Menu

"أفكار عنصريّة مستوردة من أوروبا"

"بوابة الهدف" تحاور الباحث في الشؤون "الإسرائيليّة" شادي الشرفا حول سُبل مواجهة مخططات الصهيونية الفاشية  

أحمد بدير

الباحث والأسير المحرر شادي الشرفا

القدس المحتلة _ بوابة الهدف

بعد أن أفرزت انتخابات الكنيست الصهيوني تصدّر اليمين المتطرّف وخاصّة "الصهيونيّة الدينيّة" بزعامة كل من بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير، يبدو أنّنا أمام هجمةٍ استيطانيّةٍ غير مسبوقة لسرقة الأرض الفلسطينيّة وشرعنة البؤر الموجودة في الضفة المحتلة، إلى جانب جرائم أخرى بعد أن وقّع الليكود و"عوتسما يهوديت" الفاشي على اتفاق ائتلافي صباح الجمعة 25 نوفمبر/ تشرين ثاني، سيتولى بموجبه المتطرّف إيتمار بن غفير حقيبة ما يُسمى "الأمن الداخلي" مع صلاحيات واسعة، وستطلق على هذه الحقيبة تسمية "وزارة الأمن القومي" وفق أبجديات الاتفاق الجديد.

وبحسب الاتفاق، سيتولى عضو الكنيست يتسحاق فاسيرلاوف، حقيبة ما يُسمى "تطوير النقب والجليل" والحصانة القوميّة، وسيُعيّن عضو الكنيست عاميحاي إلياهو وزيرًا للتراث، أي سلطة الآثار المسؤولة عن كافة المواقع الأثرية المرتبطة بأسطورة الشعب اليهودي، أي ستتولى هذه الوزارة مسؤولية الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في الضفة باعتبار أنّ أهم المناطق الأثرية موجودة بالضفة، وهناك الكثير من الآثار تعتبر توراتيّة بالمفهوم الصهيوني.

مستجدات خطيرة

"بوابة الهدف الإخباريّة" حاورت الأسير المقدسي المحرّر شادي الشرفا، والحاصل على درجة الماجستير في الدراسات "الإسرائيلية"، إذ أكَّد أنّ مسودة الاتفاق التي سُرّبت إلى الإعلام تحتوي على مستجداتٍ خطيرة، أوّلها استحداث وزارة جديدة تدعى "وزارة الأمن القومي" سيقودها بن غفير، بحيث أصبحت تضم الشرطة وحرس الحدود وإدارة مصلحة السجون و"الشرطة الخضراء" وهي وحدة ذات صلاحيات إنفاذ وتحقيق ومحاكمة تعنى بالمخاطر البيئية مثل النفايات ومياه الصرف الصحي، وكذلك وحدة "الدوريات الخضراء" التي كانت خاضعة لسلطة الطبيعة والحدائق، وستنقل إلى مسؤولية هذه الوزارة وحدة حرس الحدود في الضفة الغربيّة.

وبحسب الشرفا، فإنّ اللافت هو الاتفاق على إقامة "حرس قومي" واسع النطاق وظيفته إعادة الحكم والضبط للشوارع، بمعنى تشكيل قوّة جديدة لقمع الفلسطينيين وتشمل كافة الأراضي الفلسطينيّة في الضفة و القدس والداخل المحتل عام 1948 وكافة الأماكن، فيما جرى الاتفاق على تنظيم مجموعة مستوطنات من ضمنها مستوطنة "حومش"، والاتفاق على قوننة مستوطنة "أفيتار" بالرغم من أنّها مُقامة على أرضٍ فلسطينيّة، وتنظيم ما يُسمى المستوطنات الشابّة وهي رديفة للمستوطنات العشوائيّة المقامة على أرضٍ فلسطينيّة ذات ملكية خاصّة وهذا النوع من المستوطنات منتشر في الضفة، أي أنّنا نتحدّث عن مستوطنات تشمل حوالي 15 إلى 17% من مساحة الضفة، وذلك من أجل تضييق الحيّز الجغرافي على السكّان الفلسطينيين أكثر مما هو عليه الآن، إضافةً إلى أنّ تنظيم المستوطنات يتطلّب بنى تحتية وطرق التفافيّة جديدة مما سيؤدي إلى قضم المزيد من الأراضي الفلسطينيّة.

