تعتبر الأسرة هي النواة الأساسية داخل المجتمع كما يطلق عليها علماء الاجتماع، ويعرفها أرسطو بأنها: هي أول اجتماع تدعو له الطبيعة، فمع تطور الأسرة تتكون عائلة، ثم قرية، ثم مدينة، ثم الدولة"، وتمارس الأسرة العديد من الوظائف على الصعيد النفسي، والتعليم، وتعتبر وظيفة التنشئة الاجتماعية أحد أهم الوظائف التي من خلالها يقوم الأب والأم بتحويل الكائن البيولوجي إلى كائن اجتماعي.
بناء على ما سبق، نتناول قضية أساسية تضرب اليوم البنية الأساسية للأسرة العربية، وهي الحالة السيكولوجية بين الزوجين داخل الأسرة، حيث تصبح العلاقة بين الزوجين متصدعة، ومتباعدة بشكل خطير، ويطلق عليها علماء الاجتماع اسم " الطلاق الصامت"، أو "الطلاق النفسي"، ومن خلال هذه المادة سنحاول البحث عن أسباب هذا الطلاق النفسي؟ وما دور وسائل التواصل الاجتماعي في ازدياد هذه الظاهرة؟ وما مدى تأثير هذه الظاهرة على الابناء؟
قبل الدخول في صلب الموضوع، يجب التأكيد على أن هذه الظاهرة يصعب على دارسي علم الاجتماع التوصل إلى أرقام حقيقة حولها، وفي هذا الصدد يقول دكتور علم الاجتماع سامي نصر: "الانفصال الصامت أو الانفصال العاطفي بين الأزواج واقع موجود في مجتمعنا، وعلى الرغم من درجة خطورته على الحياة الأسرية إلاّ أنه ظل ضمن المواضيع المسكوت عنها، ظواهر نعيشها نتألم منها، ولكن لا نبوح بها"[1].
إذاّ يمكن تعريف الطلاق الصامت على أنه: "حالة نفسية يشعر فيها أحد الزوجين أو كليهما بمشاعر سلبية تجاه الطرف الآخر، بما يؤدي إلى عدم إمكانية التواصل العقلي والنفسي والجسدي بينهما، وينفرد كل منهما بحياة عقلية ونفسية واجتماعية خاصة، فيستمر الزواج شكلا، وينتهي مضمونا، وذلك يعني انعدام التواصل والتفاعل الاجتماعي بين الزوجين داخل الأسرة بسبب فتور الحب، وسوء التوافق الجنسي، وغياب لغة الحوار بين الزوجين".[2]
يرافق الطلاق الصامت معنيين مهمين وهما:
النوع الأول: يعبر عن غياب الحوار والتواصل بين الطرفين، أو كما يسميه علماء الاجتماع "بظاهرة الخرسان"، وهي مؤشر على عدم رغبة أي طرف في الحديث مع الطرف الآخر، فيغيم الصمت والخرس عليهم.
النوع الثاني: وهو الأخطر، يتجلى في إخفاء القطيعة النفسية خارج البيت للحفاظ على الشكل الاجتماعي للأسرة، والحفاظ على هذا الشكل يتم خوفاً من وصمة العار للقب "مطلق أو مطلقة"، وخصوصاً لقب مطلقة للزوجة، ولكن عند العودة إلى البيت يقوم الطرفان بالعودة إلى حالة الطلاق النفسي.
أسباب ظاهرة الطلاق الصامت:
من أبرز الأسباب التي تساعد على تطور هذه الظاهرة، هي الضغوط اليومية والمعيشية للزوجين، وأيضاً الروتين القاتل في بناء العلاقة، وتحديداً عدم مشاركة الزوج زوجته في الهموم اليومية، بالإضافة إلى الاختلاف الفردي في التنشئة الاجتماعية بين الزوجين، وإلى جانب ذلك تلعب الأوضاع السياسية والأمنية من جانب أخر دور في التأثير على الحياة الزوجية للأسر داخل البيت.
ولكن يمكن أن تكون هذه الظاهرة مؤقتة إذا استطاع أحد الطرفين المبادرة في المصارحة والحوار، والعمل على هيمنة قوة الحب التي تجمع بين الطرفين، إلى جانب ذلك حنكة أحد الطرفين في ممارسة فن التواصل من خلال أسلوب الحديث، واختيار التوقيت المناسب للنقاش، والقدرة العالية على الأقناع والتأثير، بالإضافة إلى الحصول على المساعدة من خبراء العلاقات الزوجية على الصعيد النفسي والاجتماعي.
وسائل التواصل الاجتماعي والطلاق الصامت:
لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دور كبير في تفاقم هذه الظاهرة، حيث تتحدث العديد من الدراسات على أن الأزواج يلجؤوا إلى شبكات التواصل الاجتماعي من أجل البحث عن بديل يمكن التواصل معه، وهذا ما يعزز ظاهرة الطلاق النفسي، وأكثر العمل على إيجاد شريك حتى لو كان وهمياً من أجل التعويض النفسي المفقود داخل الأسرة، وأكثر الوصول في بعض الحالات إلى الخيانة الزوجية مع طرف أخر، والخيانة هنا يمارسها الزوج أكثر من الزوجة[3].
