Menu

نقضُ السرديّةِ التوراتيّةِ لتحريرِ تاريخِ فلسطينَ القديم

ممدوح مكرم

منذ أنْ دخلت القضيّةُ الفلسطينيّةُ حلبةَ الصّراع، بين سرديّتين دينيّتين (الإسلاميّة واليهوديّة)؛ غاصت القضيّةُ في أوحال الزيف والتزييف؛ وفقدتْ- للأسف- كمًّا كبيرًا من زخمها التحرّريّ والإنسانيّ. ولذلك فأسبابُها موضوعيّةٌ وذاتيّة، سنحاولُ مقاربتها وملامستها قدر المساحة المتاحة؛ علنًا نواصل في مستقبلٍ قريبٍ إجراءات الفحص والتحليل.

التوراةُ، وهي الكتابُ المقدّسُ للدين اليهودي، استطاعتْ أنْ تتربّعَ على عرش الكتابة التاريخيّة؛ لحقبٍ عديدة، رغمَ كلّ محاولات النقد والنقض على السواء، ومن المؤسّف والمخزي أنْ يتمَّ مواصلة: اعتبار أنَّ التوراة تمثل المصدر الأساس الذي لا يضاهيه مصدر ولا يعلو عليه لتاريخ الشرق القديم الأدنى، وبخاصة فلسطين.

هذا يرجعُ في جزءٍ منه إلى اعتبار أنَّ التوراة هي أقدمُ مصدرٍ تاريخيٍّ مكتوبٍ في العالم (حسب ما تمَّ الترويجُ له في المدارس الغربيّة، وفي محتويات الحركة الصهيونيّة، وأنصار أرض الميعاد في الأدبيّات اليهوديّة)، وذلك قبل أن يتمَّ استنطاق اللُقى الأثرية، وقبل أنْ تقول الحفريات (الأركيولوجيا) كلمتها شبه الحاسمة أو الحاسمة - إن شئنا الدقة -.

وفي الجزء الآخر هو حاجة الإمبريالية لوجود قاعدة استراتيجية دائمة لها؛ لتحقق لها سيطرة كاملة على المنطقة من خلال فلسطين؛ باعتبارها من المفاتيح المهمة لقضم المنطقة؛ وضمان خضوعها الدائم للهيمة؛ لِيَسَهُلَّ نهبها الاقتصادي وترويضها السياسي والعسكري. ومن هنا تم ويتم توظيف السرديات الدينية؛ ليتحول الصراع إلى صراع ديني/عقائدي وحضاري، وليس صراعًا بين قوى الهيمنة والاستغلال (محليًّا وعالميًّا)، وبين قوى التحرر الوطني والاجتماعي (محليًّا وعالميًّا كذلك).

من أين بدأت التوراة؟

الدراج والمشهور أنَّ التوراة كتابٌ مقدس منزلٌ من السماء، على كليم الله موسى في ألواح حجرية، وهي تشمل الأسفار الخمسة الرئيسية (رغم أنَّ فرقاً يهودية تختلف فيها لا مجال لتفصيلها) وهي أسفار: التكوين- الخروج- اللاويين- العدد- التثية) بالإضافة إلى ما يسمونه الأسفار التاريخية (الملوك الأول والثاني- أخبار الأيام الأول والثاني)، فضلاً عن أسفار الأنبياء مثل: عزرا- نحيميا- زكريا... إلخ. وهناك يقين لاهوتي إيماني بالمصدر الإلهي للتوراة؛ وهو ما أعطى فكرة/نظرية أرض الميعاد زخماً أيديولوجيا عاطفياً، وهو النص المشهور في سفر التكوين عن: وعد الرب لإبرهام (إبرام)/إبراهيم؛ بأنه سيعطيه ونسله تلك الأرض الممتدة من النيل والفرات (أو من النيل إلى الفرات) كما في الترجمات العربية المشهورة والمأخوذ بها!! بل حتى في تقسيمة اللغات والسلالات التي قام بها العالم النمساوي شلوتسر، استندتْ إلى الرؤية التوراتية من خلال أبناء نوح الثلاثة الذين نجوا مع أبيهم في الطوفان (سام- حام- يافث)؛ فأصبح هناك ساميون وحاميون ويافثيون (وإنْ كان الثالث) لم يحظ بمكانة الأولين؛ ومن ذلك أيضاً كان اختراع معاداة السامية (اللاسامية)، لكل من يجرؤ على نقد أي شيء مرتبط بأبناء إسرائيل (يعقوب) النبي ثم الرمز البطريرك الذي تتحلق حوله كل الأسطرة والميثولوجيا اليهودية.

