورج حبش وأحمد الخطيب من أبرز قادتها.

تنقل أثناء عمله النضالي بين العديد من الدول العربية؛ مساهمًا في تأسيس خلايا القوميين العرب فيها، كما أسس فرع الحركة في العراق. عمل في الصحافة؛ خصوصًا تحريره لنشرة «الثأر» الناطقة باسم الحركة آنذاك).

* أوّلًا: لنعدْ إلى البدايات، كيف اتّجهتَ سياسيًّا وقوميًّا؟ وما مؤثراتك الأولى؟

** كان أوّلُ نشاطٍ سياسيٍّ لي في الجامعة الأمريكيّة في بيروت حينما ترشّحنا إلى جمعيّة العروة الوثقى؛ إذ كان رئيسُ الهيئة الإداريّة الدكتور الكويت ي المعروف أحمد الخطيب، وكان رئيسُ الهيئة العامّة التي تضمُّ جميعَ الأعضاء الدكتور "الحكيم" جورج حبش.

بعد ذلك ذهبت إلى عمَّان، وهناك كنت أكتب نقدًا مغلّفًا للسلطات في جريدة "المحرّر" لصاحبها هشام أبو ضهر، تحت عنوان "أشواك"، حيث كنت أنتقد رجال السياسة في الأردن بطريقةٍ مغلّفة، وكانت هذه الكتابات رائجة بشكلٍ لافت لأنّها كانت تعبّر عن مشاعر الناس المكبوتة.

أثناء وجودي في عمَّان أُعلنت الأحكام العرفيّة ومُنع التجوّل، لذلك اضطررنا للبقاء في البيوت لفتراتٍ طويلة، وبعد ذلك في العام 1954 تقريبًا كلّفني الرفاق بالذهاب إلى العاصمة العراقيّة بغداد وأنشأت هناك أوّل خليّة لحركة القوميين العرب في العراق، وفتحنا محلاً تجاريًا صغيرًا للتغطية على أسباب وجودي في العراق لأنّ المباحث كانت حذرة للغاية في زمن نور باشا السعيد، وبدأنا عملنا في العراق، وأتذكر بعض الأسماء الأولى التي عملت معنا هناك ومنهم: حامد الجبوري من العراق، سعيد بركة من فلسطين، مثنى القصاب من العراق، ومهاد هيكل من فلسطين.

في العام 1956 عندما شُن العدوان على الثلاثي على مصر؛ نظّمنا نحن في شباب حركة القوميين العرب مظاهرة رافضة لهذا العدوان، وكنا سلميين، لكننا فوجئنا بقوات الأمن تحمل الرشاشات وتوجهها إلى صدور كل المشاركين، وكان لديهم أوامر بإطلاق النار، ولذلك اضررنا لتفريق المظاهرة حفاظًا على أرواح المشاركين.

* ولماذا تركت العراق أو بالأحرى طلب منك المغادرة؟

** مع مرور الوقت ارتكبت خطأً بسيطًا لكن نتج عنه أشياء كبيرة، ففي المحل التجاري الذي فتحناه للتغطية على عملنا هناك كان لديّ هاتف وكنت أُسمع الرفاق أخبار مصر من خلال هذا الهاتف، وكانت المباحث العراقيّة تُراقب هذا الهاتف، وفي اليوم التالي استدعاني مدير الأمن العام إلى مكتبه وأخبرنا بضرورة مغادرة البلاد، وعندما سألته عن السبب وأبلغته أنّني لم أفعل شيئًا، ردّ وقال: أنت لازم تغادر بحريتك، أو ترافقك قوات الأمن إلى الطائرة التي سترحّلك، ما اطرني إلى مغادرة العراق؛ ذهبت إلى بيروت، وبعدها إلى الشام، وبعدها عدت إلى عمَّان.

