Menu

المهم أن نستمر..

إضراب الأسرى المعتقلين إداريًّا.. محطةٌ لا يتوقف النضال عندها

أحلام عيد

فلسطين المحتلة _ خاص بوابة الهدف

حينما يتنكّرُ العالمُ والمجتمعُ الدوليّ لآهات شعبنا ومعاناته، وحينما يصمُّ القانون الدّولي أذنيه عن مظالمنا، وعن التعدّي الصّارخ على حقوقنا، وفي الوقت الذي تتهافتُ فيه الأنظمةُ العربيّةُ الرّسميّةُ نحو التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ، وتعزيز العلاقات الثقافيّة والاقتصاديّة والسياسيّة معه، يجد هذا العدوُّ القميءُ فرصةً ذهبيّةً لالتهام فتات ما تبقّى من حقوقنا، يكشّف عن أنيابه ويقتضّ على أجسادنا التي ما يئستْ يومًا من المقاومة والمواجهة.

لونٌ آخرُ من العذاب وشكلٌ إجراميٌّ مبتدع، يمارسه العدوُّ المجرمُ بحقّ أبناء شعبنا الفلسطيني، عبرَ فرضِ سياسةٍ اعتقاليّةٍ تجرّمها المواثيقُ والأعرافُ الدوليّة، ورثها عن نظامٍ آخر لا يقلُّ عنه وحشيّةً وإجرامًا، سياسة الاعتقال الإداري، التي بموجبها يزجّ أبناء شعبنا في غياهب السجون دون تهمةٍ واضحةٍ أو حتّى فترةٍ زمنيّةٍ معلومة.

ثلاثون رفيقًا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين معظمهم أسرى محرّرون قضوا سنوات اعتقال طويلة، وتمت إعادة اعتقالهم، اتّخذوا قرارهم بالمواجهة، معلنين بدء معركتهم بأمعائهم الخاويّة، لينضم إليهم عشرون آخرون، مسطرين ملحمةً نضاليّةً قطعت خطوةً على طريق إنهاء هذا الملف التعسّفي.

ماهيّة الاعتقال الإداري:

ولمعرفة المزيد من التفاصيل حول ملف الاعتقال الإداري، تواصلت الهدف مع الأسيرة المحررّة والقيادية الفلسطينيّة ومديرة مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان سابقًا خالدة جرّار ، التي سبق وأن اعتقلت لفترات طويلة بأوامر اعتقالات إدارية، والتي عرّفت الاعتقال الإداري على أنّه اعتقال تعسفي، يتم بموجبه اعتقال أسيرات وأسرى بذريعة وجود خطر أمني ووجود ملف سري، مشيرةً إلى أنّ جذور هذا الاعتقال تعود لفترة الانتداب البريطاني كقانون طوارئ، ليتم لاحقًا في العام 1979 تشريعه وفق أمر عسكري.

ولفتت جرّار إلى أنّ الاعتقال الإداري من أصعب وأقسى أنواع الاعتقال، وذلك بسبب سهولة إصداره بمعنى أن أي ضابط بإمكانه أن يرفع توصية لتنفيذ هذا الاعتقال الذي يتجدد بشكل متواصل وقد يصل إلى سنوات طويلة.

وتابعت جرّار: "يتم تجديد مدة الاعتقال الإداري للشخص الواحد لحد يصل إلى سنتين من الاعتقال المتواصل، وفي حالات كثيرة، عندما يجري إطلاق سراح المعتقل يتم بعد أشهر قليلة إعادة اعتقاله واحتجازه وفق هذا الأمر، بهدف تغييب المؤثرين في الشارع الفلسطيني في غياهب السجون، وذلك دون توجيه تهمة واضحة".

وخلال حديثها، أفادت جرّار بأنّ هناك محطات مرّ بها الاعتقال الإداري، حيث وصل عدد المعتقلين داخل السجون في الانتفاضة الأولى إلى حوالي 12 ألف معتقل كان اعتقال معظمهم بقرار اعتقال إداري يجري تجديده، وذلك في إطار المحاولة لإجهاض الانتفاضة الشعبية، موضحةً أنّ الآونة الأخيرة شهدت كثافة في استخدام هذا الاعتقال حيث يوجد أكثر من 7500 معتقل داخل السجون الصهيونية يتم تجديد اعتقالهم بشكل مستمر.

وحول تجربتها الشّخصية في هذا الاعتقال، قالت جرّار: "تم اقتيادي إلى المعتقل السّاعة الثانيّة فجرًا، واستمر الاعتقال إداريًّا لحوالي ثلاثة أشهر جرى بعدها إلغاء الاعتقال الإداري وتوجيه لائحة اتهام، أمضيت إثرها 15 شهرًا في المعتقل، وبعد أقل من عام جرى اعتقالي مرّة أخرى، بأمر اعتقال إداري جديد تم تمديده أكثر من مرة حتى وصل لمدة 20 شهرًا".

وأضافت جرّار: "لا يكون المعتقل الإداري على علم بسبب اعتقاله، وفي كل مرة نسأل عن سبب الاعتقال نجد رد واحد (أنت تشكل خطر على أمن إسرائيل)، وفي كل أمر تجديد تدّعي السلطات وجود مواد جديدة تستدعي استمرار الاعتقال الإداري".

وأوضحت جرّار أنّ صعوبة الاعتقال الإداري تتمثل في عدم معرفة الأسير بموعد حريته والإفراج عنه، أو حتى معرف سقف مدة الاعتقال، ناهيك عن عدم معرفته للتهم الموجهة بحقه.

