تدورُ أحداثُ رواية "موّال شمسٍ" على مِحور ثابتٍ تُجسِّدُهُ العلاقَةُ الدِّراميَّةُ المتوتِّرة، وغير القابلَةِ للتَّعريف الواضِح، بين بطليِّهَا: "ناجي هادي"، و"شمس". وينطلق السَّردُ الرِّوائيُّ من "خبرٍ صغيرٍ" نشرته صحيفَة بيروتيَّةٍ، وقرأهُ "ناجي" في "نيقوسيا" ذاتَ صَبَاحٍ حَارٍّ أتى بِعدَ بِضْع سنواتٍ من ترحيل قوات المُقاومة الفلسطينيَّة عن بيروت على نَحوٍ أفضى إلى انقطاع العلاقَة المُباشِرة بين "العاشِق: "نَاجي هادي"، و"مَعْشُوقتيه:" شَمس"، و"بيروت".
وسيكونِ للاطَّلاع على رسالة جوابيَّة يتيمةٍ، ومُشتركَة، تلقاها "ناجي هادي" من "شمسٍ" و"نها" في ربيع العام 1983، ولقراءة أوراقِ، أو قصاصات صحفيَّة، صغيرة، وللتأمُّلِ في صورٍ قليلةٍ، احتفظَ بها، وأحضرها معه في مُغلَّف صغيرٍ إلى "بيت أمير" الذي كان قد تواعدَ على الحُضورِ إليه بصحبه "شوقي"، مساءَ ذلك اليوم، حيث سيكون "أمير" وبصحبته "يونس" في انتظارهما، ليكونوا جميعاً بصحبة "شمس" التي نشرت صحف لبنانيَّة خبر صغيراً عن مصرعها، بصفتها قائداً هو "الرائد شمس"، أنْ يُحفِّز انطلاق جركة السَّرد الروائي في رواية: "موَّال شمس". وسيكونُ لتبادل توجيه الاسئلة والتفسيرات والإجابات والتعقيب على الإجابات، بين رباعيَّة الشَّخصياتِ الروائيَّة المُتجالسة الآن في شرفَةٍ يَحقُّ أن نُسمِّيها: "شرفَة السَّرد"، كما سيكون لاستنهاض أيٍّ هاته الشَّخصيَّات ذاكرته على استرجاع حدثٍ أو قولٍ أو خبرٍ ذي صلة بـ"شمسٍ"، أو بالعلاقة التي جمعتها بـ"ناجي هادي"، أنْ يُحفِّز صيرورة السَّرد الروائيِّ وأنْ يُشعِّبَ مساراته، وأنْ يُعدِّد خيوطه ويبني شبكاتها، منذ بدئه حتى لحظَة توقُفه مع توقُّف حياة "شمس" في الدُّنيا التي نعرفها.
وهكذا سينْفَتِحُ السَّردُ الرِّوائي على دوراتٍ سرديَّة عديدةٍ، مُتَّصَلَةٍ ومنفَصِلَةٍ، مُتشابِكةٍ ومُتَمايزةٍ، مُتشَعِّبَة ومُتواشجة، في آنٍ معاً، إذْ تَتَّسِم الواحدةُ مِنها بالتَّركيز على تشخيصِ مُكَوِّناتِ تَجْربةٍ جَمْعِيَّة تُمَثِّل صيرورتُها مساراً مُتَميِّزاً من مساراتِ تجربَةٍ ذاتيَّةٍ صائرةٍ ومُتَحَوِّلِةً انخرظَ فيها "ناجي"، أو انخرطتْ فيها "شَمسُ"، منفردينِ، أو مُجتَمعين" بِعدَ تَعارفُهِمَا، مع غيرهِما من شخصيَّاتِ الروايَة العديدة، والمُتَنَوِّعَة الخصائص والسَّماتِ، والتي لن يَكُفَّ السَّردُ الروائيُّ عن تجلية الحُضْورِ الحيويِّ الفَعَّالِ، أو السَّلبي المُنَفَعِل، للمزيدِ والمزيد منها، على امتدادِ مساراتِه، وعبر تَشَعُّبِ خُيُوطِه السَّرديَّة التي ستأتي هاتِه الشَّخصيَّاتُ مَحمولَةً عليها، عاكسَةً، عبر انخراطها في أحداثَ ووقائِعَ، وتجسيدها تصرفاتٍ، ورُدُودَ أفعال، وأشكال استجاباتٍ، ما يُجَلِّي جانباً أو آخر، من جوانبِ ملامحها الجسديَّة، وسِماتها الفكريَّة، وأنماط وعيها، ومُكونَات هويَّاتها الصَّائرة والمُتَحوِّلة.