* لنتذكر معًا اجتماع مقهى محيو في بيروت، ما هي ذكرياتك عن هذا الاجتماع وعن الأشخاص الذين حضروه؟ وكيف أصبح اجتماعًا تاريخيًا لتأسيس منظمة الشباب القومي العربي؟ وما كان دورك في هذه المرحلة؟

** مقهى محيو مكان مطل على البحر في بيروت، وأذكر أننا اجتمعنا في هذا المقهى مع الدكتور أحمد الخطيب وآخرين، وكان هذا أوّل اجتماع لنا، وفيما بعد بدأت نشاطي في بيروت بِعلّم الرفاق، إذ كنا نجتمع في بيت سيدة سوريّة اسمها أسماء الموقّع، هذه المرحومة حملت على عاتقها مسؤوليّة أن نجتمع في بيتها بشكلٍ دوري في بيروت، وكان من الأشخاص المجتمعين في هذا المنزل الرفيق المناضل أديب قعوار.

* وما حكاية "الثأر"؟

** اقترحت على الرفاق إصدار نشرة اسمها "الثأر"، وبالفعل كانت نشرة من ثماني صفحات، والصفحة الأولى كانت تزيّنها كلمة "الثأر" وكتب تحتها ( تصدرها هيئة مقاومة الصلح مع "إسرائيل")، ومن باب التعفف لم نكلّف خطاطًا ليُخطط ويرسم لنا كلمة "الثأر"، بل كتبها المرحوم أديب قعوار بخط يد، وفي ذلك الوقت أخذت هذه النشرة الكثير من الانتشار لأنّها عبَّرت عن مشاعر الناس بعد الشعور بالهزيمة، فكانت توزّع في كافة المنطقة العربيّة، وأوّل منشور أصدرناه حمل عنوان: "لن يدوم ركون العربِ للمستعمرين طويلاً"، وطبعناه واتفقنا على عمل جولةٍ مسائيّة ونقوم بإلصاقه على الجدران وجهّزنا الصمغ، وفي تلك الليلة كان رفيقي في هذه المهمّة "الحكيم" الراحل جورج حبش. وفي ذلك الوقت أُعجبت الناس بالفكرة، بمعنى أنّ هناك أحدًا ما زال يقول: "لن نستسلم"، لذلك أخذ النشاط الفكري لحركة القوميين العرب تأييدًا واسعًا.

أذكر بعد ذلك أنّني كنت أنا والمرحوم غسان كنفاني نكتب في جريدةٍ وطنيّة في بيروت، وفي أحد الأيّام استدعاني مسؤول في الأمن العام، وعندما ذهبت سألني: انت بتكتب في الجرايد؟ فأجبته طبعًا وهي الجريدة أمامك، وانتهى اللقاء دون أن يأخذ بحقي أي إجراء.   

* ما هي ظروف الانتقال من منظمة الشباب إلى حركة القوميين العرب.. حدثنا عن هذا الطريق في تلك الأيام المجيدة؟ وأين كان موقعك في هذا الطريق؟

** في عمَّان كان هناك جيل قديم أكبر منّا عمرًا، وقال هؤلاء بحكم كبر سنهم أنّه من غير اللائق إطلاق اسم "الشباب القومي العربي" عليهم، فجرى تغيير الاسم إلى حركة القوميين العرب، وكنّا نصدر جريدة في عمَّان في ذلك الوقت اسمها "المحرر"، وكنت أنا أكتب زاوية "أشواك" في صفحتها الأولى، وكما قلت سابقًا كنت أنتقد نظام الحكم بطريقةٍ مغلّفة بسبب الرقابة الأمنيّة القويّة.

كان لنا رفاق من الأردن منهم: علي مانجو، وحمد الفرحان الذي كان ذكيًا وجريئًا للغاية، وكان في حينه وكيل وزارة، وفي أحد الأيّام استُدعي من قِبل الوزير، حيث قال الوزير لحمد: أنت تقول في مجالسك أنّ الانجليز استلموا البلد، فما هو دليلك يا حمد؟ ليرد حمد: دليلي هو وجودك أنت في هذا المركز، فكان هذا الموقف حديث كل البلد، بأنّ هناك أحدًا تجرّأ وقال هذا الكلام لوزير.

