Menu

الحرّيّةُ داخلَ القفص

ثائر أبو عياش

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة الهدف الإلكترونية

بَلَى، هكذا هو الألم، كما وصفته لك بالضبط، قل لي: هل أنت مُتذّكِرٌ ما أقول؟ لا، لا، لم أفهم ماذا تقصد؟ أنت كنتَ تتحدّثُ كأنّك مريضٌ يهذي بسببِ جرحٍ قديم، وأنا لا أفهمُ مثل هذا الحديث، إذًا اجْعَلْنِي أبدأ من جديد، أنا أتفهّم ذلك، في كلّ مرّةٍ أخاطبك يحدثُ هذا! أنت لا تستطيع أن تشرب الماء على دفعات بل تشربه دفعةً واحدة، وهذا ليس جيّدًا للعقل. تخيّل معي أنّك تجلسُ على سرير السجن، وجاءوا ووضعوا الأصفاد في يديك وقدميك، ومن ثم عَلَّقُوا لك إبرة فوق رأسك، لا تذهب بعيدًا، اِبقَ معي، تخيّل من جديدٍ تنساب ال قطر ات من أنبوبة الإبرة ببطء، ببطءٍ شديد، كأنّها قطراتُ ماءٍ تسقط من صنوبرة لم تغلق جيّدًا في بيتٍ مهجور، هل تفهم؟

فكّر قليلًا، أو حاول أن ترسم الأشياء، هنا بالطبع لا مفرّ، قد أصبح السّمُّ في جسدك قطعًا، ويخترقُ حدود المنطق، ويحتلُّ موتك. لكن لا تمت... أمجنونٌ أنت؟ سأل بسخرية، هو مُتيقّنٌ أنّه مجنون... دع هذه الأسئلة جانبًا، كلّ شيءٍ في هذا العالم مسمومٌ إلا بندقيّة فلاحٍ يدافع فيها عن حبة البرتقال الأخيرة قبل هجوم الأعداء، هذا هو الجنون الحقيقي.

أرجوك لا تذهب بي بعيداً، لنعد إلى الجنون، أقصد، أقصد إلى الموت، ما بي، إلى السم، إلى الألم، قلت لك: لا تمت، هنا لا تمت، دعني أقول لك ماذا تفعل: اقبض بيديك على غطاء السرير، دع وجهك يصرخ، أغمض عينيك وساعد السم أن يخترقَ أي فكرةٍ لا تحبها بداخلك، قم بدفن وجهك في الوسادة، اصرخ بصمت، ولكن، تذكر هنا واحذر، لا تدعهم يشاهدون ذلك.

الآن، فهمت لماذا يقولون عنك المجنون، قال له.. أنت لا تَسْتَطِع معي صبراً، أنت المجنون الذي يقوم بتقطيع الحكاية خوفاً من النهاية، لأن الحكاية صعبة عليك، قلت لك: لا تمت، صرخ عليه، خذها حكمة من الأخسرين، تذكر، صاحب هذا السم، واحذر أن تقدم له كأساً من البابونج، لأن هذا الكأس ليس علاجاً للحب، لأن العلاج هنا أصعب من المرض، تحايل على السم، أو ابني معه قصة عشق سرمدية، قم بتقبيله إذا لزم الأمر، وبعد ذلك اقذف هذا السم من فمك، وقدميك، وأذنيك، وأكثر من عقلك، واحذر إذا لم تقذفه من قلبك. لماذا بالتحديد من قلبي؟

هنا الهزيمة أيها الأبله.. رشف قليلاً من النبيذ الأبيض، وسأل: عما تتحدث؟

بَلَى، الغريب أنا لم أشعر بالصدمة، لقد كان يتحدث إلى نفسه أنه خسرها إلى الأبد، وهو يتحدث لهُ عن الألم!

قال: أنا لستُ مريضاً، كيف لي أن أحب امرأة مع كل لقاء تغرس بداخلي بذورًا جديدةً من الشك؟ أي علاقة تلك بين الألم وعينيها؟ سأله بعد أن وضع رأسه بين يديه كما تضع الأم طفلها المولود حديثاً على صدرها.

سأقوم بإجابتك، ولكن الآن عليَّ أن أقوم للصلاة أولاً وسأعود لك، ولكن قبل ذلك تذكر إذا كنتَ تريد التخلص من هذا الحب، قم بقتل الخوف الذي بداخلك، ونهض من على كرسي الهذيان، وبدأ يتوضأ، ومن ثم جاء بسجادة الصلاة، وكالعادة كانت عيناه تنظر إلى الأمام، القصد ليس أبعد من طرف السجادة، في تلك اللحظة كانت قطرات الوضوء تلامس السجادة كأنها قطرات من الحقيقة تلامس سطح التاريخ.

