استضاف منتدى صور الثقافي، يوم أمس الجمعة، بدعوةٍ من مؤسّسة غسان كنفاني الثقافية الأديب الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله في جلسةٍ حوارية شارك فيها الكاتب الفلسطيني مروان عبد العال، وذلك لإحياء ذكرى استشهاد الأديب الفلسطيني غسان كنفاني الـ50، ضمن سلسلة فعاليات "خمسينية غسان".
وقال عبد العال في مداخلته: الفلسطيني الذي لا يكتمل إلا بالوطن. يبدو أن في زمن الخراب والعتمة والفوضى، لا بد من قناديلُ ملكِ الجليل، يحمله الصديق الروائي الجميل والرائي الانيق ابراهيم نصر الله. الروائي المناسب في الزمن المناسب وفي المكان المناسب، كي ينير بحضوره خمسينية غسان كنفاني من الشمال إلى الجنوب".
وشكر عبد العال "منتدى صور الثقافي أصحاب الدعوة في مدينة صور شقيقة عكا، على فوح برتقالنا الحزين، لعلنا نقتفي أثر غسان من محمد الزيات وكل الأوائل وسائر القامات والحضور! تحية إلى عائلة غسان الصغيرة ولعائلته الأكبر. الوفاء يستدعي استذكار غسان، استعادة الدرس والفكرة التي لا تموت، غياب الجسد لا يعني غياب الفكرة. إننا لم نفقده رغم درك الانحدار القيمي والمعرفي ونستحضر الفكرة في سبيل تجديد الوعي، أولاً ضد التفاهة. أو قل استعادة الوعي في وجه خيانة الوعي".
ولفت عبد العال إلى أنّ "الأجدر تأصيل الثقافة بدل ترسيم الثقافة.. حينما يعتبر البعض العودة الى الماضي تعني "الخشبية" ولكن في حقيقة الامر يعتبرون اللغة الاصيلة هي الشذوذ. هكذا هو زمن الاستسلام الثقافي، والطبعة العربية الغير أنيقة المنقحة أمريكياً من اختطاف الربيع إلى موسم التطبيع، يوم يصير فيها الغزاة عباقرة، والعبد مفتوناً بسيده، وتجعل من الصهيونية مثالاً جميلاً يحتذى، وليس نموذجاً وحشياً لنحاربه. وما ابدعته الثقافة "الشرق أوسطية" المنضوية تحت غطاء "السلام الابراهيمي"، وذلك التطبيع الرياضي، لتصبح فيه شروط "الفيفا" أهم من "القمة العربية" واستضافة كأس العالم بكرة القدم فوق الكرامة والحق والهوية والأرض واللغة و القدس وفلسطين".
ورأى عبد العال، أنّ "خمسينية غسان لنجدد غسان، عندما نستعيد الجبهة الثقافية التي قاتل من أجلها. بثقافة تحررية وطنية مقاومة، فكل ثقافة مقموعة ومغيبة ومهمشة، ممولة، لا تستطيع أن تصمد أمام غزو ثقافي مضاد! إليكم الدرس الذي خطه بدمه "بالدم نكتب لفلسطين" والذي يعني "أن يكون لديك الفكرة النبيلة قبل أن تموت". لأنه المنخرط في قضيته روحاً وجسداً، ضحى بالجسد كي لا تسقط الفكرة، لأنه لا وجود في دماغه لدبابات المستعمرين، والطائرات المقاتلة. الفكرة التي لم يخترقها كاتم الصوت. غسان المثقف الشامل والغير مكتمل. فكرًا وأدبًا وسياسة وفن وثورة وتنظيم، الكاتب والسارد والمناضل والمعلم والمربي والقائد الذي لا يعرف الحياد مع المستعمر ولا ينأى بنفسه عن الحقيقة. ولم يضع رأسه في الرمال ويخرج بعد مرور العاصفة. لذلك قراءة التجربة تحتاج أن تحرر من الأحكام والمقاربات التقديسية السطحية والبسيطة، والذهاب إلى سياقاتها".
وتابع عبد العال: "سر العجينة الكنفانية التي عكست خصوصيته وأسهمت في ايصال تجربة كنفاني لما وصلت إليه.. ومن غير الممكن اختزال غسان أو تجريده منها: البعد الأول: التجربة الشخصية اقتلع من وطنه وارضه ومدينته، غسان الإنسان ابن قضيته، أبدع في انسنة القضية الفلسطينية، اذا لم يكتب عن فلسطين كموضوع، بل يكتب ليكتشف فلسطين أكثر في تفاصيل حياته اليومية أخذنا إليها بغمضة عين. يطارد جمالية الحلم ليصل الى اعماق فلسطين. مرة قرأت ان الناقد د فيصل دراج سأل الناقد احسان عباس وكان يعرف انه كان مقرباً إليه: ما مواقع القوة في شخصية غسان ومواطن ضعفه؟ قال بعد أن شرد قليلًا: «قوته في قلقه المسؤول وضعفه في اندفاعه وراء كل جديد». الجديد الذي كسر فيه التقليد، لذلك لم يترك للأعداء حرية السطو على حكايةٍ فلسطين".