* في الحركة نعلم إنه جرت نقاشات كثيفة حول الكفاح المسلح، حدثنا عن هذه النقاشات وهل كانت داخلية فقط، وفكرة البدء..؟ وما هي العقبات التي واجهت الفكرة ومن كان الأوائل في هذا المضمار؟

** كان من الأوائل المرحوم المناضل أحمد اليماني "أبو ماهر" إلى جانب الدكتور وديع حداد ومصطفى بيضون، وجرى نقاشات حول أنّ النقاش والتبشير السياسي غير مفيد في هذه الفترة، لأنّه لا يوصل إلى أي مكان.

النقاشات السياسيّة تقنع الجماهير بأفكار هي مقتنعة فيها من الأساس، ولكن هذا لا يحل المشكلة برأينا، لذلك جرى تبني الكفاح المسلّح، وأذكر أنّ المناضل اليماني أرسل أخيه ومجموعة من الرفاق لتنفيذ أوّل عملية داخل الأرض المحتلة وارتقى شقيق أبو ماهر شهيدًا في هذه العملية.

* نعلم إنك كنت ممن التقوا بالقائد إبراهيم أبو دية عندما جاء جريحًا إلى بيروت.. ماذا تذكر عن هذا اللقاء وشخصية الشهيد؟

** كان إبراهيم أبو ديّة مصابًا جراء مواجهات مع الاحتلال في طولكرم، حيث أصيب في ظهره وتسبّبت له الإصابة بالشلل، ووضعه الصحي كان متدهورًا، وكان يحمله بين يديه شخص اسمه محمد أبو خليفة "أبو عبد الله"، فكان هذا أبو عبد الله يجوب على الرفاق في بيروت حاملًا القائد أبو دية بين ذراعيه، حيث أصيب في عموده الفقري ونتيجة المضاعفات رحل عن عالمنا، ولاحقًا في سوريا عندما بدأنا نشاطنا هناك، جنّد أبو عبد الله مجموعة من الشباب للدخول إلى الأرض المحتلة لرد دوريات الاحتلال دون سلاح، فقال لنا أنّ أحدى المجموعات كانت في أحد بساتين فلسطين وكان هناك عدد من قادة اليهود، فأخبرنا أنّه لو كان معهم سلاح لقتلوهم جميعًا.

أبو عبد الله كان يضع كميات من المتفجرات في أحد الأقبية في دمشق، وأذكر أن كمية المتفجرات الموجودة لو انفجرت لدمّرت العمارة وسوّتها بالأرض لضخامة كمية المتفجرات الموجودة.

وفي تلك الفترة كان وزير الداخليّة السوري عبد الحميد السراج، وكان له محبين وكارهين لأنّ حكمه كان قاسيًا، لكنّه شجّع أبو عبد الله على تحرّكاته في المقاومة ووفّر له أسلحة حتى يبدأ بإرسالها إلى المجموعات في داخل فلسطين المحتلة.

* نعود إلى نشرة "الثأر" التي كنت تدققها وتكتب بها لعلها كانت أهم منشور في ذلك الوقت: ماذا تذكر عن هذه المرحلة وعملية التعبئة؟ وما طبيعة النقاشات التي كانت تدور مع الحكيم عندما كان يأتي إليكم في تلك الفترة للإشراف على عمل النشرة؟

** كان التوجّه أن نصدر نشرة لا تتحدّث عن الشأن الداخلي للدول العربيّة وفقط تركّز على فلسطين كي لا يتعرّض لنا أحد، وهذا ما حصل، وعندما كتبنا في الصفحة الأولى تحت كلمة "الثأر" هيئة مقاومة الصلح مع "إسرائيل" أثيرت ضجة كبيرة، وأخذ الناس يسألون: ماذا تعنون بمقاومة الصلح مع "إسرائيل"؟ كون الناس لم يشعروا بعد في الخطر الداهم، فأخبرناهم أنّه بالفعل هناك مشاريع تطبخ لعقد صلح مع "إسرائيل".

