ما حدث في نابلس ليلة أمس يدق ناقوس الخطر لتفصيل صغير بالغ الأهمية في سياق استهداف العدو الصهيوني لفدائيي عرين الأسود، واتخاذ قرار صهيوني تكتيكي للتنفيذ الفوري وبطابع استراتيجي لتصفية الفدائيين وإنهاء ما يعتقد العدو إنه ظاهرة عابرة في سياق المواجهة مع الفلسطينيين، وعبر سياسة "جز العشب" يعتقد العدو أنه قادر على إجراء عمل أمني مباشر يعتمد على استخبارات دقيقة مبنية على جهود الشاباك والعملاء والتنسيق الأمني المستتر لاستهداف كل أفراد المجموعة المقاومة.
مدى نجاح العدو في مسعاه يعتمد على مدى استدراك المعنيين لهذا التفصيل الأمني شديد الخطورة، ومدى القدرة أيضًا على قراءة درس الليلة الماضية، لأن الأمر لا يقتصر فقط على الشجاعة والإقدام وإرادة التضحية، بل ثمة أشياء يجب معالجتها بعقل بارد مطلوب الآن في هذه المرحلة وبشدة، وهي مرحلة متقدمة وبالغة الخطورة أيضًا في تطور ونضج الحالة المقاومة المسلحة في نابلس وغيرها ضمن ظروفها الذاتية والموضوعية الخاصة. سأعود إلى درس الليلة الماضية المزدوج بعد قليل.
في سياق الصراع مع العدو، تبرز الكثير من الأساليب التي يلجأ إليها كل من الطرفين (نحن والعدو) ولا يمكن اعتبار هذه الأساليب معزولة عن السياق العام للمعركة/ المواجهة أو مجرد شكل تقني للممارسة العنيفة أو السلمية ضد العدو؛ ومن هذه الأساليب طبعًا الاغتيال، وهو أسلوب طالما لجأ له العدو الصهيوني، ولا يمكن فهمه وتفسيره إلا في إطار محددات اللحظة التاريخية وظروف المعركة الخاصة بتلك اللحظة، موازين القوى، القدرة، والتجنب، ولكن العمل المخابراتي أيضًا.
يجب الانتباه في الحالة الفلسطينية إلى أمرين بالغي الأهمية، الأول أن العدو يلجأ إلى الاغتيال كحل أخير، ليس بسبب "طهارة سلاح" هذا العدو، بل بسبب حاجته الدائمة إلى تقديم صورة بطولية لجنوده في ساحة المعركة، بينما "ينقضون على العدو ويبيدونه"، وحاجة العدو إلى هذه الصورة هي التي توفر جزءًا أساسيًا من مشروعية الجيش والمؤسسة الأمنية والالتفاف حولهما، وفي هذا السياق يصبح تقديم الخسائر المحدودة جدًا، والمنضبطة، مسألة غاية الأهمية لهذا الجيش وهذا المجتمع الملتف حوله. ولكن عندما لا يكون هذا ممكنًا، أي عندما يصبح التحكم بحجم الخسائر رهنًا بالطرف الآخر، ويصبح من الصعب تقديم صورة هذا الجندي كما يحبها المجتمع الصهيوني؛ يلجأ العدو إلى البحث عن أساليب التجنب والقضاء على الخصم بدون انخراط مباشر في اشتباك معه، وهي حالة الاغتيال التي توفر دم الجنود، وإن كانت تحرم العدو من بريق "شجاعتهم" ولكن هنا لا يعدم العدو الوسيلة، فيعلي من شأن قدرته الاستخبارية على تحديد الخصم وملاحقته وضبطه وإبادته كما يحلو له من مصطلحات. ولكن الأساسي في هذا ليس عملية الاغتيال بذاتها، بل تجنيد العدو لقدرته الإعلامية والترويجية لإظهار هذا الاغتيال كعمل كبير، يدل على القدرات غير المحدودة للعدو أجهزته الأمنية، وبالتالي بث حالة من الرعب في صفوف الشعب الفلسطيني والمقاومين، إنه لا يوجد مفر من الوقوع في قبضة الجيش أو الشاباك، ولكن التجربة التاريخية ومراقبة تفاصيل المعركة تثبت أن هذا كله مجرد هراء، وأن الحملة الإعلامية، وكم المقالات الكبيرة في الصحافة الصهيونية حول اغتيال الفدائي تامر كيلاني مثلًا، ليست في تحليلنا وفي الواقع سوى انعكاس حقيقي لعجز المؤسسة الأمنية الصهيونية وفشلها في المعركة، وأن المقاومين تمكنوا فعلًا من تحييد القدرة الساحقة للجيش الصهيوني بعدده وعتاده، ولم يعد لدى هذا العدو سوى الاغتيال وهو أمر يحصل في سياق الصراع لا ينبغي أن يخيفنا ولا أن يوترنا بقدر ما ينبغي له أن يحفز فينا القدرات الاستخبارية المضادة التي ستفشل مساعيه الشبيهة اللاحقة.