***
تَبدأُ الدَّورةُ السَّرديَّة الأوُلى، التي يُمكنُ تسميتها، من منظور خيارات بطل الروايَة، أو صاحب السّيرة الذّاتيَّة، وعبر قراءةِ صيرورة تجربَته الحياتيَّة، وتَعدُّد مساراتها، وتحولاتِها النَّاهِضَة على تداخُل الأحلام وتَبدُّل الخِيارات، بدورة "خِيار الكِفَاح المُسلَّح" التي تبدأُ مع بدء الفصلِ الأوَّلِ: "خبر صغير"، وتنتهي مع نِهايَة الفصل السَّادس: "حالمونَ آخرون"، ولِتَضُمَّ الفُصُولَ السِّتَّة الأولى من الرِّواية، ذات العناوين التي يَغلبُ أنْ تُكثِّفَ مَغْزى ما تحتويه من شخصياتٍ ووقائِع وأحداثٍ وزمكاناتٍ روائيَّة، ورُؤىً: "خَبر صَغير"؛ "هريْمَة مُحَيِّرة"؛ "هُروب إلى الأمام"؛ "حالمُون بعالَمٍ آخر"؛ "إنقلاب"؛ "حالِمونَ آخرون"؛ ولِتَكونَ الفقرات السِّتَّة الأولى من الفَصلُ السَّابِع المُعنون بـ"تَجَدُّد الأحلام" بمثابَة "محطَّة انتقاليَّةٍ"تُمَهِّدُ لدخولِ السَّرد الرِّوائيِّ مُنحنىً جديداً يفتَحُهُ على دورة سرديَّةٍ جديدة تُشَخِّصُ صيرورة تجربَةٍ حيويَّةٍ تنهضُ على انخراطِ "ناجي هادي"، وآخرون غيره من شخصيَّات الرِّواية، في خِيَارٍ آخرَ قد تَجوز تسميتهُ، بمنظِق الأولويَّة والغلبَة، بـ"خيار العمل الإنْسانيِّ المُتَشَعِّب والمُتشابك" لِكونِه خياراً مُتَعدِّدَ المدارات: الصَّحافَة، والإعلام، والثَّقافة، والآداب، والفنون، والعمل الاجتماعي، والصِّحيِّ الوقائيِّ والعلاجيِّ، والإغاثيِّ الإنقاذي ... الخ، وذلك على نحوٍ سيُفضي إلى ذهاب الدورات السَّرديَّة اللاحقِة صوب هذا التَّشَعُّبُ أو ذاكَ من تشَعُّبات العمل الإنساني التي أوجبت أوضاعٌ وظروفٌ مُعيَّنةٌ، أو تحدِّيات حياتيَّة ووجوديَّة، واجهتها الشَّخصيَّات الروائيَّة الرئيسة والأساسيَّة، اعتباره ذا أولويَّة عمليَّةٍ، حياتيَّةٍ ووجوديَّة، قصوى، ليكون بوسعها الاستجابَةَ لتحدِّياتِه على نحو جمعيٍّ فعَّالٍ يكفُلُ مواجهة أخطارهِ، ومُقاومتِه ببسالةٍ وإصرار، أو تخفيف وطآت عقابيله الضَّارية، على أقلِّ تقدير.