وحول قراءته للاتفاق والتطوّرات الأخيرة، أكَّد الشرفا أنّ الانزياح في المجتمع "الإسرائيلي" نحو اليمين المتطرّف والعنصري يعبّر عن مزاجٍ عام متطرف وعنصري وقريب إلى حدٍ كبير مما جرى في ألمانيا النازيّة في فترة الثلاثينات، فالمجتمع "الإسرائيلي" اليوم يمكن تشبيهه بالمجتمع النازي الألماني العرقي العنصري في العام 1933 حين صعد النازيون إلى الحكم واستولوا عليه ديمقراطيًا، ومن هناك أعلنوا مبادئهم العنصرية العرقيّة وبدأت الاتهامات حول اتفاق نوفمبر الذي أُجبرت ألمانيا على توقيعه إبان الحرب العالمية الأولى، لذلك أطلق عليهم في حينه "مجرمو نوفمبر"، والصهيونيّة الدينيّة اليوم تعتبر أي اتفاق مع الفلسطينيين يُخالف الشرعية التوراتية التي منحت هذه الأرض كاملةً لليهود وترفض أي اتفاق مع الفلسطينيين أو سكّان الأرض الأصلانيين.

يُتابع الباحث في الشؤون "الإسرائيليّة": في العام 1935 جرى في ألمانيا صياغة "قوانين نورنبرغ" العنصرية التي مهّدت للإبادة والطرد والتهجير..إلخ، ونحن في فلسطين رأينا أكثر من قانون عنصري شبيه بهذه القوانين أبرزها "قانون القومية" عام 2018، إلى جانب مجموعةٍ من القوانين التي تعزّز الفوقيّة والعنصريّة وتكرّس العدوانيّة ضد الشعب الفلسطيني الأصلاني، وفي العام 1938 بدأت أعمال الاعتداء على اليهود في ليلةٍ يُطلق عليها "ليلة البلور" من تكسير وحرق ممتلكات ما أدّى إلى تهجير 60% من اليهود إلى خارج ألمانيا، وهنا في فلسطين إذا ربطنا بين القوانين العنصريّة واعتداءات المستوطنين اليوميّة فهي شبيهة إلى حدٍ كبير بما كان يجري في ألمانيا، إذ برز في تلك الفترة بألمانيا ما يُسمى "شبيبة هتلر"، واليوم لدينا ما يُسمى "شبيبة التلال" التي تعتدي على الفلسطينيين بأبشع الصور.

شرعية قتل الفلسطيني.. "الفريضة تستوجب المعصية"

"وفي العام 1939 استغلت الحرب العالميّة الثانية لقتل وإبادة الشيوعيين والغجر واليهود وغيرهم، وفي العام 1944 بدأت السياسة الممنهجة للقتل والإبادة، وأرى أنّ المسار الفلسطيني شبيه جدًا بالمسار الذي جرى في ألمانيا، بمعنى أنّنا لسنا معرضين للتهجير والترانسفير الطوعي والقسري فقط والاستمرار بمسلسل التطهير العرقي بل معرّضين للإبادة وفق المعطيات الجديدة التي أمامنا، بل نحن أمام ما هو أخطر من ذلك، إذ تؤمن هذه الأحزاب الصهيونيّة الدينيّة عقائديًا بشرعية قتل الفلسطيني، وهناك مقولة دينيّة عندهم تقول "الفريضة تستوجب المعصية"، بمعنى إنّ ارتكاب جرائم تصنّف من المحرّمات في الديانة اليهوديّة مثل القتل، الفريضة الدينيّة تستوجب أن تقتل الفلسطيني، وهذا ما تؤمن به كل المدارس الصهيونيّة المتديّنة التي صالحت بين الدين والقوميّة، وبالتالي فإنّ قتل عائلة دوابشة وحرقها كاملةً هي معصية نعم ولكنها فريضة دينيّة، وعندما يُحرق الطفل محمد أبو خضير هي معصية نعم ولكنها فريضة دينيّة تستوجبها القوانين التوراتيّة، فهؤلاء فريضتهم الدينيّة قتل كل من هو فلسطيني، يُضيف الشرفا.