الأمر الثاني، إن شروط الاشتباك بالنسبة للعدو لتقديم صورة الجندي البطل، هي رهن بالتوازن المادي للقوى على الأرض، أي القدرة على الزج بأكبر عدد من القوى المسلحة، ضد خصم قليل العدد بشكلٍ ملحوظ وقد يكون فدائيًا واحدًا في حالات كثيرة، لتتوج الصحف الصهيونية بعبارات من قبيل "القضاء على الإرهابي" و"المطاردة الساخنة". مؤخرًا بدأ العدو يدرك على ما يبدو ما عجز عن فهمه طوال السنين الخمسة الأخيرة، وهذا الفهم، لا ريب مهمة عسيرة، إذ أنه حتى نخب فلسطينية سياسية ومجتمعية وثقافية فشلت في استيعاب أن خروج مهند الحلبي إلى طريق المقاومة ليس حدثًا معزولًا، وإن المصطلح الذي حاول العدو ترويجه وللأسف انطلى على الكثيرين عبر وصف الفدائيين الأفراد بأنهم "ذئاب وحيدة" مقاربة بالمصطلح الداعشي، هو في الواقع مصطلح يعكس عجز العدو ومراكز أبحاثه – التي هي قبلة لكثير من العرب للأسف- عن فهم ما يحدث فعلًا، حيث إن قوانين التاريخ لا تجامل الجهلة، وكل تراكم كمي لابد حتمًا أن يتحول إلى تغير كيفي، وهو ما يفسر كيف أصبح مهند الحلبي، ونشأت ملحم، وباسل الأعرج وأحمد جرار في النهاية إلى كتيبة جنين وعرين الأسود.
إن هذا التحول الذي نسميه تاريخيًا بدون تردد، لم يفهمه العدو الصهيوني، وبقي عاجزًا عن تفسيره، لأنه ومنذ اتفاقيات أوسلو؛ اختار أن يتعامل تقنيًا مع الحالة الفلسطينية، وهي بالمناسبة مثلبة قديمة لدى العدو ومراكز أبحاثه، لم ننجح كثيرًا كفلسطينيين وحركة مقاومة في استثمارها، بل شكلنا في حالات كثيرة نوعًا من الاستجابة لهذه الممارسة والفهم التقني الصهيوني تجاه العدو. ونعني هنا أنه بمقدار ما فشل الصهيوني في فهم طبيعة الشعب الفلسطيني وتجذره، والقوى التاريخية العميقة التي تفعل فعلها فيه، بمقدار أيضًا ما فشلت حركة المقاومة في تجذير وجودها داخل تلك القوى العميقة.
والتاريخ يعلمنا الكثير حول إرادة هذه القوى وتوجهها للاشتباك مع العدو، منذ نزول الفلاحين الفلسطينيين للانضمام إلى صلاح الدين في حطين، لاسترداد القدس ، مرورًا بالتحامهم مع جيش المماليك في ضرب خلفية وعمق الجيش المغولي في عين جالوت، وليس انتهاء برفضهم لفكرة إبراهيم باشا المصري عن معنى الوطن عندما حاول تجنيد أبنائهم لجيشه وثورتهم عليه انتهاءً بطرده من فلسطين والشام.
