أيّ صوتٍ أقدّمه لهذهِ الصرخة... ورائي تمامًا، نبتت آلافُ الأزهار المتحرّكة، مَنْ يدافع عن ورائه، والأصابع التي أنتجت الحرية؟ هاجرت في الخيال، وصنعت عربةً مدجّجةً بأصواتٍ مترهّلةٍ لا يدخل إليها الهواء، ولا الشمس، ولا حتى ضوء القمر، مثل الوردة التي نامت داخل السكين!
ذات يوم، باع أحدُ الشّعراء وجهه للسهوب، وعزف موسيقى صاخبةً كي لا يغادر الصاعقة المفتوحة على اليأس.
قصائدُ شعريّةٌ - على مدّ عينك والنظر - كُتبت لمقايضة اللهفة بالمطلق، والشاعر وحده ينصّب نفسه بفضاضة ملكًا على المجنزرات، وعلى المجهول... هل نحن بحاجةٍ إلى ضرب الهواء بالهراوات، وفي أعناقنا ضوءٌ جافّ، وقاماتٌ مصروعةٌ من شدّة الصمود؟! أي شيء إذًا أقدّمه لهذه الصرخة...؟ والكلّ ينتقل من احتمالٍ إلى احتمال، كما لو أنه نارٌ في رأس مئذنة؛ أمّةٌ عربيّةٌ وضعت كل أهلها على الرفّ، وتعرف جيّدًا ماذا تكون أو تعني الجلجلة؛ حتى الجلجلة نفسها تعرّفت على شعراء من الوحل، وعلى دموع انسكبت في قصائدهم تضمّخت بإنسانية لها لون التراب، ولون العصيّ الغليظة!
يا آ آ اهلي في العروبة.. نحن الذين في جوف المدخنة، ولدينا حواس تميّز الذهب عن الرصاصة، والأخلاق عن المجزرة.. والمجزرة بدورها تحوّلت إلى ظِلالٍ للدم، لأن الجرأة التي في وجوهنا صارت على مستوى المقبرة.. وإن الذي هاجم الغموض، سقط غيّلة في العذاب العربي، وإنه التهمَ نفسه نيابة عن الهيكل.
مَن منّا لا يعرف كيف تكوّنت أمريكا؟ وكيف حوّلت الهواء إلى كوميديا؟
- بوريس باسترناك- كتب -الدكتور جيفاكو- ليحوّل النوع إلى محرقة، لأنه يعرف أنّ أمريكا ما زالت الوعاء الساخن، وإنها بادلت الأيديولوجيا - بأرخبيل الغولاغ -*
السيدة أمريكا ألغت حياة العرب للضرورة، مع أن الضرورة هي القتيل! وهي وحدها فقط التي تتدفّق فوق الأرصفة.
العربي تحوّل من صقيع إلى عُنف وراهن على المأساة النائمة تحت الرخام.. قال لي أحد الشعراء العرب: كيف لي أن أصل إلى السكيّن مع العلم إنني لا أتذكّر سوى الآلاف من القتلى. كلّنا يعرف تماماً أن الغرب يصنع كل شيء يليق بنا، يصنعون النصوص التي تتمتّع بالحياة القاتلة، ولا أحد يطلق صيحة استغاثة.. ونحن نقدّم التوراة - عيّدية - لضرب المستحيل.. فهل يليق بنا أن نظل في الوراء؟
لم يبق من العرب سوى الأنياب، وإن القاعات المشرقة، تكون مشرقة حقاُ أمامنا، وامام أحصنة لا تعرف قتلاها. ثمّة غابات ملأت نفسها بالفضائح، وسوّرت حالها
بالأشباح.
قال شاعر عربي: يا آ آ أهلي.. أنا الآن داخل المطلق، لأعقد قِراني على الجحافل، لقد صنعت إيقاعاً للأسطورة ودغدغت ذهبي كي لا يصير سخرية. لقد صارت أمتي هي الحرائق، والفجيعة، والحوار السيّء؟ زهرة الأقحوان.
إن قوّة الأسئلة جعلتنا نبحث كثيراً عن الذي يغتسل بأرواحنا، وأشياء أخرى تشبهنا.. ما دامت الذئاب تقف على مفارق ما تبقّى من ألقٍ في هذه الأمة! وأيضاً وأيضاً ثمّة نصوص محاولة تبحث عن حفار القبور، وإن هناك في الأفق غمامة سوداء تزحف من بعد وأيضا لنا قطعة من المستقبلِ تزحف من بعد!
حبيبتي أمريكا.. ها أنت حولّت المصطلح العربي إلى برتقالة يابسة يتدلّى منها دبابة ترقص بالشورت، والهياكل العظمية الساخنة إلى ملائكة من لحم ودمّ.. ففي البقية الباقية من دمنا، رأينا الدليل الذي ماتَ، وغيّر شكل الشجر والأرصفة والنخيل والنوادي، وإن صفاء النوع ضارع مولانا "فوكوياما" لأننا لا نحب موت التاريخ، بل التمزق إن كنّا حفاة أم قياصرة!
من هو إذن الذي بحث عن قتلانا وغيّر لعبة الشيطان؟
وجوه خشبية تستقبل الأساطير، وخلافات تحمل فوق ظهرها آلهتنا.