تشرعُ الفقرة الثَّانية من الفصلُ السَّابِع: "تجدُّد الإحلام"، الذي هُوَ أوَّلُ فصول الدَّورة السردية الثَّانية، في إخبارنا، بصوتِ يونس المُتسائل، وبمُصادقة ناجي على ما تذكَّره يُونس، أنَّ ناجي وأسعد قد غادرا لبنان لفترة من الزَّمن "ثُمَّ عادا بعد غياب" لم يطل، وأنَّ اكتشافهما وجوبَ "الخروج من حالة الخدر التي طالت" هو ما حفَّزهُما على المُغادرة حيث ذهب ناجي إلى الكويت "لزيارة أهله والتفكير في الخُطوة التَّالية" (ص 73)، فيما ذهب أسعد إلى قطر "للبحث عن عمل" (ص 73). أمَّا سبب عودة ناجي شبه الفوريَّة، فإنَّما يَعودُ إلى فشله "في مقاومة اشتياقِه إلى بيروت ومن فيها"، وإلى الهول الذي أصابَهُ جرَّا تعرض بيروت ولبنان لمكاره جسيمة، كالانفجارات المأساويَّة، والغارات المُدمِّرة، والقصف المدفعي الإسرائيلي العنيف والمُتواصل على الجنوب، والقصف المُتبادل بين بيروت الشرقيَّة والغربيَّة، فيما هو "ليس هناك، مع رفاق الأمس القريب" (ص 74).
وسيكونُ لِقُبول ناجي، بعد يومين من عودتِه المُفاجئة إلى بيروت، عرضاً تلقاهُ من أمير للعمل معَهُ في "مجلَّة قيدَ التَّاسيس سيرأسُ تحريرها"، أنْ يُدشِّنَ لحظَة بدء الدَّورة السَّرديَّة الثَّانية ذات التَّشعُّبات الثلاثَة، والتي سيتواصَلُ أوَّلُهَا: "التَّجربَة المسرحيَّة: سنابل" حتَّى الفصل الثَّاني والعشرين: "مصرع حُلم"، إذْ سيكونُ لاندلاع حرب العام 1982 الإسرائيليَّة ضِدَّ الشَّعبين الفلسطيني واللبنانيِّ أنْ تُجهض هذه التَّجربَة في لَحظَة المخاض المفضي إلى ميلاد المسرحيَّة "سنابل" في عرضٍ أوَّلِ على خشبة المسرح.
***
ولعناوين فصول هذا التَّشَعُّب السَّردي من تشعُّبات هذه الدَّورة أنْ تُفْصِح، عبر تشابكِ مساراتها السَّرديَّة المتواكبِة مع مدلولات التَّسمية التي اقترحناها لها كدورة سرديَّة مُتكاملة، عن حقيقة أنَّ "التَّجربة المسرحيَّة المُجهضَة: سنابل"، هي صُلب أصلابها، ولا سيَّما أنَّها ستبقى، كما غيرها من المسارات والخطوط السَّرديَّة التي ستُواصلُ الحضور بدرجةٍ أو بأخرى، محكومَة بالدَّوران على محور العلاقة الدِّراميَّة المُتصاعدة، والمتوتِّرة دوماً، بين شمس وناجي، وبين كليهما، منفردين أو مجتمعين، والواقِع القائم الذي يرفضانه ويعملان، مع آخرين من شخصيَّات الرواية، على تغييره. وسيتولَّى الفصلان الثَّامن والتَّاسِع المُعنونان بـ"الحُبِّ المُستحيل"، و"موَّال شَمس"، غرسَ بذور هذه العلاقَة غير المألوفَة في تربَةِ رؤىً وتصوُّراتٍ، وغاياتٍ، مُتعارضِةٍ، لا تُنْبئُ بإمكانيَّة إنباتها على نحوِ ما يشتهي لَها ناجي، أو ما ترغَبُ فيه شمس، وهُما الفصلان النَّاجمانِ، أساساً، عن لقاء "ناجي" و"شمس" لقاءً تفاعُليَّاً مباشراً، لأوَّل مرَّةٍ، في "مكتب أمير" في رحاب مقرِّ جمعيَّة الهلال الأحمر الفلسطينيِّ التي اختارَ كلاهما الالتحاق بالعمل معها للتَّوِّ؛ هُو في مجال الإعلام والتَّثقيف، وهي في مجال العمل الاجتماعيِّ، والتي سيكونُ للقاءاتهما اليوميَّة في أماكن هذه الرحاب وأحيازها، وعبر أنشطة ومهمَّات عمل عديدةٍ سيشتركان، مع غيرهما، في تنفيذها وإنجازها، أنْ تُسَرِّع إيقاعَ علاقتِهِما، وأنْ تفتَحها على صيرورة ستُفصِحُ سماتُها المُتَقلِّبَة، بل والغرائبيَّة أحياناً، عن صُعوبَة تعرُّف طبيعتها، أو اقتناص ماهيَّتها، في عبارة مُتداولَةٍ، أو في تعريفٍ اصطلاحيٍّ معهودٍ، وذلك على نحو أملى على ناجي أنْ يفتكَ بالمفردتين: حُب؛ صداقة، ليصُكَّ مصطلحاً مُركَّباً للدلالة عليها هو "حب .. آقة" (ص 389)، دونَ أنْ يكونَ متيقِّناً من دِقَّتِه الاصطلاحيَّة، بقدر تيقُّنِه من تخليطيَّتِه وخوائه الدَّلالي!