وهذا يفسر طريقة الكتابة والتأريخ للمنطقة ول فلسطين في عصورها القديمة، وهنا يهمنا فلسطين باعتبارها بؤرة النزاع ومناطه؛ تاريخ فلسطين يبدأ من قدوم إبرهام (إبراهيم) من الشمال السوري، والذي جاء بدوره من أور الكلدانيين في العراق؛ ولم يعطنا أحد تحليلاً مقنعاً لماذا اتجه إبرهيم شمالاً إلى سوريا عابراً الفرات (وهنا كان سبب التسمية بالعبرانيين، والتي أصبحت العبريين)، ثم عرج جنوباً إلى فلسطين؛ وهناك بنى هيكله للرب، وتناسل أبناؤه وأحفاده من أبناء اسحاق بن يعقوب؛ الذين سيكونون بعد ذلك: بنو إسرائيل... الخ، باقي القصة المعروفة والمشهورة للجميع.

ويستمر السرد التوراتي متحدثاً عن معاناة بني إسرائيل في مصر تحت حكم فرعون (ولا نعرف أي فرعون أصلاً)! ليظهر موسى ومعه هارون شقيقه، ويخلصان بني إسرائيل؛ وهنا كانت البداية مع أرض الميعاد، ومن هنا كانت البداية أيضاً لبداية اليهودية، والتحول من عبادة إيل الذي عبده إبراهيم، لعبادة يهوه الذي تجلى لموسى في جبل الطور في شجرة العليقة؛ عندما كان عائداً من أرض مديان إلى مصر بعد هربه قبل عشرة أعوام؛ على إثر قتله لمصري!

وتستمر السردية هكذا وتتأسس المملكة الموحدة (بدايتها من شاول، ثم داود ثم سليمان)، ويحدث الانقسام...الخ، ويأتي الأسر البابلي والشتات اليهودي في الأرض؛ ولكن لا بد للعائد أن يعود إلى أرضه التي وعده بها الرب؛ وذلك مربط فرس التصورات العقائدية لليهود وبعض الفرق المسيحية القريبة من اليهودية (وجميعهم ينتظرون مسيحاً في آخر الزمان ليؤسس مملكته الألفية السعيدة)، وتابعهم في ذلك مع بعض الخلافات التفصيلية المسلمون؛ ولكن الجوهر لم يختلف قيد أنملة.

أصبح السرد التوراتي لتلك الأحداث هو التاريخ الحقيقي والمطلق لفلسطين والمنطقة، وهو ما فضحه المؤرخ البريطاني كيث وايتلام في كتابه: اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفسلطيني، حيث يرى وايتلام أنَّ تاريخ فلسطين تعاقب من خلال عدة حضارات، وإسرائيل القديمة لم تكن إلا:" خيطاً رفيعاً من التاريخ الفلسطيني الغني". ومن ثم فإنَّ الخطاب التوارتي متورط في تجريد الفلسطينيين من تاريخهم في العصور القديمة، وهو ما قصده وايتلام بعبارة: إسكات التاريخ الفلسطيني.

بداية نقض الرواية التوارتية

اكتشاف أسرار اللغات القديمة للرافدين ومصر وبلاد الشام، وقراءة النصوص المنقوشة على بقايا العاديات المكتشفة، والمعابد والسجلات.. الخ؛ قدمَ خدمةً جليلةً للعلم، وبالتالي أصبح علم الأركيولوجيا (الحفريات) رافعةً كبيرة لدحض ونقض الرواية التوراتية بالكامل؛ وهو ما شجع على ظهور تيار بين المؤرخين سواء في الأكاديميات الغربية أو الكيان؛ اُشتهر بتيار المؤرخين الجدد، الذي حاول قراءة تاريخ فلسطين بعيداً عن التوراة وميثولوجيتها، من أبرز هؤلاء: توماس تومبسون، وإسرائيل فلنكنشتاين، وإشر سليبرمان وغيرهم كُثر.

