من تمام جودة القصيدة أن يختار الشاعر الوزن والقافية المناسبين للغرض الشعري الذي ينْظم فيه، بل إن الحركات والسكنات أيضًا لها دلالتها، ولا سيَّما تلك التي تتعلق بالقافية والرَّوِيِّ، وفي مقالتنا هذه اخترنا موضوع (لغة الضاد) عند شاعرين معاصرين لنبيِّن من خلال قصيدتيهما دلالة الوزن والقافية في هذا الغرض الشعري الذي يدور حول بيان شرف لغة القرآن الكريم، ورِفْعتِها وصدارتها فوق اللغات؛ وهاتان القصيدتان عنوانهما واحد، وهو (لغة الضاد)؛ والقصيدة الأولى للشاعر المصري حسن الحضري، والثانية للشاعرة العراقية صباح الحكيم، حيث نجد:
أولًا: قصيدة (لغة الضاد) لحسن الحضري: وهي القصيدة التي يقول في مطلعها:
لغةُ الضَّادِ آمَنَتْ بِعُلاها *** كلُّ نفسٍ سَوِيَّةٍ في رُؤاها
وهي قصيدة من ثلاثة وعشرين بيتًا، من بحر الخفيف، الذي سُمِّيَ بذلك لخفَّته، فهو أخفُّ السُّباعيات، بسبب كثرة أسبابه الخفيفة، فهو يتكون من (فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن)، والسبب الخفيف يتكون من حركةٍ يليها سكون، فموسيقى هذا البيت تكون خفيفة سريعة الإيقاع، تخطف أذن السامع فينتبه إلى ما يسمع، فجاء اختيار هذا البحر مناسبًا لموضوع القصيدة، وكذلك اختيار الروي وهو حرف الهاء، الذي أتاح للشاعر أن يجعله في صورة ضميرٍ عائدٍ على (لغة الضاد) في جميع أبيات القصيدة ما عدا بيتٍ واحدٍ فقط، وهو البيت المنتهى بقوله (يتباهىَ)، الذي تعود ياء مضارعته على محبِّ (لغة الضاد).
ثم قال الشاعر في البيت الثاني معلِّلًا ما ذكره في البيت الأول:
إنما الضَّادُ أحرُفٌ مُشرِقاتٌ *** بضياءِ الهدَى لِمَن يَهواها
هي بالقرآنِ الكريمِ تسامَتْ *** شرَّفَ اللهُ قَدْرَها واصطفاها
يرتوي مِن آدابِها كلُّ صَبٍّ *** مُغرَمٍ لا يملُّ مِن نجواها
حَمَلَتْ لُبَّ العِلم ثُمَّ تباهَتْ *** وتأبَّتْ على مُرِيدِ سِواها
واختيار الشاعر رويَّ الهاء المفتوحة تبدو دلالته بقوة في هذه الأبيات، التي جاءت قافيتها بمفردات توحي بالتَّفرُّد؛ فحين نتأمل مفردات (يهواها، اصطفاها، نجواها، سِواها)؛ نجد أن الهوى ينبغي أن يكون لواحدٍ، وهو هنا (لغة الضاد)، وكذلك (اصطفاها) فالاصطفاء خاص بها وموجَّه إليها دون سائر اللغات، وأيضًا (نجواها) توحي بالسِّرِّية التي لا تكون بين أكثر من اثنين، وهما هنا (الصَّبُّ، ولغة الضاد)، وكذلك قوله (سِواها) التي يُستفاد منها التَّفرُّد بشكلٍ قاطعٍ.
وكذلك جاءت في هذه القصيدة أبيات بها معاني الأفضلية المطلقة لِلُّغة العربية، التي لا تدانيها لغة أخرى؛ ومن ذلك قوله:
هي بين اللُّغاتِ شمسٌ تجلَّتْ *** قُمْ فسبِّحْ باسمِ الذي جلَّاها
جمعتْ أحسنَ المعاني وحازتْ *** سِدرةَ الحُسن في أجلِّ حُلاها
صانها الله مِن قُصورٍ ونقصٍ *** وحَبَاها مِن فضلِه ما حَبَاها
ثم يكشف الحضري عن مسألة لا يكاد نقاشٌ حول العربية يخلو منها؛ وهي مسألة التفوق اللغوي، هل يكون بالفطرة التي يطبع الله صاحبها عليها، بمعنى أن الله خلَقَه متفوقًا وأودع في نفسه ذلك الذكاء اللغوي، أم أن الأمر لا يعدو مجرد التحصيل والممارسة؟؟
وفي هذه المسألة يرى الشاعر أن لغة الضاد لا تحب إلا من يحبها، وأنه لا ينبغ فيها أو يتفوق في علومها إلا من آتاه الله الموهبة في ذلك وألقى محبة العربية في قلبه فنبغ فيها ابتداء من سنِّ الطفولة، يقول الحضري:
أبَتِ الضَّادُ أنْ يُبَرَّزَ فيها *** غيرُ صَبٍّ متيَّمٍ بِهواها
ليس يعلو في الضَّاد إلَّا خَبِيرٌ *** منذُ عهدِ الصِّبا بها يتباهَى
ليس يعلو في الضَّاد إلَّا وَفِيٌّ *** لِعطاياها مُقْتَفٍ لِخُطاها
منذُ عهدِ الصِّبا تَشَرَّبَ منها *** فارتوَى مِن رحيقِها ورَواها
وهذه الرؤية التي نستشفُّها من أبيات الحضري؛ هي رؤية مطابقة للواقع تمامًا، وقد أكد عليها حسن الحضري في موضِعٍ آخرَ من هذه القصيدة فقال:
هبةٌ مِن هِباتِ ربِّكَ فاعلَمْ *** ليس إلَّا بفضلِه تُؤتاها
وقد كان اختيار بحر الخفيف ورويِّ الهاء المطلقة بالفتح؛ له أثرٌ بالغٌ في في ضبط الدفقة الشعورية لدى الشاعر، وتوجيهها في مسار التعبير الصحيح الذي حقق غاية الشاعر من قصيدته على المستوى الأدبي، كما ساهم الإيقاع الداخلي وتناسق السياق وتناغم المفردات ودلالتها في تشكيل صورٍ متفرِّدةٍ تتماشى مع تفرُّد (لغة الضاد) فوق اللغات.