كنا نكتب في هذه النشرة، أنا، وأديب قعوار، وأذكر من أسماء أبوابها: ما هي إمكاناتنا؟ وهذا الباب أنا من كان يكتبه وكان يركز على الثروات العربيّة في مختلف البلدان، والتأكيد على أنّنا لسنا ضعفاء ولدينا كل الموارد والإمكانيات، وهناك أبواب أخرى لعدد من الكتاب العظام.

عند اللقاء مع "الحكيم" جورج حبش كانت اهتماماتنا العامّة محورها أوضاع الأمّة والخطر "الإسرائيلي" الداهم، والنشرة كانت تصدر في بيروت، وكنا نوصلها حتى إلى العراق، وكل النقاشات التي كانت تجري هي عن وضع الأمة، أمّا في عمَّان كانت هناك مجموعة أكبر منّا عمرًا.

* ماذا تقول بجمل قصيرة عن رفاق دربك جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي وأبو ماهر اليماني وأحمد الخطيب؟

** جورج حبش: كان رجلاً قوي الإرادة، وكان صاحب كاريزما وشخصيته جذّابة على الدوام، وأحبته الجماهير لأنّه كان يعطيها الثقة.

وديع حداد: لم يكن يعرف المستحيل أبدًا، كل شيء يريد فعله يفعله مهما كان كبيرًا أو مستحيلاً، في إحدى المرات جاء وأخبرني أنّه يريد خطف طائرة ولكن لديه مشكلة وهي أنّ الطائرة التي ينوي خطفها هناك أخرى بجانبها ستقلع في ذات الوقت، أي هناك احتمال لعدم تحديد من هي الطائرة المقصودة التي نريد خطفها، فاقترحت عليه أن يقوم أي شخص بالاتصال على المطار ويخبرهم أنّ الطائرة الثانية فيها جسم مشبوه، وهذا ما حصل ولم تقلع الطائرة ونجح وديع في تحديد الطائرة المقصودة.

في عملية "عنتيبي" الشهيرة كان وديع هناك، حيث ذهب مع الرفاق إلى هناك لجرأته الكبيرة وليُشرف على العملية البطوليّة بشكلٍ مباشر.

هاني الهندي: الرفيق هاني سوري الجنسية ومن الشخصيات القوية، وكان أيضًا من مؤسسي حركة القوميين العرب، ووالده كان ضابطًا في الجيش السوري، وأذكر أنّه انتقل إلى العيش في قبرص لأنّه كان مستهدفًا، وكان هاني يملك سيارة صغيرة، وبفضل حرصه الشديد مدّ يده في إحدى المرات وتلمّس مقعده الأمامي في السيارة فشعر بشيءٍ ما كما توقّع فأخرجها على الفور وانفجرت السيارة عقب ذلك وأصيب في يده إصابة ظلّت إلى نهاية حياته.

أبو ماهر اليماني: كان صاحب شخصية قويّة.

الدكتور أحمد الخطيب: هو أوّل طبيب كويتي درس في الجامعة الأمريكيّة في بيروت، وعندما عاد إلى الكويت أسس تنظيمًا كويتيًا ما يزال موجودًا إلى يومنا هذا واسمه اليوم "المنبر الديمقراطي الكويتي"، ورحل عن عالمنا قبل سنوات.

* لقد عرفت غسان، عندما جاء إلى الحركة شابًا صغيرًا.. صف لنا ما تذكره عنه، ما لاحظته فيه.. متى التقيته أول مرة.. هل كنت تتوقع أن يصبح غسان هذه الأسطورة العظيمة؟ وقد علمنا أنك أنت من كلفته الكتابة في المحرر؟

** غسان كنفاني، كنّا أصدقاء ونكتب في جريدة "المحرر" سويًا، وغسّان كان مصابًا بحالة متقدّمة من مرض السكري، وهي حالة متعبة جدًا ومرهقة، لكن إرادته حديدّية وكان يكتب باستمرار وقلمه متدفق، وأذكر أنّه خلال عمله في الجريدة كان يحقن نفسه بحقن الأنسولين في يده.