وفي سياق متصل، بينت جرّار أنّ ما يسمى "بالجهاز القضائي الإسرائيلي" يسير وفق رغبة المخابرات، حيث أنّ الشاباك هو من يقرر مدة الاعتقال الإداري، مؤكّدةً أنّ محاكم العدو محاكم صورية شكلية وهو ما دفع المعتقلون الإداريون لاتخاذ قرارهم بمقاطعة هذه المحاكم، لتعرية هذا النوع من الاعتقال.

"يعد المحامي والقيادي الفلسطيني بشير الخيري، أول من رفض الامتثال أمام المحاكم العسكرية الصهيونية، معتبرًا أنّ النّضال لانتزاع شرعية المحاكم يتمثل برفض المثول أمامها ورفض أي حكم صادر عنها، مشيرًا إلى أنّ الأحكام الإدارية مخالفة لأبسط قواعد العدالة".

افتقارٌ للإنسانيّة

وتناولت جرّار خلال حديثها، جملةً من التجارب الإنسانية الصعبة التي مرّت بها خلال تواجدها في الأسر بأمر اعتقال إداري، حيث فقدت والدها في اعتقالها الثالث بعد قضاء شهر ونصف من الاعتقال الإداري، وفي اعتقالها الأخير وقبل شهرين من إطلاق سراحها فجعت بفقدان ابنتها.

وعن مشاعرها في هذه الظروف الحالكة، قالت جرّار: "لقد عشت مشاعر متناقضة حيث الحزن والألم الكبير على رحيل ابنتي وعدم تمكني من إلقاء نظرة الوداع عليها، ومن جانب آخر مشاعر السخط والغضب والتحدي لهذا العدو المجرم الذي يستمر بائسًا في محاولات كسر مشاعرنا وإرادتنا حتى في أكثر اللّحظات الإنسانية وأشدها صعوبة".

وحول معاملة ما تسمى إدارة مصلحة السجون بحق المعتقل الإداري، نوّهت جرّار إلى أنّ العدو يستخدم العديد من الإجراءات التنكيليّة والقمعية ومن بينها الحرمان من الزيارات لفترة طويلة تحت حجج واهية، وسياسة الإهمال الطبي والمماطلة في تقديم العلاج، ومضايقات على إدخال الكتب وخصوصًا إن كانت كتب تعليميّة، علاوةً على ظروف السّجن نفسها حيث يتم الاحتجاز بغرف رطوبتها شديدة جدًا.

وذكرت جرّار صنوفًا أخرى من الإجراءات التعسفية التي تتعرض لها الأسيرات على وجه التحديد، خلال فترات الاعتقال، حيث لا يوجد حمامات داخل الغرف، كما لا يوجد طبيبة نسائية مختصّة، وعند وجود أي حالة مرضية يتم تحويل الأسيرة للمشفى لتنتظر دورها في العلاج لمدة تفوق الستة أشهر، وعند النقل إلى المشفى يتم ذلك بظروف صعبة، حيث يتم تكبيل الأيدي والأرجل.

وتطرّقت جرّار إلى معاناة الأسيرات في "معبار الشارون" الذي تحتجز فيه الأسيرات في بداية الاعتقال حتى نقلهن إلى السجن، وهو عبارة عن غرفة عزل تكون إلى جانب غرف المعتقلين الجنائيين حيث تتعرض الأسيرة لكم هائل من المضايقات والمسبات والشتائم، علاوةً على ظروف الحياة القاسية داخل هذا المعبار، حيث لا يتوفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة الإنسانية، "فهي غرفة مليئة بالبق والحشرات ولا يوجد بداخلها سوى فراش للنوم وغطاء، وأغلب الأسيرات يتم عزلهن في هذه الغرفة لمدة تتراوح من 20 إلى 30 يوم".

ولفتت إلى أنّه خلال فترة انتشار جائحة كورونا ولمدة تجاوزت الثمانية أشهر، لم يكن هناك أي شكل من أشكال التواصل مع العالم الخارجي، إلّا من خلال القنوات الإذاعية التي يعمل العدو على التشويش عليها بين الفينة والأخرى.

خطوة نضالية تحتاج مراكمة

وفي سياق مواز، علّقت جرار على قرار الإضراب عن الطعام الذي بدأه ثلاثون معتقلاً إداريًّا من الرّفاق في الجبهة الشعبية بأنّه "خطوة تسعى لتسليط الضوء على الاعتقال الإداري وتفضح عدم قانونيته ومشروعيته، كما أنّه محطة نضالية من المحطات النضالية الأخرى التي سيؤدي تراكمها إلى إحداث تغيير يؤدي لاحقًا إلى إلغاء هذا الشكل من أشكال الاعتقال".

وأفادت بأنّ خيار اللّجوء إلى الإضراب المفتوح عن الطعام هو لقرع الجرس ولتسليط الضوء على هذا الاعتقال، وخصوصًا أن عدد كبير من الأسرى المعتقلين إداريًا سبق لهم وأن أمضوا عامين في الاعتقال الإداري وتم الإفراج عنهم لأشهر قليلة قبل أن يتم إعادة اعتقالهم مرّة أخرى بأمر اعتقال إداري جديد.

وأعربت جرّار عن أسفها لعدم تسليط الضوء على قضية الاعتقال الإداري بالشكل الكافي والمطلوب، مشيرةً إلى أنّ هناك العديد من القرارات الدولية التي تدين الاعتقال الإداري" ولكنها غير كافية ولم تصل لمرحلة إحداث التغيير في هذا الملف".