Menu

ما تَقُولُهُ دُرَّةُ الأرضِ أو "هَكَذَا تَتِكَلَّمُ فِلَسْطِين" الرِّسَالةُ الثَّانية: حِوَاريَّةُ الفِلَسطينيِّ والأَرْض

عبد الرحمن بسيسو

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة الهدف الإلكترونية

تنبثقُ من مكانٍ عميقٍ، بعيدِ الغَورِ والقَرار، نغماتٌ موسيقيةٌ جريحةُ تبثُّ حَشْرَجَةَ رَجاءِ مَخْنُوقٍ وغَمٍّ كَظِيم. تستمرُّ أصوات هذه النَّغماتُ في الانبثاق والتَّصاعدِ التدريجيِّ بتناوبٍ لحنيٍّ لافتٍ ما بين ربابةٍ وعودٍ وقيثارةٍ وناي، إلى أنْ تستقرَّ كخلفيةٍ موسيقيةٍ مُتشابكةٍ، متعدِّدةِ الأصوات، هي أشبهُ ما تكونُ بحواريةٍ أليمة بين جهاتٍ الأرضِ الأربعةِ؛ حِواريةٍ تأسى لما آلَ إليه حالُ الأرضِ والنَّاس، ولما يُعانِيهِ قلبُ الأرضِ، ودُرَّةُ تاجِ الوجود: "فلسطين"، من احتلالٍ صهيونيِّ مصحوبٍ بظلمٍ وعسفٍ، وسلبٍ ونَهبٍ، واغتصابِ حقوقٍ، وتزييفِ ماضٍ، واحتجازِ حاضرٍ عن الخطوِ الواثِقِ صَوبَ مستقبلٍ حضاريٍّ ينشدهُ الوجودُ الإنسانيُّ الحقُّ.

ثُمَّ يَصِلُنَا صَوتُ الشَّبَحِ من داخِلِ القَبْرِ مَحْمُولاً على تلك الخلفية الموسيقية الخافتة الصَّوت، وكأنما هو يُتابعُ كلامَه السَّابقَ الذي خَتَمَ به الرِّسالة الأولى (طريق الحياة)، ناقلاً الإجابة عن سؤاله الذي كانَ قد وجَّهَهُ إلى حبَّات الثَّرى، فلا نُصْغِي، هنا، إلى "صوتِ الأرض" يُخاطبنا مُباشرة، بل إلى صوتِها يصلنا محمولاً على صوت الشَبَحِ الذي يُقدِّم لانبثاق صوتها عبرَ نقلهِ إجابتها، كما نطقتها، بحيثُ نُصغي عُقب ذلك إلى صوت الأرض مُباشرةً صَاعداً من أغوارها العميقة، مُنخَفِضاً، مُشَقْشِقَاً التُّرابَ، كَصَدىً مُتَحَشْرِجٍ، أو كَرَجْعِ صدى لصَوتٍ انطلق من غورٍ عميقٍ بعيدِ القرار، فلا يصلنا إلا خافتاً، أو محمولاً على صوتِ الشَّبحِ القابع في أعماق القبر، ويستمرُّ التَّنَاوبِ المنفصلِ، ثمَّ التَّداخل المتشابك بين الصَّوتينِ، إلى أنْ يندمِجَا في أداء نَشِيدٍ مُلْتَحِمِ الصَّوتِ، مًوحَّدِ النَّبرات.

الشَّبَحُ (من داخل القبر):

فَقَالَتْ لِيَ الأرْضُ جَدَّتيَّ الغالية:

"إني اصْطَفَيتُكَ لي قَبْضَةً مِنْ تُرابٍ تَعُودُ لِصَدْري،

وإنِّى اصْطَفَيتُكَ للنَّاسِ بذرةَ خَلْقٍ جَدِيدْ

فإنَّكَ مِنْ ..."

