إنّ اللغةَ الشعريّةَ ومنها اللغة الرمزيّة، هي عمادُ تتويجِ النصّ الشّعري الحديث، وتصلُ بنا فلسفةُ اللغةِ إلى حدِّ الغموض، والنصّ الشّعري الذي يتخلّى عن اللغة الرمزيّة، يتخلّى عن أحد العناصر المهّمة في الخلق النصّي.
إذا ما تطرقنا إلى مفهوم الذاتيّة وعلاقتها مع فلسفة اللغة، فسوف نكونُ مع التصوّرات الحديثة، ونجاور التيار الفينومينوﻟوجي (Phénoménologie)"1"؛ وبذلك ستكونُ العلاقاتُ بين الظاهريّة والماهيّة، وبما أنّ اللغة الرمزيّة واحدةٌ من لغات الفلسفة التي ترتبطُ بنظريّة الإشارة؛ سنكون قد عالجنا المستند المتكئ على نموذجٍ من الارتكاس المشروط؛ فاللغةُ الرمزيّةُ وعلاقاتها الواسعة، دليلُ أهمّيتها في المنظور النصّي. ومن خلال اللغة الرمزيّة وفلسفتها نكون مع:
الدلالاتُ الرمزيّة: من خلال الإشارة إلى الأشياء، ونلاحظ أنّ اللغة الرمزيّة لها تأثيرها المباشر على الخلق النصّي، فهي تجمع من حولها الدلالات ومن ثم لا تتخلى عن المسميات والمتعلقات الذاتية، لذلك تكون فلسفة الإيحاء ضمن التعاقب النصّي وهي جهود الشاعر وكيفية الربط بين التفكر والاستقامة الداخلية أي أن يتجاوز المألوف من خلال التلقائية والعفوية الكتابية، وذلك للمخزون الثقافي الذاتي الذي بحوزته.
شعرية الترميز: من خلال الاتجاه الرمزي للنصّ الشعري يظهر لنا بواسطة اللغة، شعرية الترميز، الذي من الممكن أن يتكئ على مسلكين؛ الظاهرة التخييلية، وظاهرة الأحلام التلقائية، ومن هنا يتخذ الشاعر من الظاهرتين أيقونته نحو الأشياء من جهة ونحو اللامألوف من جهة أخرى.
ظاهرة التأويل: من خلال اللغة الرمزية تزداد الجمل التأويلية والعبارات التي تؤدي إلى ما وراء المعنى أو معنى المعنى، وهذا يعني لنا بأن اللغة الرمزية تنقذ المعاني من التبعثر وعدم تبلورتها، وتمنحها فعّالية إضافية وقوّة في رغبة القراءة للمتلقي.
السياق: إذا تطرقنا إلى موضوع السياق، فالسياق نوعان؛ سياق الداخل النصّي، وسياق التلفظ، ويكونان من عناصر اللغة، وبما أنّنا مع اللغة الرمزية، فموضوع السياق رمزي داخلي، ويعتمد على نوعية التراكيب للغة، ونوعية المطالع الرمزية التي تنساق في الداخل النصّي.
السببية: تختلف المسبّبات للنصّ الشعري حسب الحدث الشعري، وفي هذه الحالة يميل السياق النصّي إلى الرمزية لكي يستطيع الشاعر تغطية الحدث بشكل مقتضب، فتظهر لنا التقليلية الزمنية التي تؤدي إلى حالة من حالات الاختلاف، مما يدعو الشاعر إلا أن يكون مع السياق كفكرة تدور حوله علم الدلالة الوصفي.
المعادل الموضوعي: "2" من خلال المعادل الموضوعي، يصبح الرمز صورة شعرية والصورة رمزًا؛ حيث يبتعد النصّ عن المباشرة، وتعبيره يتكئ على سياق غير محدود، لذلك نعتمد على اللامحدود المفتوح في اللغة الرمزية والتي تُبنى من خلال العلاقات بين الأشياء.