ولذلك تعتبر المرأة أكثر معاناة بسبب الطلاق الصامت من الرجل، ويكمن السبب أن هناك قيود أخلاقية وقيمية وضعت على المرأة تمنعها من ممارسة هذا الفعل، وأكثر إن المرأة غالباً ترفض أن تنظر إلى نفسها على أنها خائنة¹، ولا تستطيع قبول تلك النظرة تجاه نفسها، وهو ما يجعل الكبت لديهن أعلى ويُشكِّل خطورة حقيقية على صحتهن النفسية والعقلية.
وغالباً ما تصبح المرأة متزوجة على وضع مطلقة، وأكثر يصبح الاكتئاب أفضل من الطلاق، بل ويصبح الوسواس القهري ثمن قبول الطلاق الصامت، بالإضافة إلى ذلك يتحول حلم الزواج وبناء الأسرة إلى كابوس، وأكثر يتحول الزواج إلى محاولة الانتحار، ولذلك ينصح العلماء إذا لم يتم التوصل إلى حلول بين الزوجين أن يتم الطلاق الحقيقي لأنه أفضل للزوجين والأبناء أيضاً.
النظريات الاجتماعية والطلاق الصامت:
هناك العديد من النظريات التي حاولت تفسير هذه الظاهرة، منها نظرية تعدد الأجيال ومن خلالها يفترض العالم بوين "Bowen"[4]: "أن الفرد والأسرة يعيشون ضمن نظام عاطفي، وهذا النظام يتطور داخل الأسرة ويتم تنميته خلال سنوات طويلة، ويعتقد "بوين" أن هذا النظام ينتقل بيت الأجيال، فعند غياب هذا النسق العاطفي بين الأفراد، يصبح هناك أثار سلبية على الأسرة برمتها".
بالإضافة إلى بوين تتحدث نظرية التبادل الاجتماعي على أنه عندما لا يتقبل أحد الزوجين الخسارة النفسية يسعى إلى هدم الآخر، وعندما أيضاً لا يستطيع أحد الزوجين حسم الصراع يضطر إلى المهادنة كي لا يتعرض لخسائر مادية ونفسية، ولذلك يلجئ إلى الانفصال العاطفي، وإلى جانب ذلك تتحدث نظرية الاختيار العقلاني التي قال فيها ألبرت أليس "Ellis Albert"[5]: "إن مقارنة الشريك مع الآخرين يؤدي إلى عدم القناعة بالشريك، وكذلك البحث عن الحب المثالي بين الأزواج يؤدي إلى أثار سلبية في العلاقة بين الزوجين، ولذلك فمن المهم ان نتعلم تقبلنا لأنفسنا بالرغم من الأخطاء، والبعد عن لوم الذات".
إلى جانب ذلك، إن الطلاق الصامت لا يمكن أن ينشأ في العائلات الفقيرة فقط، بل يمكن أن ينشأ في العائلات الغنية أيضاً، ولذلك قراءة الظاهرة من منظور ماركسي من حيث الفروق الطبقية غير دقيق، لأن الفقر ليس السبب الأساسي في نشوء هذه الظاهرة، وهنا تحتاج هذه الظاهرة إلى التعمق فيها أكثر على الرغم من وجود عقبة رفض الأزواج المصارحة والحديث حول الوضع النفسي بينهم، ولكن يمكن قراءة الظاهرة في ظل نشوء ثقافة العولمة، وتحويل العالم إلى قرية صغيرة، وادخال ثقافة الاستهلاك، والحداثة والحب السائل التي تناولها عالم الاجتماع "زيجمونت باومان"، وغيرها من المفاهيم التي هي نتاج النظام الرأسمالي، والتي تؤثر على معظم العائلات داخل بنية المجتمع.
الأبناء والطلاق الصامت:
تؤثر هذه الظاهرة على الدور الأساسي الذي يجب أن يقوم به الأب والأم داخل المنزل وهو التربية، حيث يصبح الطفل يقارن بين أسرته المتفككة والحياة الأسريَّة التي يعيشها باقي الأطفال، وهذا يولد شعور بالإحباط لدى الطفل، ومن هذا الاحباط تنتج سلوكيات عنيفة لدى الطفل، وأكثر اضطرابات نفسية وسلوكية لشخصية الطفل، وأيضاً تسبب هذه الظاهرة هروب الاطفال من المنزل والمدرسة، ويفقد الطفل مفهوم القدوة، ويلجأ إلى البيئة الخارجية من أجل البحث عن قدوة، مما يسبب كارثة نفسية واجتماعية في حياة الطفل.
[1]. سامي، نصر، 2021. الطلاق العاطفي الصامت.
[2]. المرجع السابق.
[3]. السميحيين، فاديه، 2019. الطلاق العاطفي وعلاقته بمستوى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، مجلة العلوم التربوية، المجلد 46، العدد2.
[4]. الهجلة، يوسف، 2014. الطلاق العاطفي، مرجع سابق.
[5] . الهجلة، يوسف، 2014. الطلاق العاطفي، مرجع سابق.