(يَخْفُتُ صَوتُ الشَّبَحِ تَدْريجِياً إلى أنْ يَتَلاشَى لِيَشْرعَ صَوتُ الأرضِ في الانْبِثَاقِ مُكْمِلاً الكَلِمةَ الأخِيرةَ لِتَصِيرَ: "مِنِّي"، بإضَاَفةِ المَقْطَع: "نِّيْ" إلى المقْطَعْ: "مِنْ" الذي نَطَقَهُ صَوتُ الشَّبَحِ مُسَكَّنَاً، والذي حَرَّكَهُ صوتُ الأرضِ ودَغَمَ نُونَهُ وأَسْنَده إلى يائهَا ليَشُدَّ الحفيدَ (الشِّبحَ) بِكُلِّيَّتِه إليها، ناسباً إيَّاهُ إلى ابنتها: "فِلسطينَ"، ولتَأخُذَ هي، باسمها وباسم الوجودِ، نَاصِيَةَ كلامٍ يُؤصِّلُ انتماءَهُ، مُفْصِحَاً عن نُبلِ وُجوده، ورُسوخِ جُذوره، وحتميَّة انبعاثِه، قَويَّاً وقادراً، من جديد)

الأرضُ الأُمُّ الْكُبْرَى:

إنِّي اصْطَفَيتُكَ لِي قبضةً من تُرابٍ تَعُودُ لِصَدْري،

وإنِّى اصْطَفَيتُكَ للنَّاسِ بذرةَ خلقٍ جديدْ،

لأنَّكَ مِنٍّي،

إليَّ انْتَمَيتَ،

وفي رحْمِ قَلْبي جَنِينَاً نَمَوْتَ،

ومِنْ تُربتي قُدَّ جِسْمُكْ،

ومِنْ مائيَّ الحُرِّ أُنْدِيَ جِلْدُكْ،

ومِنْ صُلْبِ أعراقيَّ المُشْعَبَاتِ برُوحِي،

ومِنْ فَيضِ قَلْبي،

جَرَى في عُرُوقِكَ دَفْقُ الدِّمَاءْ،

ومِنْ رُوُحِ رُوحِي "فِلَسْطِينَ"،

ابنتيَّ الْمُصْطَفَاةِ،

سَرَى فيكَ رُوحُ الْحَيَاةِ،

وبَرقُ السَّنَاءِ،

ونبضُ الْفِدَاءْ.

(يَخْفُتُ صَوتُ الأرضِ تَدْريجِيَّاً إلى أنْ يَتَلاشَى لِيَشْرَعَ صَوتُ الشَّبَحِ في الانْبِثَاقْ)

الشَّبَحُ (مِنْ دَاخِل القَبْر):

وَقَالَتْ لِيَ الأرْضُ جَدَّتيَّ الْغَالية:

"وَحِينَ تَجَسَّدْتَ خَلْقَاً سَوِيِّاً،

أَلمَّ بأُمِّكَ طَلْقُ المَخَاضِ،

وطَوَّفَ فيَّ مَلاكُ الْوُجُودِ،

فَأَسْرَعْتُ أَمْنَحُ صَدْرِي إليكَ،

لِتَهْبُطَ مِنْ رَحْمِ قَلْبِي عَلَيهِ،

فَأَسْعَدُ بِكْ، وأَسْعَدُ لَكْ،

فَتَرْنُو إليَّ، وأرنُو إليك،

وتحنو عليَّ، وأحْنُو عَلَيكْ؛

فَمَا إنْ أَخَذْتُكَ في سَاعِدَيَّ؛ لأرقدْكَ مَهْدَكْ،

حتَّى تَنَاهَى إلى سَمْعِ أُمِّكَ صَوتٌ يُحَاكِيَ صَوتَكْ،

فَهَبَّتْ إليكَ، بِلَهْفَةِ أُمٍّ حَنُونٍّ رَؤُومٍّ، تُلبِّي نِدَاكْ،

وتُدْنِيكَ مِنْ حَلْمَةِ الثَّديِّ تُثري هَواكَ، وتُغْني رُؤَاكْ،

وتُرْضِعكَ ما اكْتَنَزَ الْقَلْبُ والْعَقْلُ،

والرُّوحُ، والحِسُّ، والحَدْسُ، والْمُقْلَتانِ،

مِنَ الحُبِّ والنُّورِ، والْحِلْمِ والحُلْمِ،

والخَيرِ والتَّوْقِ، والعِزِّ والمجْدِ،

والجأش والبَأسِ،

والصِّدْقِ، والرُّشدِ، والْعُنْفُوانْ".

