قال مقال تحليلي نشره موقع مركز دراسات الأمن القومي الصهيوني INSS إنّ نمو حركة عرين الأسود في الضفة الغربية المحتلة والتي تشكل جاذبًا للشبان الفلسطينيين الذين يرغبون في مقاومة الاحتلال الصهيوني هي إشارة أخرى للكيان بأنه لا يستطيع كنس القضية الفلسطينية تحت البساط، والاستمرار في تجاهلها كما حدث في السنوات الأخيرة، وقال المقال إنّ النهج " الإسرائيلي" الذي يرتكز بالدرجة الأولى على الاستخدام المتزايد للقوة قد استنفد نفسه، وإن المطلوب الآن جهود جديدة من أنواع متعددة، إلى جانب الاستعدادات للسيناريوهات التي قد تنجم عن الوضع الجديد.
وقال الكاتب الجنرال المتقاعد أودي ديكل، إن "عرين الأسود" تشكل إشارة أخرى للكيان بأنه لن يكون قادرًا على "احتواء" الأراضي الفلسطينية إلى الأبد، وتعبير آخر عن إضعاف السلطة الفلسطينية مع اقتراب اليوم التالي لعباس. وأضاف إنه يمكن أن نتج عن الوضع الحالي عدد من السيناريوهات: (1) مبادرة شعبية شاملة تجذب الشعب الفلسطيني إلى العمل الذي من شأنه تغيير القيادة والقواعد الحالية للعبة، (2) استيلاء حماس على ديناميكيات الوضع، مما أدى إلى زيادة "الإرهاب والفوضى" في الضفة الغربية. (3) ضغوط دولية على "إسرائيل" للسماح بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ورئاسة السلطة الفلسطينية. أو عملية عسكرية جديدة تحت ستار عملية (الدرع الواقي 2) من شأنها تسريع إضعاف السلطة الفلسطينية، وجعلها غير ذات صلة بأي تسويات سياسية، وإلحاق الضرر بالفاعلية الضئيلة التي لا تزال قائمة في نشاط الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتشجيع ظهور مجموعات أخرى من الشباب الفلسطيني المستعد لمحاربة "إسرائيل"، وبينما يؤدي الوضع الحالي إلى أحد السيناريوهات المذكورة، يتساءل الكاتب عما إذا كانت القيادة الإسرائيلية - خارج الانتماءات الحزبية - تفكر في هذه القضية، وهل هي مستعدة للتعامل معها بشكل فعال؟
وقال الكاتب إن النشاطات الأخيرة في منطقة نابلس ترتبط بتجمع "عناصر إرهابية"، بما في ذلك العشرات من النشطاء المسلحين الذين لا ينتمون إلى الفصائل الفلسطينية، ومعظم معظم أعضائها هم من الشباب الفلسطينيين - بعضهم أعضاء سابقون في فتح، والتنظيم، وحماس، والجهاد الإسلامي - وبعضهم أبناء لآباء يخدمون في أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. وتُنسب معظم حوادث إطلاق النار في الضفة الغربية في الأسابيع الأخيرة إلى هذه المجموعة، وهي العنصر الرئيسي المسؤول عن "تصعيد الإرهاب" في المنطقة، على حد زعم الكاتب.
وأشار المقال إلى أنّ شهر أيلول/سبتمبر شهد أكثر من 34 حادثة إطلاق نار في الضفة الغربية - وهو أعلى رقم منذ أكثر من عقد - وشمل إطلاق النار من بعيد على المستوطنات، وإطلاق النار على مركبات المستوطنين على الطرق، وإطلاق النار على مواقع وقواعد الجيش الصهيوني، وفوق ذلك كله، اشتباكات بالذخيرة الحية مع قوات الجيش العاملة في المدن والقرى الفلسطينية. ويتركز معظم نشاط التنظيم في الضفة الغربية، رغم أنه في حالة واحدة على الأقل تم العثور على صلة "بإرهابي" وصل إلى يافا، مسلحًا بسلاح مرتجل وعبوات ناسفة، وقال الكاتب إنه تم القبض عليه بفضل الحظ قبل أن يتمكن من تنفيذ خطته.
ولفت ديكل إلى أن الدوافع الرئيسية للديناميكية التنظيمية الجديدة هي التطورات على الأرض - العمل المحدد من قبل الجيش الصهيوني وجهاز الأمن العام (الشاباك) في شمال الضفة الغربية في إطار عملية كاسر الأمواج، وضعف السلطة الفلسطينية. وتزايد الصراع الداخلي بين الفلسطينيين مع اقتراب اليوم التالي لعباس. ويضاف إلى ذلك عجز الأجهزة الأمنية الفلسطينية وانعدام الحافز عليها لمنع الهجمات، وكذلك الوضع الاقتصادي الصعب للشباب الفلسطينيين الذين لا يعملون في "إسرائيل" على حد زعمه، وسهولة توافر الأسلحة والذخيرة وتوزيعها على نطاق واسع.
