Menu

مفهوم المجتمع المدني وآفاقه المستقبلية في بلادنا

خاص بوابة الهدف

للوهلة الأولى قد يبدو للبعض أن مفهوم "المجتمع المدني"؛ مفهومًا بسيطًا أو سهل التناول، لكن المألوف ليس بالضرورة بسيطًا ولا سهل التناول أو التطبيق؛ فبالرغم من حالة الذيوع والانتشار لعبارة "المجتمع المدني" في بلادنا، إلا أن هذا، لا ينفي الطابع الطارئ والمستحدث الوافد والكمي لعملية انتشار هذا المفهوم من جهة، ولا ينفي واقع الإبهام والغموض الذي يشوب الحديث عنه في الإطار العام للمثقفين أو القوى السياسية من جهة أخرى، وذلك في موازاة اغتراب هذا المفهوم الذي يصل أحيانًا لدرجة القطيعة مع الشرائح والأنماط الاجتماعية العربية المتباينة في سياق تطورها الراهن، وهو سياق بطيء الحركة تشده خيوط الماضي في ظروف دخل العالم عبرها إلى دروب من التقدم لا مكان فيها لأحد من الماضي، ما يعني بوضوح أن الحديث عن تطبيق مقولات المجتمع المدني في إطار التخلف المعرفي والاجتماعي، وبقاء سيطرة الخطابات السلفية الرجعية والمفاهيم القديمة إلى جانب بقاء العلاقات الاجتماعية؛ العشائرية والحمائلية والطائفية، هو حديث أقرب إلى الوهم أو يستخدم فقط لخدمة مقتضيات التبعية والخضوع للتحالف الإمبريالي- الصهيوني عبر الشرائح البورجوازية الرثة التابعة في بلادنا من ناحية، أو عبر بعض منظمات NGO'S التي يتم تمويلها في خدمة ثقافة الهبوط باسم "السلام" و "حقوق الإنسان" و "الديمقراطية" وغير ذلك من الشعارات الوافدة من الممول الأجنبي.

لقد انطوى مفهوم المجتمع المدني على الدلالات التالية، التي أجمع معظم الفلاسفة والمفكرون على القول بها: إنه مجتمع الحرية بمواجهة الضرورة الطبيعية والسياسية، وهو يمثل نطاقًا لممارسة الحقوق الطبيعية للإنسان وحمايتها، التي تؤسس عليها منظومة حقوق المواطن، كما يعد مجالًا للمبادرات الفردية الحرة، فهو دائرة لإثبات الحرية الشخصية، بمواجهة السيطرة المتزايدة للسلطتين الاجتماعية والسياسية على الشخصية الفردية، بوصفه مجتمعاً لتعددية الفاعلين الاجتماعيين وتنوع مصالحهم الواقعية، هو أيضًا، بمكانته تلك، حيز الاختلاف في الآراء والأفكار والقناعات، ومثلما تتنافس تلك المصالح واقعياً، كذلك ترتقي الأفكار والقناعات من خلال المنافسة المفتوحة والتفاعل الحر. إنه، بهذا الحسبان، مجال حر لتداول الرأسمال الرمزي** وتعميمه أيضًا، أخيرًا "المجتمع المدني هو قدرة أخلاقية وثقافية مجتمعية، وحتى اقتصادية، مستقلة ومنظمة بمواجهة تسلط الدولة وتعسفها المحتمل"[1].

من هنا تجيء أهمية المراجعة التاريخية لنشأة مفهوم المجتمع المدني وحركته ومضامينه ودوره في انتقال عملية التطور وصعودها في البلدان الأوروبية، من مرحلة العصور الوسطى الإقطاعية، إلى مرحلة الرأسمالية أو عصر النهضة، وما لهذا الدور من أثر في إحداث القطيعة مع الفكر الغيبي من جهة، ومع العلاقات الاجتماعية السياسية والاقتصادية الإقطاعية من جهة أخرى؛ آخذين بعين الاعتبار استحالة نقل التجربة، بل إدراك المنهج والأدوات والمفاهيم المعرفية واستخدامها في واقعنا الفلسطيني، كجزئية غير قابلة للانفصام عن الواقع العربي الذي يختلف في تطوره الاجتماعي – الاقتصادي، بصورة جذرية، عن سياق التطور في أوروبا والغرب الرأسمالي عمومًا.

وبالتالي، فإن إدراك الدلالات المعرفية لمفهوم المجتمع المدني، يفترض إدراك المقومات والعلاقات الداخلية والخارجية لعصر النهضة أو الحداثة، منذ بدايته، ومن ثم للنظام الرأسمالي بشموليته، في إطار المجتمعات الأوروبية التي نشأ وترعرع فيها الفكر الليبرالي كتجسيد لذلك المفهوم.

المسألة الأخرى في هذا السياق أننا يجب أن ندرك، بصورة واضحة، طبيعة الفرق الجوهري بين نشأة "الرأسمالية" في العالم الثالث، والرأسمالية في البلدان الغربية. ففي الغرب؛ بُنَتْ الرأسمالية قوتها الاقتصادية أولًا، ثم استولت على السلطة السياسية، أما في دول العالم الثالث؛ فالاستيلاء على السلطة يتم أولًا ثم يجري الحديث عن "بناء القوة الاقتصادية".

فإذا كان واقعنا الفلسطيني والعربي على هذه الشاكلة من التخلف والتبعية والخضوع والصراعات والانقسامات السياسية والطائفية والدينية، إلى جانب التطور الاجتماعي الاقتصادي المشوه والقهر الوطني والقومي من الاحتلال الصهيوني والأمريكي، كيف يمكن لهذا الواقع أن يتعاطى بصورة جدلية مع مفاهيم المجتمع المدني بالمعنى التاريخي والحديث والمعاصر؟

سؤال لا ندعي سهولة الإجابة عليه، فهذه الإجابة ستظل مرهونة بعملية تطور الواقع الموضوعي المعاصر في بلدان الوطن العربي من جهة، ولنهوض الأحزاب اليسارية الديمقراطية الثورية والعقل الجمعي الطليعي في هذه البلدان من جهة ثانية.

 


** الرأسمال الرمزي هو رصيد الإنسان من المصداقية والسمعة الطيبة والاحترام الذاتي والتواضع ومحبة الناس، والمشاعر الجياشة ضد كل أشكال الاستبداد والاضطهاد الوطني والطبقي، وهي عناصر تشكل أهم مكونات رأس المال الرمزي، وهي مصدر حاسم في انتشار وتوسع الاحزاب السياسية.

[1]. سربست نبي: المجتمع المدني، السيرة الفلسفية للمفهوم، دمشق، دار كنعان، 2010، ص208.