(يَشْرَعُ صَوتُ الأرضِ في الانْبِثَاقِ ليُشاركَ، في تَدَاخُلٍ صميميٍّ حَمِيمٍ، صَوتَ الشَّبَحِ (الْحَفِيدِ) نُطْقَ الكلمات الأَخِيرة: "الحُبِّ والنُّورِ والْحِلْمِ والحُلْمِ والخَيرِ والتَّوقِ والعِزِّ والمَجدِ والجَأْشِ والبَأْسِ والصِّدقِ والرُّشدِ والْعُنْفُوانْ"، ثم تُوَاصِلُ الأرضُ الكلامَ مُنْفردةً، لِتُخاطِبَ حَفِيدَهَا العَائِدَ، لِتَوِّه، إلَيهَا، لِيَتَهيأ في رحُمْهِهَا لِولادَةٍ وُجُودِيَّةٍ جَدِيدَةْ، وأثناءَ ذلكَ تُمَرَّرُ على الشَّاشةِ، مَصْحُوبةً بألحانٍ مُوسِيقِيَّةٍ ومُؤثراتٍ صَوتيةٍ مُلائمةٍ، مَشَاهِدُ سينوغرافيَّة تُصَوِّرُ الحركةَ والأوْصَافَ والأحداثَ والوقَائعَ التي تَرْسُمُهَا في فَضَاءات المُخيِّلةِ أصَابِعُ الكَلِمَاتِ إذْ تَتَشابكُ لتَبُثَّ، في أرجاء الكونِ، معانيها)

الأرضُ الأُمُّ الْكُبْرَى:

وحِينَ نَهَضْتَ مِنَ الْمَهْدِ تَحْبُو على صَدْرِ أُمِّكْ،

رَأْيتُكَ تَعْلُو مُنْتَصِبَاً،

وعَلى صَدْرِيَ تَخْطُو:

هَا هُوَ ذَا خَطْوُكَ يَتْلُو في مِحْرابِ القَلْبِ تَهَالِيلَ فَرَحْ؛

وهَا هي ذي كَلِماتُ تهاليلِكَ تَتهادى مع رجْعِ صَدَى قَدَمَيكَ:

قَدَمَيْكَ الَواثِقَتَينِ مِنَ الخَطْوِ المَرْقُومِ عَلَى ذاكرةِ الكَعْبَينْ؛

وهَا هِيَ ذِيْ قَاَمَتُكِ العَالِيةُ تُحَاكِي قِمَّةَ حُلُمِكْ،

وهَا إنِّي أُبْصِرُكَ تَغُذُّ الخَطْوَ الذَّاهبَ صَوبَ مَراقٍ،

ومَدَاراتِ وُجُودٍ عاليةٍ،

تُصْدِقُ، مع صيرورة خَطْوكَ، سَعْيَكْ،

وتُجَلِّي، في أبديَّة سَعْيِكَ، إنْسَانِيَّةَ وَعْدِكْ:

هِيَ ذِي أَسْرَابُ طيورٍ زاهِيةِ الأَلْوُانِ

تُغَرِّدُ مُفْعَمَةً بِنَشِيدِ خُطَاكْ؛

فَإِذَا بِضُرُوعِ الأُمِّ تُدِرُّ؛

وإذا بالحُمْلانِ وقُطْعَانِ الماعِزِ والأَغْنَام وشَتَّى الأَنْعَامِ

تَجُوسُ بِحَقْلِكَ،

تَرْكُضُ خَلْفَكَ،

تَرْعَى ما أنْبَتَ خَطْوُكَ مِنْ عُشبٍ يَانِعْ،  

وإذَا بِيَنَابِيعِ النِّعْمَةِ تَنْبَجِسُ بِأَرْضِكْ،

وإذَا بالدَّيمَاتِ الخَضْراواتٍ يُعَانقنَ رَواسِيكْ،

وإذا بالأَنْهَار الثَّرةِ تَتَهَادَى في أَرْجَاءِ رَوابِيكْ،

وإذَا بِجَدَاولِ أَنْهَارٍ،

ومَدَارَاتِ غُيُومٍ مِنْ غَيثٍ حَيَويٍّ خلَّاقٍ،

تَتَهَيَّأُ في الأَرْضِ، وفِي شَتَّى الآفَاقْ،

وإذَا بِبُحَيرَاتٍ تَتَشَكَّلُ في الوُدْيَانِ الآهِلَةِ

كَمَا الْغَيمَات،

وإذَا بالإنْسَانِ الخَلَّاقِ المَنْذُورِ لإعْمَارِ الكَونِ، وإبْهَاجِ الخَالِقِ،

يَشْرَعُ في بَدْءِ نَعِيمِ الجَنَّةِ فِي سِعَة الأَرْضِ؛ لإسْعَادِ النَّاسِ؛

فَإِذَا بالأُروضِ سَمَاواتٍ، وبالسَّمَاواتِ أُرُوضْ!