كانت نقاشاتنا مع غسان في مجلة الهدف تتمحوّر حول قضايا الشعب الفلسطيني والأمّة، ومن ضمن الأشياء التي كتبتها في تلك الفترة في مجلة الهدف مقال بعنوان: "القتال يا أبا خالد"، وأقصد الزعيم جمال عبد الناصر، ووقتها تسبّب هذا المقال بضجّة كبيرة في كل البلاد العربيّة وعلمت أن الرئيس جمال عبد الناصر قرأه أيضًا، حيث جاء المقال في وقتٍ كان الصهاينة يتعدون على العرب، لكنّ العرب لا يردّون عليهم، فانتشر بين الجماهير شعور من المرارة والضيق.

غسّان إنسان موهوب، يكتب بتدفّق، يكتب أدب وسياسة وثقافة وتاريخ، حتى أنّه كان يُحرّر الجريدة كاملةً لوحده، رغم أنّه مصاب بالسكري.

غسّان غيّر عنوان سكنه، فكان يسكن في بيروت ومن ثم انتقل للعيش في منطقة مطلة على بيروت، وفي يوم من الأيّام نزل غسّان إلى سيارته في الحازمية برفقة لميس ابنة أخته، وفور تشغيله لها انفجرت السيارة فيهما وقطعت غسّان لأشلاء متناثرة، وأذكر حين شيّعنا غسّان كان التابوت فارغًا تقريبًا، وبالفعل خسارته كانت كبيرة جدًا.

* هل قمت بكتابة مذكراتك؟ وإن لم يكن فلماذا لم تنضم إلى رفاقك الذين كتبوا وتقدم وجهة نظرك في هذا التاريخ الغني والمديد؟

** بكل صراحة متردّد في كتابتها.

* في ظل الواقع الراهن، كيف ترى ممكنات نهوض أحزاب قومية في هذه المرحلة التي تزداد فيها الإنشدادات لل قطر ية، ونهاية الأحزاب التي نشأت في الأربعينيات والخمسينيات؟

** القفز من القطرية إلى النطاق القومي كان خطأً، لأنّك لا تستطيع مواجهة مشاكل الوطن العربي دون مواجهة مشاكل القُطر الذي تتواجد فيه، وتصبح وكأنك تغرّد خارج اهتمامات الناس، وفي بعض الرفاق منهم محسن إبراهيم كانوا انتهازيين بالدرجة الأولى لأنّه حمل هذا الأمر وتبنّاه، وبالمناسبة جمع أموال لا تأكلها النيران بمعنى الكلمة، وفتح ديوانًا للناس ليُسفرّهم إلى باريس، كما أسس منظمة العمل الشيوعي في لبنان وهذا ما أثار حفيظة الشيوعيين أنفسهم، وهذه لم يكن لها أي معنى في ظل وجود الحزب الشيوعي بتاريخه ونضاله وتضحياته.

أعتقد مرّة أخرى أنّ التصدّي للمشاكل القطريّة يتقدّم على التصدّي للمشاكل القوميّة، والقفز إلى العكس لا يستطيع تجميع الجماهير حولك، وترتيب الأولويات يؤكّد على الوضع القطري ولكن مع عدم الانجرار إلى القطرية، وهناك فرق ما بين معالجة الوضع القطري وما بين أن تصبح انعزاليًا.

في تاريخ فلسطين كان نضال الشعب الفلسطيني كله ضد الإنجليز واليهود، ولكن الحركة الفلسطينيّة تاريخيًّا من الحاج أمين وغيره لم تكن قطرية، بل كانت قوميّة وطنيّة. 

* هل ترى أن الأحزاب القومية بإمكانها احتواء تزايد الإنزياحات - حتى من مثقفين وحزبيين سابقين - لصالح الطائفية والمذهبية كما هو الحال في بلدان عربية حكمتها أحزاب قومية؟ ومن ثم كيف ترى معالجة هذه المعضلة قطريًا للوصول إلى معالجة أشمل؟

** لا يوجد حل سحري لكل هذه المشكلات، ولا يجب القفز فوقها، الحل هو تصدر الموجة القطرية ومحاولة إيجاد حلول للقضايا المطروحة على المستوى القطري.

التنظيمات القومية يجب عليها أن تجتمع على كلمة واحدة وتشكيل جبهة موحّدة وليس توحيد هذه التنظيمات، لأنّ التوحيد يحمل معه الكثير من المخاطر وستبرز الخلافات، أمّا الاجتماع على كلمة أو تشكيل جبهة موحّدة هو الأفضل وهذا ما حصل في فرنسا في الحرب العالميّة الثانية، إذ شكّلت الأحزاب الشيوعيّة والديغوليّة جبهة وطنيّة للدفاع عن فرنسا، وقالوا: أنّ البلاد أمام الانهيار، فلندع خلافاتنا جانبًا ففرنسا في خطر، وهذا الأسلوب المجدي.

* استنادًا إلى السؤال السابق ما هي الدروس المستفادة من تجربة حركة القوميين العرب لبناء حالة قومية تتجاوز ثغرات الماضي، بالأخذ بعين الاعتبار المصالح القطرية في إطار المصالح القومية العليا للأمة العربية؟

** أعتقد أنّ الصراعات الداخليّة داخل الحركة استنفذت الكثير من الوقت والطاقات، والتيار المقصود بذلك هو التيار الذي قاده محسن إبراهيم ومحمد كشلو وآخرين، هم من راهنوا على شق صفوف الحركة، وهذا بدا واضحًا في وقتٍ لاحق عندما أسّس محسن إبراهيم تنظيمه الخاص.

* بنظرة عين الصقر إلى هذا التاريخ النضالي الزخم والمليء بالفخر والانكسار كما هو حال قضيتنا الفلسطينية كيف تنظر إلى واقعنا اليوم...؟ هل ما زال الآمل بالنصر حاضراً...؟ وما هو شرطه الآن برأيك؟

** اليهود عندما يهدمون بيتًا فلسطينيًا في اليوم التالي يبني الفلسطينيون بيتًا جديدًا، أي هناك تصميمًا فلسطينيًا على المواصلة في النضال ومقاومة الاحتلال، وأبو مازن وحاشيته معزولين عن مجموع الشعب، ماذا يعني التنسيق الأمني؟ هو أن السلطة تتعاون مع "إسرائيل" لتسليم المقاومين، لذلك دائمًا نقول: يجب تسمية الأمور بمسمياتها.

أعتقد أنّ النصر ما زال بعيدًا، ولكن الأمل هو باستمرار النضال والكفاح الطويل الأمد، نحن أمام قوّة "إسرائيليّة" كبيرة مع حلفاء في الداخل والخارج، ولكن هناك عناصر قوّة عربيّة مهمّة.

العدو الصهيوني متغطرس، وعدواني، لكن نقول لشعبنا الفلسطيني: إن ظهرنا إلى الحيط، ولا يوجد في حساباتنا خيار التراجع، هؤلاء يدمروننا فلا مجال إلا المقاومة والنضال، والضمانة الكبيرة الموجودة لدينا إلى جانب تصميمنا ومعنوياتنا، هي أنّنا أمام عدو شرس لا يمكن أن ننساه أو ننسى جرائمه.

إلى أهل غزّة الذين أتابعهم بشكلٍ يومي، غزّة جميلة وأنتم أبطال، وفي تاريخ العرب نقول: أنّ "تل أبيب" قُصفت مرتين، الأولى في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، والثانية ولعدّة مرّات على يد سواعدكم يا أهل غزّة، أنتم قصفتم "تل أبيب" التي تعتبر رمزًا للحكم الصهيوني.