بالعودة إلى الدرس المزدوج، الليلة الماضية لنا وللعدو، لقد نجح العدو، ونجحنا، فشل وفشلنا، لقد نجح أمنياً واستخباريًا وهي الثغرة الخطيرة التي تناولناها، ونجحنا بالمعنى الاستراتيجي، لكسر هيبة الجيش وإثبات عجزه عن خوض معركة حقيقية.. ماذا نعني بهذا؟.
باختصار فشلت القوة الخاصة الصهيونية في إجراء اشتباك فعلي مع المقاومين، والعدو استخدم صواريخ موجهة لاستهداف ما يدعي أنه الشقة التي تحصن بها الفدائيون. وجنود العدو وبدون أن نعرف خسائرهم الحقيقية على عادة جيش الاحتلال، وقعوا في فخ مركب، وكانوا بحاجة إلى عملية تكميلية لتأمين ممر للمغادرة.. مغادرة الجنود الذين لم يشتبكوا للتذكير.
عملية تمت بإشراف مباشر وعن كثب لرئيس الأركان ورئيس الشاباك.. لمواجهة مجموعة فدائية صغيرة نسبيًا وقليلة التسليح.. وفي النهاية العملية فشلت بنتائجها الاستراتيجية وإن حققت نجاحًا ما تكتيكيًا، وهو ما يحتاج كما ذكرت سابقًا إلى دراسة عميقة من قبل عرين الأسود لتلافي الثغرات وهي ثغرات طبيعية ومتوقعة في ظل حجم الهجمة الصهيونية وموارد المجموعة وتواجدها الجغرافي.
هذا الجيش الصهيوني الفتاك والقاتل الذي يرسل قواته الخاصة بإشراف رئيس أركانه ورئيس الشاباك شخصيًا لاستهداف مجموعة من الشبان.. وماذا لديه ليرسله إلى حرب متعددة الساحات؟
في النهاية، قد يتساءل القارئ عما يريد هذا النص أن يقوله:
في الخلاصة إن المعركة مع العدو تحتوي الكثير من الأشكال القتالية، من صدام واشتباك مباشر إلى ملاحقة واغتيال، أو تفجير أو كمين، ولا يوجد في هذه الوسائل التُقيّة ما يجعل المرء يفكر بتفوق طرف بناء على أسلوب القتال، بل هو دافع للتفكير حول لجوء هذا الطرف إلى هذه الوسيلة.
لن نناقش مزاعم العدو، وتحليلات كتاب الشاباك في الصحافة الصهيونيّة، وهي تحليلات متهافتة معرفيًا، وموظفة أمنيًا، للقارئ الفلسطيني الذي سيتلقى الترجمة التي يقدمهما عشرات المترجمين، بدون هدف واضح، وبدون أي سبب يفهم منه: لماذا على القارئ الفلسطيني أن يتلقى القمامة الفكرية والسياسية والإعلامية التي تصدر عن محللي الشاباك ومهرجي الشؤون العربية في القنوات العبرية.
ما هو واضح لنا، أنه في سياق المعركة فهم العدو على ما يبدو، وأعني المؤسسة الأمنية العميقة؛ التحول التاريخي الذي ذكرناه أعلاه، وربما بدأ التعامل على أساسه: فمتى ستفهم القوى الفلسطينية هذا؟ ومتى ستدرك أن ما يحدث اليوم في الضفة يتجاوز أفكارها العقيمة عن الوطنية، المجللة بخزي الانقسام والتنافس الفئوي؟ وكيف نتعلم من هؤلاء الشبان الذين قرروا الانغماس عميقًا والالتحام بالقوى التاريخية الجديرة لشعبهم، متجذرين في الغايات والأهداف الأصلية، لا يملكون سوى دم مسكوب أو مستعدون لسكبه، وشرف محفوظ ومحمي، يجعل منهم رايات هذا الشعب وعلى الأرجح أمله في الخروج من الاستعصاء التاريخي؟