 (تُمرَّر على الشَّاشَة، مصحوبةً بألحانٍ موسيقيةٍ ومؤثرات صوتية مُلائمة، مشاهدَ تُصوِّرُ ما سيلي من أوصافَ، وأحداثٍ، ووقائعَ، تَرْسُمُهَا الكلماتِ التي تأتينا محمولةً على صَوتِ الأرضِ: الأُمِّ الكُبرى، فَنُصغي إليها على نحو ما يُصْغي إليها الحفيدُ الذي تُخاطبهُ، وكأننا جميعاً، ذكوراً وإناثاً، إيَّاه.)

الأرضُ الأُمُّ الْكُبْرَى:

"وحِينَ نَهَضْتَ مِنَ الْمَهْدِ تَحْبُو على صَدْرِ أُمِّكْ، رَأْيتُكَ تقفُ، ثُمَّ رأيتُكَ تمشي، ثُمَّ رأيتُكَ تَصْعَدُ مَراقي الْجَبالِ، تَسبقُ، مَلْهُوفاً لملاقاة تنشدُ، خَطْوَكَ، فيما تُظلِّلكُ سحابةٌ خضراءُ، وتُحِيطُ بك أسرابُ طيُورٍ مُغرِّدةٍ زاهيةِ الألوانِ، ومواكبُ عصافيرَ شَمْسٍ، ونَحْلٍّ مِدْرَارٍ، ويَمَامٍ هَديليٍّ فتَّانٍ، فإذا بضروع أمِّكَ تَدُرُّ في كيانِكَ الكُلِّيِّ وأجنحَةِ وُجودكَ، لبَنَاً مُعسَّلاً؛ وإذا بشقائق النُّعمان، والزَّهرِ والوردِ والعنبرِ، وسَنَابِلِ الحنْطَةِ، ونباتِ الزَّعترِ، وأشْجارِ التِّينِ والزَّيتونِ، والبُرْتُقَالِ والتُّوتِ، والْكَرْمَةِ، والصُّنَوبرِ، ونباتاتٍ وأعشابٍ وأشْجَارٍ كثيرةٍ أُخرى تُغطِّي صَدْرَ أُمِّكَ الأرضِ؛ ابنتي الغاليَةِ عليَّ: "فلسطين"، مزهوُّةً بِنَضَارَتِهَا الْيَانِعَةِ، وبأزليَّة إثْمَارِهَا الوجوديِّ، وأبديَّته.

وإذا بالحُمْلانِ وقطعان الماعزِ والأغنام وشتَّى الأنعامِ تَمُوجُ بحقلكَ، تركضُ خلفكَ، تَرْعى ما أنْبَتَ خَطوكَ من عًشبٍ يانعْ. وإذا بجداولِ أنهارٍ، وبحيراتٍ، وينابيعَ، تَنْبَجِسُ هامسةً يشفُّ صفاؤها عن أسماكٍّ مُلوَّنةٍ، وعشبٍ أخضرَ الضَّوءِ، وقاعٍ أملس رقيقْ، تمدُّ أذرعها تُعانُق أرضكَ كي تَسْقِيهَا أعذبَ ماءٍ. وإذا بالْمُدنِ الطِّفلةِ، والْكُوَرِ والْقُرى، تَصْحُو موَّارةً بالحياة مَزهوَّةً بوقِفتها الواثقةِ على قمم الجبال والهِضابِ والشَّواطئ، وإذا بالواحاتِ تَتَّسعُ مُخَضِّرةً الصَّحَارى، ناثرةً على وجه رملها جداولَ الماءِ، وشساعة الحُقُول.