شرَع بدعاء الاستفتاح، وقبل ذلك كانت نيَّتَه أن يصلي قيام الليل، وصل حد "اللَّهمَّ اغسِلْني مِن خَطايايَ بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ..."، سأله وهو يطرق بالقلم على الطاولة: لماذا هربت من القفص؟

شَعَرَ أن السؤالَ شيطانٌ يسرق التفاصيل، لم يرتبك، بل أكمل الآية: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ..."، ولكن عاد وسأله من جديد، وكان الطرق على الطاولة يَشْتَدُّ: لماذا تركت القفص، يبدو أنك لا تحبُ كلمة هروب، ولكنك تركتها وحيدة خلف القضبان، والآن تصلي، غريب أنت حتى بالصلاة تهرب من الحقيقة؟

دعني أقول لك شيئاً: إن الفرق بينك وبين ماوكلي، أن ماوكلي قرر العودة إلى قريته بعدما عاش بين الذئاب، ولكن أنت في كل مرة تعود من قريتك لتعيش بين الذئاب، أنت من يجب أن نسميه فتى الأدغال. وَجَدَ نفسه يخاطب ذاته، وترك الخشوع سهواً، فقال: أنا لم أهرب، أنا كنت أواجه، لقد كنت فتى الأدغال الباحث عن الحقيقة بين الذئاب، نعم، لقد تحررت من الشروط، والاندثار، نعم تحررت، ضحك، ضحك أكثر، الآن وجدتها، لقد جعلني أجدها، تحررت، أنا لا أريد أن أموت داخل القفص، أنا أريد الموت حراً، وهذا يعني أنني أحتاج الحرية قبل الموت، هو لا يفهم أن الموت دون حرية هو انتحار، لا، لا، أقصد أن الموت هو الحرية الأبدية بين الذئاب.

انتهى من الصلاة بعد أن قام بالتسليم على الخير والشر اللذان يجلسان على أكتافه، وأنزل رأسه إلى الأسفل، وبدأ يتحدث كأنه يخاطبه، ولكنه كان يخاطب نفسه قائلاً: هل تعلم شيء، صانع القفص، الكبير، لا يريد لي الحرية هنا، لربما كان يؤمن أن غداً سيأتي صياداً يحمل بندقية تاريخية ويطلق رصاصة على حريتي، عليك أن تعلم أن الكبير لا يريد أن أموت في القفص بل داخل الحرية، تخيل أيها المستسلم لرائحة التبغ أن أتلقى رصاصة داخل القفص! ما أحقرها، هذا رحيل خبيث، إذا كان لا بد من الرصاص، فليكن في ملامسة رائحة البارود وجهاً لوجه في الهواء الطلق، وبين بيوت الفقراء، وقراءة الكتب، والقطرات الأخيرة من حبر القلم، وأحذية الباحثون عن القصاص من التاريخ. سأل محاولاً الرد عليه ليقنع نفسه: ما هذا الحديث؟ وما لي وهذه الفلسفة؟ بكى بصمت، وقال: اشتقت لها، ولملامسة قصفة شعرها الأخيرة، أنا تائه بخارطة قلبها، وعقلها، أنا أكره هذا الشيء، أشعر أنني مكبل بهذا الحب، أريد أن أتحرر من سطوة الذكريات، أنا ثمل بفنجان القهوة معها تحت شجرة السرو، والسيجارة المليئة بطعم الحديث عن إنجاب الأولاد، وبناء البيت، ولون طلاء الجدران، وشكل علبة البُن، وترتيب الفراش، ونسيان الحاجز، والمجندة التوراتيّة التي تنظر إلى بطاقة تاريخي المزورة، وتعبث بعقلي الذي يكون يفكر هنا: ماذا ستقول لعائلاتها لأنها تأخرت عن البيت؟ وأقول لنفسي: حتماً بسبب الحب، ولكنها تخترع كذبة رومانسية لتهرب من سَوْط العائلة.

بسبب الحب؟ ما ذنب الحب هنا؟ ولماذا نكذب؟

عليها أن تقول: تأخرت بسبب الحاجز، كن صريحاً، أنت تحررت من القفص، قبل قليل قلت ذلك، ولكنك لم تتحرر من الماضي، أو سمِّها الذكريات إذا أحببت، دعني أقول لك شيئاً: تصالح مع الماضي، أنت لا تتقبل فكرة أن غيرك دخل القفص مكانك، وسأقول لك أيضاً: أنت لم تخسر أبداً، أَلَم تَسمَع قبل ذلك بالتضحية؟ يبدو أنها كلمة غريبة عليك!

خذ مني مثالاً: هناك طفلٌ كان يرمي الحجارة على التاريخ، محاولاً استعادة الرواية الحقيقية، ولكن التاريخ رفض العودة، ليس هنا المهم، تذكر أن هذا الطفل أصبح رمزاً لمحاربي التاريخ، دعنا نسميهم هكذا، لأنهم آمَنُوا بحجارة هذا الطفل، وهم الآن يقاتلون باسم الحجارة، متمسكون براية الطفل، وبات التاريخ يرضخ رويداً رويداً، هل تعرف كيف؟ لأن الطفل قتله التاريخ، لقد ضحى هذا الطفل في سبيل استعادة الحقيقة، تذكر هذا جيداً.

ما الذي يجري؟ سأل، ألا يعقل أن لا يكون أحدٌ هنا؟ هل أتحدث إلى نفسي؟

اعترف لنفسه، نعم أنا ما زلتُ في القفص، ويبدو أنني أُصبتُ بحمى القفص، لكني لا أستطيع العودة، أنا جبان بالفعل، ولكنه هرب مرة أخرى إلى سؤال كان عالقًا في رأسه: لماذا نُسلِّم على الخير قبل الشر؟ أعتقد أنه سؤال يستحق التفكير، هذا ليس شيئاً عبثياً.

من على زاوية الكنبة قال له وهو يضحك بشكلٍ هستيري: أنت مصاب بحمى جنون الحرية داخل القفص.