اللغة الرمزية؛ تمتلك شيئاً من اللغة التعيينية؛ ومن هنا أذهب مع التعاليل الرمزية ما بين نظريات اللغة في الشعرية، وحالة الشاعر الحديث وموقفه من اللغة التعيينية في الرمزية. بعض البحوث تربط الحالة الرمزية بالمدرسة الرومانسية، ولكن لو دخلنا وتغلغلنا إلى المتن الشعري الحديث، فالفروقات واضحة للمتلقي، والفروقات كبيرة بين الشعر الرومانسي والشعر الذي يحمل رمزيته على أكتافه، وبعض مطالع الغموض، وإلحاقاً باللغة الرمزية التي تعدّ اليوم عمود الشعرية وجماليتها المجنّحة، لا نستطيع أن نتخلى عن الأبعاد السريالية، فهناك علاقة بدأت بين المنهج الرمزي في الشعرية والمنهج السريالي في اللغة التشكيلية للوحة الفنية؛ وبما أنّ للوحة لغتها الصامتة في تفسير الألوان، وكذلك في انعكاساتها المتماشية مع ما وراء الواقع، فالشعرية أيضاً لها نظرياتها ومنها لغة الصمت والإيحاء في الرمزية، وكذلك اللغة التصويرية والرمز التصوّري الفلاشي، واللقطات السريعة التي تجانس اللغة بمهارة فائقة.
الرومانسية عادة تتكئ على لغة عادية وطبيعية "وخصوصاً في وقتنا الحاضر" والشاعر الرومانسي لم يجد لغته النوعية كما أجادها جبران من لغة ومن صور استعارية، وكذلك بعض الصور الشعرية الخفيفة والتي تقودنا إلى الكتابية والشفاهية، أي الاعتماد على جزء نوعي من الوعي اللغوي، وهنا مثل هذه الكتابة "في وقتنا الحاضر" لا تعلن ثورة لغوية في الشعرية؛ وقد اعتمد جبران على مبدأ الحكمة في لغة اعتمدت التعبيرية وهذه اللغات أخذت انتشارها وتأثيراتها في توقيتها الزمني عند جبران؛ لذلك أستبعدُ اللغة الرمزية والتي لها علاقة مع نظرية الجمال وتفاصيلها المتشعبة، ومنها الابتعاد عن المذكرات المملة والتي الكثير من الشعراء يجازفون والخوض في دهاليزها، وإذا أجرينا تفحصاً فعالا، فالذكريات هي جزء من تجربة حياتية، والتجربة الحياتية النوعية لاتمرّ بجميع الناس، وهنا أقصد أيضاً التجربة الشعرية ذات الأبعاد الحياتية والتاريخية. (نشأت في بيروت جمعيات تحرّرية مكتومة من أعضائها رواد الأدب في القرن التاسع عشر وبخاصة الربع الأخير منه ومن هؤلاء: فارس نمر ويعقوب صروف وإبراهيم اليازجي قبل أن ينزحوا إلى القاهرة؛ وكانت هذه الجمعيات توزع مناشير مغلفة تحمل تعاليم الثورة الفرنسية، وخليل مطران ذاته اضطهد على أفكاره التحررية واضطر للهجرة إلى مصر ومنها إلى باريس. ولم يكن من الممكن أن تقف مبادئ الثورة الفرنسية عن الانتشار والظلم العثماني يلقي بجناحه كالح السواد على لبنان كله. وكان اللبنانيون قد اطلعوا على هذه المبادئ من قبل في عاميتَيْ لحفد وأنطلياس حيث بشّر الشعب بمبادئ العدالة والمساواة والحرية واسم العامية مستفاد من لفظة الكومين الفرنسية "3"). وكانت مصر في تلك الحقبة تعد محطة فكرية للمثقفين العرب.
لو لاحظنا النظريات والمدارس الشعرية، فسوف نصل إلى علاقات تاريخية وعلاقات مكملة لبعضها بعض من ناحية النسيج اللغوي والميول إلى اللغة دون غيرها، فالمدرسة الرمزية والمدرسة التجريدية وكذلك المدرسة السريالية، فالعلاقات بين جميع هذه المدارس علاقات مفتوحة وغير مغلقة، وكل مدرسة تعد مكملة للأخرى، ولكن عامل الجمال "نظرية الجمال" في جميع مدارس الشعر لا تستغني عن هذه النظرية، ولو خرجنا قليلاً عنها باعتمادنا اللغة المباشرة، فسوف نسقط بلغة تقريرية لا منفعة منها في التأليف وإيجاد اللذة المركزية في التلقي وفي المعاني، وكذلك في ديمومة القصيدة الشعرية ومدى توظيف أدواتها. لن نذهب بعيداً أيضاً عن نظرية الخلق النصّي ولغة التعبير التصويرية والتي تعد ذات علاقة مع الرمزية.
ماذا تعني لنا اللغة الرمزية؟
هذا يعني أنّ هناك عناصر تحريك لهذه اللغة، فهناك الرموز التعريفية والتي تتكئ على تعاريف بمعنى واحد فقط وهي تشير مثلاً إلى معنى الوطن كالسيف والنخلة، وكذلك تشير إلى معنى الديانة كالهلال لدى الدين الإسلامي "حالياً"، وكالصليب لدى الديانة المسيحية.. الخ.