وإذا بك ترفعُ يَديكَ فاتحاً راحتيك، مُشرئباً بوجهكَ الطَّالعِ من رحْمِ الأرض إلى السَّماءِ، مُتأمِّلاً شاكراً، وإذا بك تَنْحَنِي سَاجِياً على صدْرِ أُمِّكَ الغاليَةِ تُقبِّلُ وجنتيها لِتَنْهَضَ، مِنْ ثَمَّ، مُفْعَمَاً، وإيَّاهَا، بالْحَيَاةِ، حَامِلاً في صُلبِ وجدانكَ رسالتها، وعلى كتفيك جذوعَ صُنَوبرِ، راكِضاً بِها بلهفةِ مُغامرٍ جسورٍ صَوبَ البحرِ، لِتُوغِلَ فيه مُستكشِفاً دُرَّهُ الكامنَ، وكاشِفاً دَفِينَ أسْرارهِ؛ فإذا بجذوعِ الصُّنوبر تَطْفو فوقَ خِضَمِّ بَحْرِكَ الشَّآميِّ المائجِ، وإذا بكَ تَرْكَبُ صَهَواتِهَا الجَامِحَةِ مُغامراً مُستكشفاً وكاشِفاً، تَطُوفُ، بِسَفائِنِكَ، رحابَ العالمِ، مُوغِلاُ صَوبَ أقصى أقاصيه، لِتودعَ رسالةَ أُمِّكَ في صُدُور قاطنيه لِتُفْعِمَ أرواحهم بأرائجَ الوجُود الإنْسانيِّ الحَقِّ ليُصْغُوا، بإرهافِ سَمْعٍ، إلى نداءاته. 

وها إنِّي لأُبْصِرُكَ الآنَ، مُشِعَ الصَّدْرِ بِنُورٍ وهَّاجٍ ينبعثُ من وشمٍّ أُرجوانيِّ اللَّون يُزيِّنُ سَاعِدَكَ؛ هُو صُورةُ أُمِّك: "فِلَسْطين" الفاتِحَةُ سَرِيرَتَكَ، وكُنُوزَ حضارَتِكَ، ومكتنزاتِ وِجدانِكِ الإنسانيِّ الكُلِّي، لأبناءِ جَدَّتك؛ أمِّ أُمِّكَ، ولبَنَاتِهَا، وأحفادها وحفيداتها، الذينَ واللَّواتي، إليهم وإليْهُنَّ، بَسَطْتَ كَفَّيكَ الْمِعطَاءَينِ على وُسْعِهِمَا، فإذا بِهِمْ وبِهِنَّ، مِثْلُكَ، يَفْعَلُون ويَفْعَلْنَ، فيأخذونَ مِنْكَ ويأخُذنَ، وإليك يُعْطُونَ ويُعْطِينَ، وبِنُورِ رسَالاتِك الأَرْضِسَمَاوِيَّةٍ، الْمَحْمُولةِ في صَدْركِ وعلى أكُفِّ حَضارتِكَ الإنسانيَّة الوهَّاجَة، يَمْلأُون ويَمْلأْنَ الصُّدُورَ، فيلتقطوا منْ سَخاءِ راحتيكَ بذورَ إنسانيَّتهم، ويلتَقِطْنَ، وفي أصلاب الوجدانِ يَغْرِسُونَهَا، ويَغْرِسْنَهَا، فَتُونِعُ، وتُزْهِرُ، وتُثْمِرُ، فاتحةً الحَيَاةَ على خُصُوبةِ الحَيَاةٍ، ومُفعِمةً الوُجُودَ البشريَّ بِجَوهَرِ الإنْسانِيَّةِ، وبثراءِ الوُجُودْ."  

(توقُّف انتقالي قصير تتخلَّله موسيقى، ومشَاهد سينوغرافيَّة، تبثُّانِ أجواءً مُبْهِجةً تتجاوبُ مع ما روته الأرضُ الأمُّ الكُبرى في الفقرة السَّابقة، أو مع ما تمَّ عرضه على الشَّاشَّة من صورٍ وأحداثٍ ووقائعَ تتعلَّقُ بصنائعَ حضاريةٍ خالدةٍ، وتُوحي بالاستمرار في قَصٍّ يُحَاكي قصَّة الحضارة الكنعانية الفلسطينية، ويُذكِّرُ العالم بأسره بها. ينخفضُ صوتُ الموسيقى ونعودُ للإصغاء إلى صوت الأرضِ الأم الكبرى وهي تقصُّ على مسمع حفيدها، الذي يحتضرُ الآنَ دافناً رأسه في صدرها، جوانبَ من حكايته المُتَحَقِّقَةِ عبر آلاف السِّنين، كما شهدتها بنفسها، وكما عاشتها على مدى الأزمنة.