ولئن كانَ الفصل الثَّامن قد تضمَّن، في جوهره، جواب شِمس عن سؤال ناجي المزدوج أو ذي الصِّيغتين: "من أنا بالنسبة لك؟ ماذا أعني لك؟" على نحوٍ أملى عنوانه: "الحب المُستحيل"، وجعل أمر توصيف، أو وعي طبيعة، العلاقَة القائمة بين ناجي وشمس، أمراً صعبَ المنال وغير قابل للإدراك بمعزل عن معرفَة عميقة بشخصيَّة شمس، وبِمكَوِّنات مُوَّالها الذي أغلقَ عجُزُهَا عن تحقيق غايتِه حتَّى اللَّحظَة، وحرصُها على التَّمسُّك العنيد به حتَّى إدراك هاته الغاية ، قلبها: "قلبي مُغلَقٌ إلى أن أُحقق موالي ... إنْ كُنت تريدني كامرأة عابرة فلن أحرمك جسدي، ...، أمَّا قلبي فانسَ أمره، لا تتورط معه فتندم" (ص 89) ؛ فَإنَّ لمحتوى الفصل التَّاسِع أنْ يُطلِعنا، بصوت "شمسٍ"، على خلفيَّات شخصيَّتها الظَّاهرة، ومكونات وجدانها العميق، ومُحدِّدات سلوكها، ورؤيتها الرَّاهنة لنفسها، ولواقعها القائم، ولآخريها من الرجال والنساء والنَّاس، وهي الخلفيات، والمُكوِّناتُ، والمُحدِّدات، والرُّؤى، النَّاجمة على تجربة جمعيَّة ضارية خاضتها وأهلها في "مخيم تل الزَّعتر"، وعن تجربتها الخاصَّة التي أنتجت تفاصيل "موَّالها الخاص" الذي كانت قد لخَّصَته في نهاية الفصل الثامن، باستلالها محفظَةً من "الجيب الخلفي لبنطالها" أخرجت منها صورةً "يظهر فيها طفلان جميلان وشمس اليافِعَة تتوسطهما"، لتقولَ مُخاطبَة ناجي وهي منخرطَة في نحيبٍ مُهلكٍ: "هؤلاء موالي يا ناجي ... هدول ولادي يا ناجي ... رائد ونادر، حُرِمْتُ منهما في أحلى سنوات عُمرهما " (ص 89).
وسيكونُ للفصول اللاَّحقة من العاشر حتَّى الثَّاني والعشرين، المؤَطَّرة بين عنوانين أوَّلهما؛ أي العاشر: "إنقاذُ حُلمٍ"، وآخرهما؛ أي الثَّاني والعشرين: "مصرع حُلم"، أنْ تتميَّز، بحسب تلاحقها من الفصل الحادي عشر حتى الحادي والعشرين، بعناوين دالَّة على تشعُّب محتواها السَّردي دون مُفارقَة مدارات الدَّورة السرديَّة الثَّانية كدورة سرديَّة كُبرى، ودونَ وقوعِ أدنى ابتعادٍ عن صُلب أصلابِ هذا التَّشَعُّب السَّردي؛ أي صيرورة تجربَة إنجاز مسرحية: سنابل، كتجربة أدبيَّة، وفنِّيَّة، جمعيَّة خلاقة، وكذا دُونَ توقُّفٍ، ولو للحظَةٍ، عن الدَّوران على المحور الذي تدور الرواية بأسرها عليه؛ أي محور علاقة ناجي وشمس. وهذه الفصولُ هي: "سُطوعُ شمس"؛ "خروج عن النَّصِّ"؛ "عوالم أُخرى"؛ "تمثيلٌ في تمثيل"؛ "حفلٌ سُورياليٌّ وخماسين"؛ "هديَّة حَلُّوم"؛ "بحثٌ عن إلهام"؛ "عِقدان من زمنٍ ومسرحان"؛ "حُلْمٌ أبويٌّ ضائعٌ"؛ "بَوحٌ على حافَّة بُحيرة"؛ "ألقٌ ونفثُ جُنون".