أفكار عنصريّة استيراد أوروبي

ويوضّح الشرفا للهدف، أنّ هذه الأفكار العنصريّة ليست توراتيّة فقط، بل هي أفكار جلبها المستوطنون معهم من أوروبا، أي أفكار مستوردة نتاج الحداثة الأوروبيّة التي جلبت الاستعمار والقتل والإبادة وفكرة الاستعلاء على الشعوب الأصلانيّة في الشرق، إذ تعتبر هذه الحداثة أنّ الانسان في الشرق هو كائن مستباح من ناحية الدم والقيم والتاريخ والتراث، لكنّ الإشكاليّة الكبرى أنّ هذه العقيدة كانت موجودة لدى فئة محدودة من المجتمع الصهيوني المستوطن، أمّا اليوم فأصبحت ثقافة وعقيدة دارجة، ويكون مخطئًا من يعتقد أنّ حزب الليكود لا يؤمن بهذه الأفكار الاستشراقيّة العنصريّة وأنّ نتنياهو زعيم الحزب هو أقل خطرًا من الصهيونيّة الدينيّة، لا، فجميعهم من ذات المدرسة العنصريّة، إلّا أنّ بن غفير وسموتريتش أكثر وضوحًا في التعبير عنها ولا يخشون من السخط الدولي، خاصّة وأنّ هناك صمت دولي مطبق غريب وعجيب تجاه ما يجري في المجتمع "الإسرائيلي" وكأن المجتمع الدولي يقول للمستوطنين بإمكانكم أن تفعلوا ما تشاؤون بالفلسطينيين لأنّ الفلسطيني هو كائن مستباح.

أمّا بشأن تهديدات ايتمار بن غفير المتكرّرة والمتصاعدة للحركة الفلسطينيّة الأسيرة في سجون الاحتلال، وكيف يمكن المجابهة في هذه المعركة إذا فُرضت، يُشدد الشرفا على أنّ بن غفير من الأصوات التي تُنادي باتخاذ عقوبات صارمة بحق الأسرى، وفي أوقاتٍ سابقة اعتدى على حافلات أهالي الأسرى وهي في طريقها للزيارة في السجون، وسيضغط بن غفير من أجل تغيير الأحوال في السجون وهذا شيء طبيعي، إلّا أنّه سوف يواجه فئتين: الأولى هي الحركة الأسيرة الصامدة في وجه كل هذه المخططات وسوف ترفض أي إجراءات تغيّر من واقع السجون الحالي والظروف المعيشيّة الموجودة، والحركة الأسيرة جاهزة اليوم ولديها ترتيباتها وخططها في حال جرى تنفيذ أي موجة جديدة لسحب منجزات الأسرى، أمّا الفئة الثانية التي ستتصدّى لبن غفير وتوجهاته هي إدارة مصلحة السجون ذاتها، لا سيما وأنّ هذه الإدارة غير معنية في الدخول بمواجهة مع الأسرى، ودائمًا لديها مشكلة أنّ أصحاب السياسة يتخذون القرار بسحب منجزات الأسرى لكنّ المواجهة على الأرض تتم بين الأسرى وإدارة مصلحة السجون، أي وضع السجّانين في حالة من الخطر الدائم، وهذا ما لا تريده مصلحة السجون.