ولفت إلى أنّ "البعد الثاني: اللؤلؤة التي تشع من كل جوانبها، فكان الأكثر موهبة، امتلاك غسان ثقافة ومعرفة وموهبة جدية وعميقة وقدرة كتابية مذهلة، على لسان أحد أفراد شلة غسان في دمشق قال "كان أقلنا قراءة، وأقلنا رغبة في مناقشة ما نقرأ، ولكنه كان اكثرنا كتابة، وأكثرنا موهبة"، والبعد الثالث: المناضل الحقيقي، من الصعوبة أن تجد مثقفاً عظيماً دون أن يكون سياسياً. ومن العبث أن تتصور غسان المبدع خارج العملية السياسية كوجود حتمي وليس اختيارياً. ذلك في سياق انخراطه الكامل في النضال السياسي بكل أثقاله وتحدياته والتباساته. يكتب الموقف السياسي للجبهة اسبوعياً في مجلة الهدف، والبعد الرابع: الثوري النقدي المنحاز للمستقبل أو الزمن القادم، تبوأ مركزاً قيادياً في الجبهة، يجمع ثنائيات الواقع والمستقبل، بين الكلي والجزئي في ذات الوقت. لذلك كان ناقدًا سياسيًا في نصوصه الأدبية، فقد كان أيضًا ناقدًا أدبيًا في نصوصه السياسية. كان ينتقد ويكشف سلبيات وإخفاقات تلك التجربة حتى على مستوى ممارسته الشخصية وممارسة التنظيم الذي ينتمي إليه بصورة مباشرة".
وبين أنّ "هذا المزيج منحه الألمعية والأصالة والتجدد في الفكر والحزب الثوري وعن رسخ مفهوم الثقافة ووظيفتها ودورها. أدبه كان يبشر بالثورة ويحرض عليها، على مبدأ اعرف نفسك، كتب مراجعة للتاريخ عن ثورة ال36 وأدب المقاومة والمقاومة هي الأصل، وأعرف عدوك ، كتب دراسته الشهيرة عن الأدب الصهيوني، مؤسساً لفكر التحرر الوطني، وانحاز إلى الثقافة الحيّة، باحثاً عن الافكار الجيدة المنبثقة من الواقع وبعيداً عن المخيال الأيديولوجي الذي توهمه الماركسيون وكتابهم،.. ان نظريته في التحوّل الفكري وكيفية بناء وعي ثوري جديد وممارسة ثورية وليست لفظية، بديلاً للافكار المعلبة والمقولات المسبقة الصنع، وإلصاقها بالجبهة وبناءها الفكري والطبقي واخلاصها للفقراء وابناء المخيمات، لذلك كان اغتياله استباقياً كي لا يكتمل، اغتيال الثورة القادمة وليست الحالية، يردد عبارة "نحن لسنا الثورة.. نحن مرحلة التحضير للثورة". اغتيل كي لا يكتمل، إنّه الانسان الذي لم يكتمل لم يتجاوز الـ36 عاماً فقط، لم يكتمل حزبيًا، ثقافيًا، وأدبيًا، كان غسان يرفض تنقيح قصصه، ولم يتم كتابة رواياته، كان يكتب وهو يجري ويناضل، لأنه فلسطيني، لأنه لاجئ، لأنه بدون وطن، غسان الفلسطيني لن يكتمل إلا بالوطن. الجيل الذي بشّر به غسان كنفاني كما وعد ابنة اخته لميس نجم: "... ولسوف يتولى القيادة جيل جديد، أمّا نحن، فلسوف ننتحي جانبا، هؤلاء الاخرين، يا صغيرتي هم أنتم، لسوف ندفع لكم من قلقنا ثمن اطمئنانكم، ولسوف تستقرون على حساب ثورتنا.... ان مشيئة التاريخ أن نكون نحن، ونحن فقط جيل الانقلاب" جيل الانقلاب الثوري، جيل عدي التميمي وتامر كيلاني وعرين الاسود وكتائب المقاومة ، الجيل الذي آمن بفكرة مزلزلة، تودي بكل ما صنعه الكيان وزبانيته وملحقاته خلال سنوات عمرهم الطرية ، كل منهم أدرك يقينه النهائي وآمن بعقيدة المقاومة التي زرعها غسان كنفاني بعبارته: "ليس أمامكم في اللحظات الحرجة غير الاتجـاه الذي يمضي بصلابة واستقامة والى الأمام".