يشرعُ الحفيدُ، عند سماعِ عباراتٍ تنطقها الجدة مُحاكِيَةً أزمنةَ فُتُوَّتِهِ وشبابه ومغامراته الحضاريَّة الخلاَّقة، في رفع رأسه عن صدْر جدَّته، فيفشلُ مراتٍ عديدةً، ثُمَّ يتمكَّن من ذلك لمرة واحدة سرعان ما تُجْهَض. وفي كُلِّ مرَّةٍ يحاولُ فيها الحفيدُ رفع رأسه، يَصلهُ صوتُ رَسُولةٍ من رُسُل التاريخ يُكرِّر جُمْلةً مِمَّا نطقتهُ الأرضُ الأمُّ الكُبرى، وكأنما هي تحثُّهُ، باسم الوجودِ الإنسانيِّ الحَقِّ، على النُّهوضِ، وتمدُّهُ بقوةِ حَضَارتهِ، وتاريخِهِ، ووعُود مُستقبلَه الحياتيِّ الوُجوديِّ، كي يفعل.

وحينَ تَشْرَعُ الْجَدَّةُ في نُطقِ الْعِبارةَ التَّالية: "وتَكْسُو جُدْرَانَهُ كَلِماتٌ وعِبَاراتٌ وجُمَلٌ برَّاقةٌ خُطَّتْ بِماءِ ورُودٍ أرجوانيةٍ وَعُشِّقَتْ بَحبَّاتِ دُرٍّ وزَبَرْجَدٍ وَمَرْجَانٍ وعُروقِ زَنْبَقٍ بَحْرِيٍّ وَرَيْحَانٍ"، يتداخلُ صَوتُ رُسُلُ التَّاريخ الثَّلاث مع صَوتِها وهُنَّ يَقرأنَ بِصَوتٍ خاشِعٍ، أو وهُنَّ يُصْغِين لصُوتِ مُقْرِئٍ ترتيليٍّ كأنَّما هو صَوتُ الوجُود مَحْمُولاً على مَوْجِاتِ أثيريَّةٍ لا يفُكَّ رموزها الصَّوتيَّة إلَّا هُنَّ، الآياتِ القرآنية والإنجيلية التَّالية: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدْ، اللهُ الصَّمَدْ، لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لهُ كُفُواً أَحَدْ"، و"إنِّي أنا الله لا إله إلاَّ أنا فاعبدني وأقمِ الصَّلاة لِذكْري"، و"مَكتُوبٌ للرَّبِ إلَهِكَ تَسْجُدْ وإيَّاهُ وحْدهُ تَعْبُدْ، و"قدْ أَقمْتُكَ نُوراً للأُممِ لِتَكونَ أنْتَ خلاصَاً إلى أقصى الأرض"، و"يِا أيُّهَا النَّبيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذيِرا، ودَاعِيَاً إلى الله بإذْنِهِ وسِرَاجاً مُنيرَا" و"هُوَ الَّذي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّه وكَفَى باللَّه شَهِيدا". وخلال قراءة الآياتِ تأخذُ الشَّبحَ (الحفيد) حاَلةَ خُشُوعٍ هو أقربُ ما يكون إلى الوَلَهِ، ويَغْمُرُه شُعُورٌ واثقٌ مِنْ أنَّه سَيَتَمَكَّنُ، ذاتَ مُحَاولةٍ قريبةٍ، مِنَ النُّهُوضِ ومتابعة الخَطْوِ).

مُلاحظة نَصِّيَّة: هذا النَّصُّ هو مُفتَتح الرِّسالة الثَّانية، التي هي بمثابة الفصل الثَّاني من النّص النثري الشِّعري المُمَسْرحِ، المعنون بـ: ما تقولُهُ دُرَّة الأرض أو هكذا تتكلَّم فِلسطين"، والتي هي رسالةٌ قيدَ اكتمال الكتابَة. وسيشمل النَّصُّ الكُلِّيُّ، بحسب المُخطَّطِ الكتابيِّ النَّاجز، ثلاثة رسائل؛ أي ثلاثةَ فُصُول. وكانت الرِّسالة الأولى قد حملت عُنوان: "طريق الحياة"، وتمَّ نُشرها في العدد رقم (10) من مجلَّة "الجديد" الثقافية العربية الجامعة، الصَّادر في لندن، في الأوَّل من تشرين الثاني (نوفمبر) 2015.