وقال المقال إن مجموعة عرين الأسد هي نوع من التيار الثوري الشبابي المناضل، الذي يعارض الخط السياسي للرئيس عباس، لا سيما التنسيق الأمني مع "إسرائيل" وحكومة السلطة الفلسطينية الفاسدة. وتركز المجموعة في الوقت الحالي على الاشتباكات مع الجيش "الإسرائيلي" والمستوطنين زاعمًا إنها قد تقدم لاحقًا معارضة واضحة لقيادة السلطة الفلسطينية. مشيرًا إلى أنها كما تحظى بدعم في صفوف فتح، لا سيما مع المعارضين للرئيس عباس وحلفائه، حسين الشيخ وماجد فرج. لذلك، من الصعب القول بشكل لا لبس فيه أن مجموعة عرين الأسود هي منظمة معزولة ستتفكك قريبًا. ويمكن أن تكون العلامة الأولى لسلسلة من الجماعات المحلية المستقلة، وليس متحالفة مع أي منظمة.
وقال الكاتب إنه بالنسبة "لإسرائيل"، من الملائم العمل مع السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية – حيث يساعد التمايز السياسي الفلسطيني الداخلي على إدامة هذا النهج - إلى حد كبير لأن المسؤولية الرئيسية عن إدارة حياة السكان الفلسطينيين لا تقع على عاتق "الإسرائيليين". بالإضافة إلى ذلك، فإنه يمنح "إسرائيل" حرية العمليات العسكرية / الأمنية في مناطق السلطة الفلسطينية. حيث يؤيد معظم الجمهور "الإسرائيلي" وجهة النظر القائلة بأنه لا يوجد شريك فلسطيني لبرنامج سياسي يعمل من أجل تسوية، وأننا "سنعيش دائمًا بحد السيف"، ويعيش الجمهور الفلسطيني أيضًا شعورًا سائدًا بأنه لا يوجد مخرج، ولا سبيل لضمان مستقبل وطني أفضل، ولا قيادة ذات مصداقية. وهذا يخلق فراغًا يولد مجموعات من الشباب الفلسطينيين المقاتلين القادرين على جذب شباب آخرين للانضمام إليهم. هدفهم محاربة الاحتلال، في محاولة لإشعال احتجاج شعبي. ولا تقتصر هذه المجموعات الشابة على دفع الثمن من خلال مهاجمة الجنود والمستوطنين فحسب، بل إنها تعمل أيضًا على إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض قدرتها على فرض القانون والنظام والاستقرار في أراضيها.
في مقابلة مع Ynet في 13 أكتوبر / تشرين الأول، بعد أحداث العنف الخطيرة، قال وزير الحرب بيني غانتس إن "هذا وقت حساس للغاية"، لكنه أصر على أن "إسرائيل لم تفقد السيطرة" وزعم " ... نحن نستخدم جميع الوسائل المتاحة لنا والحصول على اليد العليا حيثما أمكن ذلك. نحن نقوم بأعمال هجومية في نابلس وجنين وحيثما كان ذلك ضروريا"، وأضاف: "في النهاية سوف نسيطر على هؤلاء الإرهابيين. نحن نتحدث عن مجموعة من حوالي 30 ناشطًا. علينا أن نعرف كيف نؤذيهم، وسنضربهم. ستنتهي هذه العصابة بطريقة أو بأخرى وآمل أن تنتهي في أقرب وقت ممكن". بالتوازي مع ذلك، تم سحب تصاريح دخول "إسرائيل" من 164 فردًا من عائلات نشطاء المجموعة، وفقًا لتقرير صادر عن منسق الأنشطة الحكومية في الضفة.
وأضاف المقال إنّ هناك من يعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لعملية (السور الواقي 2) ولكن ما هو الغرض من مثل هذه العملية، إذا لم يكن "لإسرائيل" هدف سياسي تسعى إلى تحقيقه؟ ما معنى دعم فكرة الدولتين كما أعلنها رئيس الوزراء يائير لابيد من منصة الأمم المتحدة، دون أفعال بنفس الروح؟ مؤكدًا إنه لا يمكن تحديد التطلعات العرقية والدينية والقومية بالقوة وحدها. وحتى الآن، فإن الإنجاز الوحيد "لإسرائيل" هو عدم وجود دافع لدى الجمهور الفلسطيني للانخراط في صراع شعبي عنيف ومتصاعد وواسع القاعدة. وإن الجمهور الفلسطيني قد سئم من قيادة السلطة الفلسطينية وخاب أمله منها، وحتى لو رأى أن وجود مؤسسات السلطة الفلسطينية بحد ذاته إنجاز وطني مهم.
*المصدر: أودي ديكل. INSS Insight رقم 1651 ، 19 أكتوبر 2022