تعتمد الصورة الصادمة المكثفة على الصورة المجردة والأشياء، فالمظاهر الحسّية لدى الشعراء عادة غير متشابهة، بالرغم من جزئيتها والتعامل معها، ولكلّ شاعر رؤيته نحو المكون التصويري للصورة الشعرية أو عناصر الدهشة بالاحرى والأكثر دقة.
إنّ للمعاني حركتها تحت خيمة الرمزية، وتكون تابعة لها، ملاصقة بكل قوّة، فالرموز البحرية والرموز العسكرية ورموز الدولة، هذه الأشياء لها ملحوظية التقارب، فهي مقرّبة من البصرية ومن الذهنية ولا تحتاج إلى الدخول بين حرفيتها وما تحمله من معاني حتى وإن كانت إضافية، وإذا سمّينا هذه الرموز فسوف نسمّيها بالرموز الصناعية، وهي دالة على معاني محدودة، ولا يمكن للشاعر أن يحملها أو يرسمها كعتبة إضافية إلى النصّ دون دلالة ودون إضافات من المفردات لكي تتوسع معانيها ضمن الإطار الرمزي، وكذلك لكي تتعدّد التأويلات عند ملاحظة الدارس أو الناقد لها. ففي كلّ لحظة هناك قصيدة حتى وإن كانت من عدّة شطور قليلة، فقصيدة النثر لا تعتمد على قانون الشعر القديم بل تعدته إلى أسلوبية "التقليلية الزمنية"، والتي لها شأنها إدارة القصيدة الحديثة والنوعية، ونعني هنا من خلال "التقليلية"، تكثيف المفردة وعصرها بالشكل المتجانس مع الحدث الشعري، فالرمزية لها شأن فعال في إدارة قصيدة "التقليلية" في الشعر العربي الحديث، وللتقليلية شؤونها التاريخية والتكثيفية، وكذلك مساحتها في وقتنا الراهن، وهي تعتمد الزمن قبل أن تعتمد قلة الكلمات وتقشفها، وهي تعتمد القصيدة النوعية قبل أن تعتمد الزمنية، فقد أراد ستيفان مالاراميه (الذي ابتكر مصطلح التقليقية) إنتاج قصيدة نوعية، لا تتشابه مع الوضع العام للقصائدية، لذلك اتجه ومن معه نحو مصطلح التقليلية؛ وعندما نذهب مع المذهب الرمزي، فهذا لايعني أن نترك المذهب السوريالي، والذي يحث على إنتاج القصيدة النوعية أيضاً بالاعتماد على الخلق الآلي والتلقائية، لذلك وبعد البيان الأول للسوريالية على يد الشاعر بريتون جاء البيان الثاني.
الهوامش:
[1] - ﻧﻘﺼﺪ بالفينومينولوجيا ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﻭﻫﻲ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺗﺮﻓﺾ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺑﺄﻥّ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺎﺕ ﺗﺪﺭﻙ ﺑﻤﻌﺰﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﻴﻘﺎ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ ﺑﻞ ﺇﻧﻨﺎ ﻧﺘﻮﺻﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﻭﺻﻒ ﺍﻟﺨﺒﺮﺍﺕ ﻭﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﺍﻟﻤﻠﻤﻮﺳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺤﺠﺐ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺎﺕ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﺗﻈﻬﺮﻫﺎ. ﻭﺑﺼﻔﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻓﺈﻥّ ﺍﻟﻔﻴﻨﻮﻣﻴﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻫﻲ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺗﻌﻴﺪ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ. ﻭﻗﺪ ﺍﻗﺘﺮﻧﺖ ﺍﻟﻔﻴﻨﻮﻣﻴﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺑﺎﻷﺳﺎﺱ ﺑﻜﻞّ ﻣﻦ :
* ﺇﺩﻣﻮﻧﺪ ﻫﻮﺳﺮﻝ : Edmond Husserl ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺎﺵ ﺑﻴﻦ ( -1859 1938 ) .
* ﻣﻮﺭﻳﺲ ﻣﻴﺮﻟﻮﺑﻮﻧﺘﻲ : Maurice Merleau-Ponty ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺎﺵ ﺑﻴﻦ ( 1961-1908) - عن موقع: الفلسفة بحث في / Philosophie – قيس البجاوي..
2- المعادل الموضوعي أقره ت.س. إليوت
3- – ص 21 – في النقد الأدبي الجزء الخامس – إيليا الحاوي