وسيكونُ للفصل الأخير من فُصول هذا التَّشَعُّب الأوَّل: "مصرع حُلم"، الدَّال عنوانه على تكفُّل الحرب الإسرائيليَّة العدوانيَّة على الشَّعبين الفلسطيني واللبناني في صيف العام 1982، بالفتك ليس بحلمٍ جمعيٍّ يتمثَّل في الشُّروع بعرض مسرحيَّة تَم إنجازها بجهود جمعيَّة فَتيَّةٍ وخلَّاقة فحسب، وإنَّما أيضاً بأحلام ذاتيَّة تملَّكت وجدانات فتياتٍ وفتيانٍ، وشاباتٍ وشباب، شرعنَ وشرعوا، معاً وسوِيَّة، في الخَطوِ صَوب إدراكها، فَجاءت الحربُ الإسرائيليَّة المُتواصَلة في تتابُعٍ مُتَوحِّشٍ لِتجهضَها، ولِتَجعلهنَّ وتجعلَهُم "ثكلى حُلمٍ أوشك أنْ يُولدَ قبل ساعات" (ص 227)؛ ولتفرض عليهِنَّ وعليهم تحدِّياتٍ أوجبت ذهابهُنَّ وذهابهم صَوبَ الانخراط في صيرورة خيار نضاليٍّ يستجيب لحاجات التَّعامُل الحيويِّ مع الأوضاع الحياتيَّة: الصِّحيَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة النَّاجمة عن تواصل الحرب و"حصار بيروت"، ولا يُفارقُ أيَّاً من الخيارين السَّابقين: الكفاح المسلَّح؛ والعمل الإعلامي والإبداع الثَّقافي والأدبيِّ والفنِّيِّ، وإنِّما يُواكبهما ويُكملهما، في سعيِه وسعيهما، لمواجهة التَّوحُّش الإسرائيلي على نحوٍ شامل ومُتكاملٍ، وبكل أسْلُوبٍ ناجِعٍ ووسيلة فَعَّالة.
***
سيسفِرُ حوار شخصيَّات أساسيَّة من شخصيَّات الرِّواية عن بلورة خيار المواجهة الإنسانيَّة للتَّوحش البشريِّ الصُّهيوني والانخراك الحيويِّ في صيروته، لِيمثِّل هذا الخيار تشعُّباً ثانيَّاً للَّدورة السرديَّة الثَّانيَّة، ولكنَّه تشَعُّبٌ يتَّميَّزُ، بسبب تركيزه على سرد صيرورة تجربة عمل اجتماعيٍّ وصِّحي إغاثي وعلاجي، متَّصِلَةٍ ومنفصلَةٍ في آنٍ، بحيازة تفرَّعين، أوَّلهما: "تجربة مستشفى تريومف"، وثانيهما: "تجربة مُستشفى بلسم" الذي اعتبر مركزاً مُميَّزاً لعلاج الحُروق الجسيمة. أمَّا "تجربة مستشفى تريومف"، فستكون مسبوقَة بفصل انتقالي هو الفصل الثَّالث والعشرين المُعنون: "اختراق"، لتمتدَّ بعده من الفصل الرابع والعشرين: "تريومف" حتَّى الفصل الثاني والثَّلاثين: "شمسُ ليل آمنٍ"، ولتَضْفُر في إهابها الفُصول الواردة بينهما والمعنونة، بحسب تتابعها، كما يلي: "ومضات عابرة"؛ "صهد ونزع أقنِعة"؛ "جُنُوح"؛ "قُلوبٌ حيَّةٌ وعنفوان"؛ "أُفولُ نَجم"؛ "البحثُ عن شمس"؛ "غيابُ شمسٍ أُخرى". ليبدأ التَّفرُّع الثَّاني: "تجربة مستشفى بلسم" بالفصل الثَّالث والثَّلاثين: "شمس وكومونة وواحة"، ولينتهي بالفَصل التَّاسِع والثلاثين: " مُجُونٌ بين نارٍ وماء"، ضافراً في إهابِه الفصول الواقِعة بينهما وهي المُعنونة بـ: "دمُوعٌ دافئةٌ وليل"؛ "شُمُوسٌ في لُباب دوَّامة"؛ "شمسٌ وقَمرٌ وساقٌ مبتورة"؛ "وهَجٌ وإغواءٌ والتئام قُلوب"؛ "ليلة قَمريَّة ومراسم عُرس".