أولويات نتنياهو القادمة..

ويُتابع الشرفا: إدارة مصلحة السجون سوف تحاول كبح جماح بن غفير وتخفف من القرارات في حال فرضت، وبالمناسبة بن غفير لا يستطيع اتخاذ قرارات منفردة لوحده بالرغم من أنه سيكون وزير "الأمن القومي"، بل هناك لجان أمنية مشتركة هي صاحبة القرار، وأي إجراء سوف يتخذ بحق السجون تعلم هذه اللجان أنّه سيكون له انعكاسات سياسيّة، أي سيتدخل "الشاباك" وغيره من الأجهزة الأمنية وربما نتنياهو شخصيًا لوقف هذه التوجهات لأنّهم غير معنيون بالتصعيد، وخاصّة في ظل الانتفاضة المتقطّعة الحاصلة في الضفة والقدس وحالة الغليان في أراضي الداخل المحتل، فكل هذه مؤشرات تؤكد أنّ الهجمة على الأسرى لن تكون بسهولة ما يتصوّره بن غفير.

وبيّن الشرفا، أنّ أولويّة نتنياهو الآن ليست قضية القرارات الشعبوية التي تدغدغ مشاعر "الإسرائيليين" مثل اتخاذ عقوبات ضد الأسرى، بل نتنياهو معني الآن بثلاث ملفات وقضايا أساسيّة، أولاً: ملف لبنان وحزب الله، وثانيًا: الملف النووي الإيراني والتواجد الإيراني في سوريا، وثالثًا والأهم الذي سنُفاجأ به قريبًا هو توقيع اتفاق تطبيع تاريخي مع السعوديّة، فهناك تسريبات من كبار الصحفيين والسياسيين في "إسرائيل" تؤكّد أنّ نتنياهو قطع شوطًا كبيرًا في المحادثات مع السعوديّة وهناك حديث عن توقيع اتفاق ممكن أن يتم خلال عام، فهذه الأولويات ولا يريد نتنياهو تخريب المسارات بقضايا أخرى تعيق عمله.

المطلوب فلسطينيًا..

وحول المطلوب وطنيًا لإسناد ودعم الحركة الأسيرة في حال اندلاع مواجهة أو معركة مع بن غفير، يُؤكّد الشرفا الذي تحرّر من سجون الاحتلال في أبريل 2022 بعد أن أمضى 20 عامًا في معتقلات العدو، أنّ حماية الوضع الداخلي تتطلّب أولاً إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإجراء انتخابات بأسرع وقتٍ ممكن إلى جانب فرملة القرارات الممنهجة لتدمير النظام السياسي التي تتخذ من الرئاسة الفلسطينيّة، لا سيما وأنّ انهيار النظام السياسي سيُدخلنا في حالة من الفوضى ستستغلها الحكومة الصهيونيّة من أجل السيطرة على المزيد من الأراضي وتضييق الحيّز الجغرافي والمكاني على السكّان الفلسطينيين وستزداد الهجمة على الأسرى الفلسطينيين، وافشال كل ذلك لا يمكن إلّا بإجراء الانتخابات الشاملة، لكن القيادة الفلسطينيّة غير معنية وتتهرّب من استحقاق الانتخابات وكأن هناك قرارًا مسبقًا لإدخال الفلسطينيين في فوضى من الصعب التكهّن بنتائجها.

ودعا الشرفا في ختام الحوار مع "بوابة الهدف"، إلى ضرورة عقد مؤتمر وطني فلسطيني شامل يضم كافة الأحزاب والفصائل وقوى وشخصيات مستقلّة من الداخل والخارج من أجل تشكيل جبهة وحكومة انقاذ وطني تمهّد لإجراء انتخابات فلسطينيّة وإعادة بناء النظام السياسي ومنظمة التحرير الفلسطينيّة على أسس وطنيّة وديمقراطيّة.