Menu

مفارقة العقل والإيمان

سعود سالم

ليس هناك تناقض جوهري بين ما نسميه عادة بالفكر الغيبي وبين ما يسمى بالعقلانية أو بالمنهج العقلي. فالفكر "الغيبي" رغم كونه مجرد مصطلح واسع وفضفاض نستعمله لتسهيل التواصل ولاختصار الطريق، ولكنه في معناه العام يعني "فكرا" معينا ذا خصائص ومواصفات يتميز بها عن الفكر الآخر الذي ننعته بالعقلي وبالمستنير والتقدمي والعلمي.. إلخ. الفكر الغيبي إذا هو فكر يستمد مصادره وأسسه وقواعده وشرعيته من "الغيب"، أي مما لا نعرفه معرفة يقينية ولا سبيل إلى معرفته، وهذه الأسس والقواعد الغيبية، كالله والأنبياء وتعاليم الكتب السماوية هي مصدره الوحيد لاستنباط المفاهيم والقيم العامة التي تشكل موقف هذا الفكر ونظرته إلى العالم من الناحية الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والعلمية. ومع ذلك فإن هذا الفكر رغم ميوعته ومطاطيته وقدرته على التلاؤم وامتصاص كل المفارقات والتناقضات، يستعمل نفس المناهج العقلية العامة المتعارف عليها للوصول إلى نتائجه واستنتاجاته وتوجهاته الإيديولوجية. فالله هو المحرك الأول في هذا الفكر، ولكنه سرعان ما يترك مكانه للعقل ليواصل مهمة التفسير الإقناع والتعبئة، وهو ما نظّره العديد من الفلاسفة المسيحيون من أمثال أنسلم وأوغسطين.  

القديس أوغسطين، ولد 13 نوفمبر 354 في تاجاست - سوق أهراس بالجزائر حاليا، توفي 28 اغسطس 430 في هيبون -عنابة حالياً- يتحدّر من أصول أمازيغية، فأمه مونيكا أمازيغية ومسيحية مؤمنة، أما والده، فكان وثنيا رومانيا. يعتبر من كبار آباء الكنيسة، ودكتور للكنيسة الكاثوليكية وفيلسوفا ساهم في تطور الفكر الفلسفي المسيحي. يعتبره الكاثوليك من أهم الشخصيات التي ساهمت في إثراء الفكر المسيحي وتنوعه. وعين أسقفا لمدينة هيبون، وتأثر بكثير من التيارات الفكرية في عصره، وانتهى بالإيمان بالمسيحية، وقد ترك العديد من الرسائل والكتب أهمها "مدينة الله"، وكتاب "الاعترافات" الذي يتعلق بتجربته الروحية. كان يؤمن بالجبر وبأن تاريخ البشر عبارة عن صراع بين مملكة الرب ومملكة الدنيا. ورغم نشأته المسيحية، فإنه لم يعتنق المسيحية في بداية حياته بل اجتذبته الديانة المانوية، لأنه مذهب عقلي يدعو للبحث عن الحقيقة بغض النظر عن كل سلطة روحية كتابية أو دينية، بالإضافة إلى أن المانوية كانت أقرب إلى طبيعته ونزعته الحسية ورغبته في الاستمتاع بالحياة، ففي شبابه عاش أوغسطين حياة مرحة واستمتاعية وبالذات أثناء الفترة التي قضاها في قرطاج، حيث كانت له علاقة مع امرأة ستكون خليلته لمدة 15 عاما. فالمانوية تدعو إلى وجود أصلين للعالم النور والظلمة، وأنه من طبيعة الوجود أن تكون الظلمة إلى جانب النور والخير إلى جانب الشر، فكلاهما ضروري وحقيقي ولا يوجد أحدهما بدون الآخر. وبعد اعتناقه للمسيحية وتركه للمانوية، أخذ يفكر في العلاقة القائمة بين العقل والإيمان، نظرا لتجربته التي قادته في نهاية المطاف إلى الإيمان بالمسيحية. فهو يرى أولا أن العقل يسبق الإيمان، حيث العقل هو الذي يبين قيمة الحقائق الإيمانية من ناحية وجوب الاعتقاد بها أو عدم وجوبه. وثانيا من الناحية الزمنية، الإيمان يسبق العقل حتى يتمكن هذا العقل من التفكير في الإيمان وتعقله. أما من ناحية الهدف، فهو يرى أن الإيمان يكون مقصده التعقل، فلا يكون إيمانا ساذجا بل إيمانا عقليا، نظرا لأن الإيمان من الناحية المعرفية يقع في مرتبة أقل بكثير من التعقل، فلا بد إذا للارتفاع من مرتبة الإيمان الطفولي الساذج والموروث إلى مرتبة التعقل، أو كما يقول "أؤمن من أجل أن أتعقل".      

