سنار حمد، ابن قرية صفّا المحتلة، شاب في مقتبل العمر لم تتجاوز سنوات عمره العشرين عاماً، يحب الحياة ولا يحب القيود، ودود الطّباع، محبوب من أصدقائه وأهله وكل من عرفه، وتمامًا كما يقول المثل العربي "لكلٍ من اسمه نصيب"، كان لسنار النّصيب الأكبر من اسمه فهو عصفور صغير أبى أن يسجن في قفصٍ أو أن يعيش مسلوب الحريّة، اختار أن ينضم إلى رفاقه المضربين عن الطعام رفضًا للاعتقال الإداري رغم إدراكه لمدى المعاناة التي سيلقاها نتيجة اتخاذ قرار الإضراب، فالحريّة بالنّسبة لهذا الطائر العتيد أجل وأسمى من الماء والطعام.
لم يكن هذا الاعتقال هو الأول لبطلنا المتمرّد، حيث اعتقل وهو ابن الـ 14 ربيعًا لمدة شهر مع كفالة ماليَة، ليعتقل مجدّدًا في عمر الـ 18 عامًا لمدة ثمانية أشهر، وحينما خرج ليحلّق مجدّدًا في ربوع وطنه اصطادته شباك الغدر ولكن هذه المرة دون تهمةٍ أو مدّة زمنيّة معلومة، وفقاً لما يسمى "الاعتقال الإداري" الذي جّدد له لثلاثة مراتٍ على التوالي.
وعن يوم الاعتقال، تحدّثت أمُ سنار : "لحظة اعتقال ابني كانت من أصعب اللّحظات التي مرّرت بها خلال حياتي، بل حتى أنّ ألمي وقهري تجاوز ذلك القهر الذي شعرت به عند اعتقالي من قبل قوات الاحتلال الصّهيوني".
وتصف أمُ سنار المشهد: "في سواد اللّيل الحالك، دون طرق أبواب المنزل، اقتحم مجموعةٌ من الجنود منزلنا برائحتهم النتنة وعتادهم العسكري المدجّج، كان أمرًا مرعبًا بالنسبة لي، لكن بالطبع خوفي لم يكن من العدو بل على فلذة كبدي التي تسلب مني دون حولٍ مني ولا قوَة، وجدت نفسي أمام تحدٍ بأن أخفي جميع ملامح الخوف عن وجهي وأستبدلها بملامح هادئة مصطنعة أطمئن فيها قلب ابني وابعث بها السلام إلى صدره".
وتابعت أم سنار قولها: "يظنون أنّهم عبر الاعتقال يحبطون عزيمتنا وإصرارنا، ولا يدركون أنّهم يسلبون منّا أبناءنا أطفالًا فيعودون لنا رجالاً جبابرة، فالأشهر الثمانية التي أمضاها سنار بالأسر صقلت تكوينه وجعلت منه صخرةً صلبة لا تكسر"، وواصلت حديثها بكل ثقة: "ليست أحضان الأمهات هي من تصنع الرّجال بل حمل السّلاح والقنابل والصمود في أقبية التحقيق وزرد السلاسل".
وبحشرجةٍ طغت على كلماتها، تابعت: "بكل رمشة عين ودقة قلب تدب في صدري، هناك خوف وقلق على ابني، خصوصًا مع إدراكي لأوضاعه وحالته الصحية في ظل مضيه بقراره بالإضراب عن الطعام، حياتي ليست حياة طبيعية، فعند كل سفرة طعام توضع لا أقوى على وضع الطعام في فمي، فكيف أسكت جوعي والجوع ينهش كيلوات لحم من جسد حبيب قلبي الذي بات نحيلًا منهكًا بعد أن كان مفتول العضلات وشديد البنية، شعور يفتك فؤادي ويكاد يقطعه إربًا أن يكون كل جزء في جسد ابني ضعيف وأنا بمقدوري أن أقف على قدماي".
وأشارت أم سنار إلى أنّ ما يواسيها في هذه التجربة العصيبة، هو العزيمة الصلبة والمعنويات العالية التي يمتلكها سنار، مضيفةً: "لا شك أن قوة ابني مستمدة من قوة الإضراب الجماعي، فأسرانا المضربين يد واحدة وروح واحدة، وأتمنى أن تشهد الأيام القادمة انضمام أسرى إداريين جُدد، ليقصر عمر الإضراب وتقترب ساعة الانتصار".
وأعربت عن أملها بأن تنجح الأمعاء الخاوية في إيصال رسالة الأسرى الإداريين إلى مسامع العالم أجمع، وإلى مؤسّسات المجتمع الدّولي وفي مقدمها الأمم المتحدة، لافتةً إلى أنّ نضال الأسرى في معركتهم الحاليّة لن يجني ثماره ما لم يتوّج باصطفاف جماهيريّ واسع على كافة المستويات والأصعدة.
وفي تحدٍ واضح للعدو وثقة عالية بالنصر، أخبرتنا أم سنار أنّها تحضّر حلوى الانتصار الذي بات قريبًا.
يعلّمني حديدُ سلاسلي عنف النسور، ورقة المتفائلِ
ما كنت أعرف أن تحت جلودنا ميلادَ عاصفةٍ وعرس جداولِ
سَدُّوا عليَّ النور في زنزانةٍ فتوهَّجتْ في القلب ... شمسُ مشاعلِ
لن يبصروا إلاّ توهُّج جبهتي.. لن يسمعوا إلاّ صرير سلاسلي.. فإذا احترقت على صليب عبادتي أصبحت قديساً.. بِزَيّ مُقاتلِ
"محمود درويش"