ثانيًا: قصيدة (لغة الضاد) لصباح الحكيم:
وقد جاءت قصيدة صباح الحكيم -التي تبلغ أحد عشر بيتًا- من بحر الرَّمَل، المشتق اسمه من معنى السرعة، وأما الروي في هذه القصيدة فهو الراء الساكنة، وحرف الراء من حروف الجهر القوية، وسكون الروي هنا له دلالته الواضحة على القَصر، فكأنَّ الشاعرة أرادت السرعة في الوصول إلى غايتها فجاءت ببحر الرمل، وأرادت الإعراب عن قوة ممدوحها (لغة الضاد) فجاءت برويِّ الراء، ثم أشارت إلى اكتفائها بهذا الممدوح من ناحيةٍ وإلى رغبتها في انتهاء الكلام ببلوغ هدفها، فسكَّنت ذلك الروي الجهوري، ثم كأنها أرادت أن تترجم ذلك إلى نموذج تطبيقي عملي، فقالت في أول أبيات قصيدتها:
أنا لا أكتبُ حتى أُشتهَرْ *** لا ولا أكتبُ كي أرقَى القمَرْ
فقصرت -ضمنًا- غايتها على ممدوحها، ثم أكدت ذلك بقولها في البيت الثاني:
أنا لا أكتبُ إلا لغةً *** في فؤادي سكنَتْ منذُ الصِّغَرْ
وهذا البيت قريب في معناه من بيت الشاعر حسن الحضري، الذي يقول فيه:
منذُ عهدِ الصِّبا تَشَرَّبَ منها *** فارتوَى مِن رحيقِها ورَواها
لذلك لن نعود إلى تكرار شرحه هنا.
نعود إلى صباح الحكيم فنجد أنها قد بيَّنت ماهية ذلك الممدوح فقالت:
لغةَ الضادِ وما أجملَها *** سأغنِّيها إلى أن أندَثِرْ
ثم بينت في البيت اللاحق ما هي فاعلته نحو هذا الممدوح فقالت:
سوفَ أسرِي في رُباها عاشقًا *** أنحتُ الصخرَ وحَرفِي يزدَهِرْ
وقولها (عاشقًا) بالتذكير أقوى في موضعه من التأنيث؛ لأنها تقصد به جنس المصطلح وذلك أقوى وأبْلَغ من تحديد نوع الموصوف به.
ثم وضحت صباح الحكيم موقفها من اللائمين والعواذل؛ تماشيًا وتناسُبًا مع ذكرِ (العشق) فقالت:
لا أُبالي بالذي يجرحُني *** بل أرى في خدشِهِ فِكْرًا نَضِرْ
وهي بالطبع لا تقصد أن هذا (الفكر النَّضر) من صفات ذلك (الخدش) أو من قام به؛ لكنها تقصد سبب ذلك الخدش؛ إذْ إنه كان بِدافعِ الحقد والحسد من أعدائها ولائمِيها، الذين يغارون منها ومن محبوبتها (لغة الضاد)، فكلما ازداد حقدهم وحسدهم؛ أيقنتْ أنَّ (فِكرَها النَّضِر) المستنير، هو الذي دعاهم إلى ذلك.
ثم ذكرت رؤيتها لأولئك اللائمين فقالت:
أتحدَّى كلَّ مَنْ يَمنعُني *** إنَّه صاحبُ ذوقٍ معتكِرْ
فوصفت من يمنعها عن التَّغَنِّي بفضائل العربية؛ بأن ذوقه معتكر، ولذلك يصل الأمر معها إلى حدِّ الحرب، فتقول:
سيخوضُ الحربَ حبرًا قلمي *** لا يَهابُ الموتَ لا يَخشَى الخَطَرْ
وعلى المستوى العام لهذه لقصيدة نجد أن رَوِيَّ الراء ساهم إلى حدٍّ كبيرٍ جدًّا في التعبير عن موقف الشاعرة نحو محبوبتها (لغة الضاد) ونحو أعدائها الذي يحسدونها، وذلك من خلال كلمات القوافي القوية الشديدةِ الإيحاء؛ مثل (يزدهر، معتكر، الخطر...) وغيرها من المفردات التي جاءت متناسبة جدًّا مع هذا الروي الفخم الجهور، وسكونه الذي دلَّ على القطع والزجر، في إطار بحر سريع الحركات كبحر الرَّمَل.
والجدير بالذكر أن الإعلام يخلط أحيانًا بين الشاعرة العراقية صباح الحكيم وبين الإعلامية المصرية الدكتورة صباح الحكيم؛ بسبب هذا التشابه بينهما في الاسم واللقب، إضافة إلى أن الشاعرة صباح الحكيم تنشر أشعارها دون أن تنشر صورة شخصية لها، وهو الأمر الذي كان له دور كبير في وقوع بعض وسائل الإعلام في هذا الخلط بين الشاعرة وبين الإعلامية.