أما أنسلم رئيس أساقفة كنتربري ومن فلاسفة أوربا في القرن الحادي عشر فقد ولد سنة ١٠٣٣ في أوستا Aosta في شمال إيطاليا وتلقى تعليمه في مدرسة دينية ثم رحل في شبابه إلى فرنسا، حيث واصل دراسته في مقاطعة نورماندي، ودرس فيما بعد في هذه المنطقة، ثم أصبح رئيساً للدير، ونال شهرة وكثر عدد تلاميذه، وانتهى به المطاف رئيساً لمطارنة كنتربري سنة 1093م. وكان له دور في الصراع بين البابوية ومملكة إنكلترة. وهو يمثل خير تمثيل ما نريد قوله عن العلاقة بين النظرة العقلية والدينية للوجود والعالم. فهو يدعو إلى الإيمان الذي ينشد التعقل مثله مثل أوغسطين، ويرى أن "الإيمان يتوج العقل" ويعتقد بأن المعرفة العقلية أعلى مرتبة من المعرفة الإيمانية، حيث يصنف المعارف في ثلاثة مراتب، المعرفة الإيمانية ثم المعرفة العقلية ثم رؤية الله وجها لوجه وهي الدرجة العليا من المعرفة.. "أقول بأنه بين الإيمان ورؤية الله، يقوم العقل - الذي لنا في هذه الحياة - وسطا بين الإثنين". غير أنه في حقيقة الأمر، القديس أنسلم لم يكن يقوم ببحوثه الفلسفية واللاهوتية لكي يصل إلى الإيمان، وإنما كما يقول "إنني أؤمن لأتعقل"، في تناقض صريح مع منهجه السابق الذكر بتقديم العقل والاستقراء والبرهان على الإيمان، أي أن الإيمان كان نقطة البداية في بحثه عن أدلة عقلية تبرهن منطقيا عن وجود الله. ولا شك أن الدليل الرابع عن وجود الله والمعروف بالدليل الأنطولوجي لا يمكن فهمه خارج المنظومة الفكرية الغيبية للقديس أنسلم، حيث يفترض فكرة الله ككائن مطلق الكمال ولا يمكن تخيل أعظم أو أشد كمالا منه، ويستنتج من ذلك أن الله ليكون كاملا كمالا مطلقا لا بد وأن يوجد في الحقيقة، وليس في الذهن فقط، لأن الوجود الواقعي أشد كمالا من الوجود الذهني. بمعنى إذا كانت هناك فكرة تفرض نفسها على العقل كفكرة وجود الأكمل، فإن هذه الفكرة لا تستوفي كمالها حتى تتحقق في الخارج. ونقد هذا الدليل من منطلق أن النتيجة محتواه في المقدمة، وبالتالي فإن الدليل مصادرة على المطلوب غير مجدية وتفتقر إلى الفعالية، لأن منطلق أنسلم يفترض أن ماهية الله ككمال مطلق تتزامن مع وجوده، ويفترض أن هذه الفكرة تفرض نفسها على الفكر البشري حتى دون وعيه بها. وهكذا نرى الطريق المسدود الذي يواجهنا كلما حاولنا محاورة الفكر الغيبي، والذي غالبا ما يستعمل كما سبق القول المبادئ والأسس المنطقية والفلسفية العقلية، ذلك أن هذا الفكر ينطلق من مقدمات غيبية لا تخضع للتحليل العقلي ولا تتقبل فكرة الخطأ والصواب، وعليه لا بد من الإيمان بها أولا لمواصلة الحوار المنطقي والعقلي لاحقا. ولا توجد في التاريخ الفكري والفلسفي الإسلامي أو المسيحي أو غيره شخصية واحدة توصلت إلى الإيمان بالله عن طريق الاستقراء المنطقي، الإيمان دائما يسبق العمليات الفكرية المختلفة التي تأتي لتسانده أو لتعطيه نوعا من الشرعية العلمية.