وستتوالى، من ثَمَّ، الفُصول الثَّلاثة الأخيرة من الفصل الأربعين حتَّى الفصل الثَّاني والأربعين: "غُروبٌ ونهاية فيلم"؛ "وداعُ مُؤلِمٌ وانطفاء شُموس"؛ "إنبثاق شمس أخرى"، وهي الفصول التي تُشكِّلُ بنيَة الدَّورة السَّرديَّة الثَّالثَة، والأخيرة، التي سنقترحُ تسميتها بدورة "الاقتلاع والتَّرحيل والخُروج"، والتي سنَجدُ أنَّها تُعيدنا إلى "زمكان السَّفينة" الذي عبرهُ بدأت تجربَة "ناجي هادي" يوم اختار "الكفاح المُسلَّح" سبيلاً للنِّضال وتجليَة الوجود الحيويِّ الخَلَّاق في عالمٍ مسكونٍ بالتَّوحُّش البشريِّ الصهيوني الرَّأسمالي، لحظَة أنْ قرَّر الذهاب مُتَطَوِّعاً للقتال في سبيل فلسطين الذي هو سبيل الحرية والكرامة الإنسانيَّة، وذلك على نحو يَخلق مفارقَة وجوديَّة سَّاخرة، ودالَّة، بين زمكانين للسَّفينة، من جِهة أولى، وبين خيارات ناجي التي استبدلت العمل الإنساني المُتشَعِّب المدارات بالكفاح المُسلح، لتنتهي، في مواجهتها التَّوحُّش الإسرائيليِّ في كُلِّ حالٍ، إلى "زمكان سفينَة نقيضِ" يأخُذُ العاشِق بعيداً عمَن عَشِقَ، وعمَّا عَشق، من جِهةٍ ثانيَّة!
أمَّا آخر فصول الرِّواية، فهو فصلٌ غير مُرقَّم، ويتميَّز دون سِواهُ من فُصولها بعنوانين، أوَّلهما عنوان تساؤليٌّ تَعجُّبيُّ: "أفصْلٌ أخيرٌ أم سرديَّة أُخرى؟!"، وثانيهما عنوانٌ مُركِّبٌ من عبارتين (قضيَّتين: مُقدِّمة ونتيجة) تُفضي أولاهما إلى الثَّانية ليبدو شبيهاً بمعادلة منطقيَّة مُضْمرةٍ: "جُنوحُ شمسٍ وتشظِّيات جسدٍ". وإذ سنتبصَّرُ، لاحقاً، في مدلولات هذا التَّركيب البنائي وعلاقاته بالبنية السَّرديَّة الكُلِّيَّة للرواية، سيكون ملائماً أنْ نشير، الآن، إلى أنَّ وظيفته الجماليَّة المباشرة المُتَمثِّلَة في تدوير هذه البنية، بإرجاع مُنتهاها إلى بدئها عبر ربطِ الفصل الأوَّل "خبر صغير"، بفصلٍ لا تراهُ الروايةُ، ولا الرَّاوي، ولا "ناجي هادي"، ولا الروائي "توفيق وصفي"، فصلاً أخيراً، وكأنَّما نحن إزاء بنية تفْتَح السَّرديَّة الفلسطينيَّة على الاستمرار، والتَّواصُل، ودوام الصَّيرورة، واللَّاتناهي.