وتوصلتْ هذه الكتابات بعد الحفر والتنقيب في كل شبر من أرض فلسطين وسيناء، أي كل الأراضي التي خضعت للاحتلال سواء بعد 1948م و 1967م إلى نتائج خطيرة  ومثيرة غابت عن العقلية العربية وذهنيتها المكبلة بالقيود الدينية والعقائدية، من أبرز هذه النتائج كمثال: أنه لم يوجد دليل علمي من الآثار والحفريات على وجود شخصيات إبراهام واسحاق ويعقوب والأسباط- ولا يوجد دليل أثري يؤيد أنه كان هناك خروجاً من مصر أو دخولاً- وليس هناك ما يثبت وجود مملكة دواد وسليمان... الخ هذه النتائج المثيرة والمدهشة؛ وهي تنسف الرواية التوراتية من أساسها التي يقوم عليها زعم الحركة الصهيونية سواء في شقها العلماني أو شقها الديني المرتبط بأحقية اليهود في هذه الأرض باعتبارها وطنهم القديم؛ وها هم عادوا إليه بمساعدة ومباركة الإمبرياليات البريطانية والفرنسية والأمريكية والألمانية (التي قامت بذبح اليهود في ثلاثنيات وأربعينيات القرن المنصرم؛ ليتم ترحليهم من أروربا والتخلص من العبء اليهودي الذي كان يقض مضجع الأوربيين)!

لم ينتبه العرب للأسف لمثل هذه النتائج المهمة، بل حتى لم تتحدث عنها أي وسيلة إعلامية مقروءة أو مسموعة أو مرئية، اللهم إلا قلةٍ من الباحثين الجادين والمرموقين وعلى رأسهم المفكر السوري الأستاذ فراس السواح- متعه الله بالعافية- والذي كتب ثلاثة كتب مهمة في هذا الشأن: آرام دمشق وإسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي- الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم (الذي فند فيه نظرية كمال الصليبي عن توراة عسير)- تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود، وهي كتب غاية في الأهمية لصرامتها العلمية من جهة؛ ولبناء نتائجها على علم الأركيولوجيا، وما توصل إليه الأثريون الغربيون والإسرائيليون في هذا الشأن.

وعليه لا بد من إعادة كتابة تاريخ فلسطين القديم وفق هذه الاكتشافات والنتائج، وليس وفق سردية التوراة وباقي السردية الإبراهيمية الكبرى (التي تحتوي الثلاثي: اليهودي- المسيحي-المسلم)، وهنا ومن هذا المنبر ندعو إلى اجتماع لأبرز المؤرخين والأثريين العرب؛ لأخذ زمام المبادة؛ وبداية إعادة النظر في التاريخ القديم للمنطقة وفلسطين بشكل جذري، وإنشاء مراكز أبحاث لمتابعة هذا الشأن الخطير.

وهنا كذلك يأتي دور الطلائع التقدمية في عموم المنطقة العربية لتبني تلك الرؤى، وترويجها بين جماهيرها المغيبة والمكبلة بالغيبيات؛ وخلق ثقافة تاريخية مغايرة للثقافة السائدة في المنطقة؛ مع إدراكنا لصعوبة الأمر ومجابهة أفكار ورؤى دوغمائية شديدة المحافظة ذات منابع لاهوتية وعقائدية؛ لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح؛ فلابد ألا يقف شىء كائناً من كان أمام حقائق ونتائج العلم.

والمؤسف أن الانطلاق من منطلق ديني في فهم الصراع؛ بعد صعود الإسلام السياسي؛ أعطى للسردية التوراتية شرعية جديدة، ونفخ فيها الروح بعد أنْ كادت تلفظ الأنفاس الأخيرة تحت ضربات الأركيولوجيا التي كذبتْ كل مزاعم مدوني التوراة حول أرض الميعاد والوعد بها.

لذلك يجب علينا دائماً أن ننقض التوارة ولا نكتفي فقط بنقدها، ليس من منطلق عقائدي أو لاهوتي، بل من منطلق تاريخي حتى يتم تحرير تاريخ فلسطين؛ ليكون بداية لتحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر.