ظاهريًا، يبدو أنّ حكومة نتنياهو القادمة متناغمة تمامًا وتجمع مجموعة من الأشخاص الذين يشبهون بعضهم البعض ولكن هذا ظاهري فقط، حيث إن المشكلات التي نشأت في الماضي قد تظهر أيضًا خلال الفترة المقبلة قد تتسبب في حدوث تصادم مباشر بين رؤساء أحزاب الائتلاف الصهيوني الجديد، وبالتالي يبدو أن نتنياهو بشكل ما في ورطة سياسية، تجاه قدرته على التصدي لمطالب حلفائه.
قبل مواصلة هذا النقاش لنلق نظرة تذكيرية على الوضع الائتلافي الحالي، [مع العلم أن النتائج النهائية لن تنشر قبل التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر] فقد حصل الائتلاف الجديد بقيادة بنيامين نتنياهو على 65 مقعدًا (حتى الآن)، ولكن لا يمكن القول إنه هدف نظيف بدون تبعات، في هذا الائتلاف هناك 32 مقعدًا لليكود أي أقل من (النصف+1) ، مقابل 14 للصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش وبن غفير زو11 لشاس، و 8 مقاعد ليهوديت هتوراة.
بالتأكيد، كان سباقًا طويلاً خاضه نتنياهو، بعد خمس انتخابات للحصول على فرصة مضمونة لحكومة مستمرة، وتأتي مضمونية هذه الفرصة من الاتساق بينه وبين حلفائه في نظرتهم إلى العالم ولكن هذه النظرة تشوبها بعض المشكلات، حيث دائما الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال، فماذا يكون الموقف عندما يفوز الشيطان نفسه بمقاعد في الائتلاف الجديد، وهذا في الواقع ملخص مكثف لنظرة الكثير من الليكوديين المركزيين لسوتريتش وبن غفير، اللذين لم يخفيا في الواقع وخصوصا الأول، توقهما للتخلص من نتنياهو وإرساله إلى مزبلة التاريخ.
يعتبر سموتريتش وبن غفير نفسيهما، حراس البوابات لمنع الحكومة من الجنوح ولو بالكلام نحو اليسار، وهو ما يفسران به براغماية نتنياهو، وتوقه الشديد للتواجد تحت الأضواء حتى لو قدم أحيانًا انزياحات أيدلوجية لا تكاد ترى، خصوصًا إن التحليل المعمق، لا يسمح بوضع نتنياهو مع الاثنين في حزمة أيدلوجية عقيدية واحدة بحال من الأحوال، لأن كلا من الطرفين بالتأكيد يمتلك فهما مختلفا لماهية الصهيونية.
سيعاني نتنياهو من توسيخ صورته الدولية بالتأكيد، ففي هذا الائتلاف ليس لديه ما يسميه أحد المعلقين (مبيض الغسيل الدولي) كما كان حال تسيبي ليفني، بل وحتى بني غانتز، أو إيهود باراك، أو موشيه كحلون، وبالتالي سيفتقد نتنياهو حتما العنصر اليساري في حكومته، وهو طالما كان ضروريا من أجل مجده التلفزيوني، بينما يحظى الآن بمنافس على المنصة والميكروفون، عدسة الكاميرا، فبن غفير لا يقدم تنازلات ويعتبر نفسه فعلا ليس صانع "ملوك إسرائيل" بل "ملك إسرائيل".
إحدى أبرز المشكلات التي يطرحها بن غفير، في مطلبه بتسلو حقيبة الأمن الداخلي، هي مسألة "الحفاظ على الوضع الراهن" في الحرم القدس ، وهي مسالة يرفضها جملة وتفصيلا، وبالتالي سيتصادم حتما مع نتنياهو والليكود، حث يدرك نتنياهو كما الليكود أن هذه مسالة حساسة جدا أمنيا ودوليا. ليس فقط نتنياهو، فهناك صدام آخر من الجبهة الأخرى في الائتلاف وهي جبهة اللأرثوذكس المتطرفين الذين يعتبرون أن من المحرمات (الصعود إلى الجبل) وهم وإن كانوا بهذا يعززون موقف نتنياهو فإنهم يخلقون مزيدا من التفجير في الائتلاف، مع بن غفير الذي وصفوه بأنه أحد أكبر الخونة لليهودية.
صداع آخر لنتنياهو، في قضايا المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وهو صراع قد يفجر الموقف مع واشنطن وقد ألغى نتنياهو في السابق عدة مرات إلغاء قانون الانفصال - الذي يسمح بالعودة إلى أربع مستوطنات في شمال الضفة، وهذا بالضبط ما يعتزم بن غفير وسموتؤيتش نقضه في مفاوضات الائتلاف، علاوة على ذلك، فإن مسألة البناء في القدس، التي حرص نتنياهو على إزالتها من جدول الأعمال في كل مرة يغضب فيها الأمريكيون، يمكن أن تكون حقل ألغام خطير بين شركاء التحالف.
يضاف إلى ذلك القضية القانونية، التي كانت محور الحملة الانتخابية، وتحديدا مسألة القانون الفرنسي، حيث سبق وتفاخر نتنياهو بأنه منع المبادرات التشريعية التي تهدف إلى الإخلال بالتوازن بين السلطات، وبالتالي السؤال هو أي من الشركاء سيتنازل وعن ماذا: هل بن غفير هو الذي يدعي أنه يريد قانونًا فرنسيًا بأثر رجعي يلغي بشكل أساسي محاكمة نتنياهو، أم أن سموتريش هو الذي يطالب بتغيير جريمة الاحتيال وخيانة الأمانة واستبعادها من الإجراءات الموجودة في التشريع؟ مبادرتان من الواضح أنهما تفيدان نتنياهو، ولكنهما ستشكلان نزاعا آخر في الائتلاف.