حاخام صهيوني يقول: إننا حولّنا تراب العرب، وثقافة العرب إلى هاوية، لأن الخطيئة في بلادهم، تشكّلت لتغيير الطهارة فيّهم، لأنهم معماريو السراب! وهكذا فإن العربي بكل مل يحمله من ثقافة وتاريخ وأساطير، "ما يزال" يرتجف أمام جاذبية الذل، وأكَلَة الأسئلة.
ماذا بقي لدينا من الخيال.. وأجسادنا أينعت وحان قطافها؟
الآن نرتدي الهواء، والأيديولوجيا صارت ضدّ ما نراه.. يعني من الأفضل لنا أن نرتدي الفلسفة الهائمة، ونطارد الآهات العالقة في لحظة البرق!
أيضاً ثمّة سؤال بالبنط العريض عن العربي الذي لا يستطيع أن يحرّك ساكناً! ومن هو الذي اخترع لعبة المصطلح، وأسقط العماء في المقاهي وفي الشعر، وسواء كان العقل العربي في حالة عمل أو في حالة سكون، هو أحد ضحايا متاحف الشمع القابعة في المجهول.
أعرف أن الكلام الرديّء أكلنا، والكلام الذي ليس رديئاً.. أكلنا أيضاً، وحوّلنا إلى طبول.. وفي الظل نقول بيننا وبين ذواتنا، غفرانك يا الله لقد امتلأت أفواهنا بالرياح،
وانضموا إلى قوافل الراحلين.
أمريكا اغتالت حتى عذابنا، نعم.. واليهود قتلت فينا اللغة أيضاً نعم.. لكن ماذا نقول لألبستنا التي نرتديها وقد صارت فولكلورية وتقول: وداعاً لأجسادنا، لأن الأهمّ في هذه الأجساد، وجوهنا التي تشابهت وتكدّست كما الحطام؟
الذرائع إذن تكمن في أرواحنا، والمهابة التي كانت زادنا في التاريخ، تخلّت تدريجياً عن صوتها الخشبيّ البليد، لأن صدى هذه الأصوات نام في المستودعات التي كانت ملجأ لتناسل الخيول!
في حوار مع إدوارد سعيد، ردّ على سؤال عن الكائن العربي بفقرة قصيرة جدا، لكنها مرعبة، تقول بما معناه: إن العرب تحدثوا كثيراً عن الحجارة وثورة الحجارة،
وعن الأزهار وكيف تحولت إلى حجارة والحجارة إلى أزهار.. فهل الأزهار والحجارة تعرف من هو هذا الذي أمامها؟!
شمس العرب تحوّلت إلى خشب، وثيابنا ما زالت مصرّة على الحديث مع طارق بن زياد، لتعليق سيفه على جدار حائط المبكى.. هذا هو حديث الجنرالات الراقصة، وجاذبيتهم الرابضة داخل أرواحنا.
ماذا نقول عن أمريكا؟ أو ماذا نقول لأمريكا وهي ترتّب جثثنا حسب أفضليتها؟!
نحن من زماآآآن ضدّ أنفسنا، وضدّ أرواحنا التي انتهت وهي في طريقها إلى ثقب في اللغة.. مع أنّ اللغة/لغتنا ذاتها صارت المذبحة. لقد قدمت العروبة ضحاياها لتسخر من عبقرية الهواء، وها نحن نكبر ونكبر ونكبر حتى صرنا بلا معنى.
ما فائدة إضاءة الشموع وأجسادنا التي تسير على هذا التراب احتارت كيف تحاور الغزاة؟
الأمريكيّ أو اليهوديّ، لا تعنيه أجساد العرب، ولا الحيّرة الغائرة في عيون العرب. أفواه العرب الأقحاح امتلأت بأصوات الآخرين.. فهل لدينا النمط الذي يؤكّد
أنّ لدينا موطئ قدم في قصيدة يختزل الحوار؟
يقول اليهوديّ: نحن نعرف كم عدد دقات قلوب العرب، وهي أيضاً واضحة لدينا لأنها في حيّرة من أمرها!
فكل شيء لديهم يتجّه تلقائياً إلينا، ومع ذلك لم يأخذوا بنصيحة التوراة التي تقول: إن تراب العرب ما زال على الهيكل، لأن النصوص المقدّسة لن تتكرّر أبداً.. يعني: أننا نحن العرب ليس إلا شرائح للتجربة، وجوهنا منتفخة لأنها مشتّتة!
ماذا نفعل بوجوهنا؟ وماذا نقول للتاريخ ليتوهّج؟!
الأزل ما زال حافيَ القدمين، ومن أجله شكّلنا من دمنا أزياء جميلة، بل فذّة للسيد الذي يسكن الحطام.
قال لي: سأذكّرك بأغنية جميلة اسمها: "أرض العرب هيّ العزيزة الغالية"
قلت: أرض العرب، وثقافة العرب، وزمن العرب، وقيَم
العرب، وشعراء العرب.. تتقيّأ الدم والغبار هذا ما تبقّى لدينا من العار..
لِتزغرد عِظام العرب!
* أرخبيل الغولاغ عمل أدبي للروسي ألكسندر سولجنتسين المنشق/ وهو وصف دقيق للمنفى السيبيري -كنّا نطارد الثلوج بالحجارة-

