Menu

حليبٌ وطحينٌ وفلسفةٌ وأحذية!

عبد النور الهنداوي

نعرفُ جميعًا أنّ الباب لا يمكن أن يكون مفتوحًا ومغلقًا في آنٍ واحد، نحن الذين زرعنا وجوهنا في آخر الهواء، وتداولنا الحزنَ مع أجسادنا، لنصنعَ أحصنةً أسطوريّة، لننقلَ للعالم، كيف نرتدي جلودَنا التي أصبحت على علاقةٍ وطيدةٍ مع الصقيع.

كثيرًا ما تحدثّنا عن الثّقافة المعذّبة، وفرشنا الشهوات بصيغةٍ أيديولوجيّةٍ مريعة، وأكثرْنا من المصطلحات التي تحملها الذئابُ فوق وجوهها من أجل ترقيع هذه النصوص الشاغرة.

حاخامات النقد الإيجابي... يتساءلون عن النصوص التي تُركت وراء الخيال، "وأنا" دائم الحديث عن الحجارة التي صنعت أولادي على الأقل. كم هي هائلة الحجارة التي كانت بدائية؟ وكم هي هائلة الجدران التي تضحك وتتألّم...؟ والبربرية على مستوى الأصوات التي تُطلق بالعراء، وتتحوّل فجأة إلى حطام.. لتأويل ما يمكن تأويله بطريقة دونكيشوتية ... ولا غرابة في خلط المسوغات كافة، لإنتاج كلمات وردود لا تهم الضمير.

إنّ الإيقاع البنيويّ العارم الذي يسكن داخلنا، تحوّل فجأةً إلى تمثال اخترق ألف ليلة وليلة، ودأب على تخفيض مستوى أجسادنا، ليتدرّج بهدوءٍ جمّ / من "قوس قزح" إلى تلك الألوان التي تتألم دون أن يكون هناك نزيفاً شرعياً لأغلفة الكتب التي صارت "ألعاب جوراسية" والصواريخ العابرة للقارات تفحّمت مثل آلامنا الرخوة، المساوية تماماً لصلابة مياهنا.

عبثاً في وطننا العربي، إدراك ابتساماتنا الخشبية، وكأن لا فرق بين عربي يحمل الكرة الأرضية على ظهره، أو أنّ هناك حجارة فذّة أصرّت علينا بالقول العريض، لا "تتجسّسوا" على أصابعنا: الغريزة وحدها التي تصنع التماثيل الدائمة.

من منا يرتدي انفجاره المرتفع، دون أن تتغيّر الأيام التي صنعت فينا المقولة التالية: نرتدي ثيابنا وكأننا عراة.. وننتظر ملابس أكثر لياقة من الانتهاك؟

أتساءل: إذا ما كان الوعي واللاوعي العربي.. مأوى للعناكب، دون ان نتوقّف عن الصراخ الذي نعتبره من خلال التجارب المتراكمة.. هو الذي صنع الإبداع الفذّ لتلك الحجارة التي هي بمثابة الاستنباط الفضفاض للحفاظ على أصابعنا، وأفواهنا، للوقاية من الهذيان. كل هذه التحولات في عرينا العربي، أكّد على امتلاك انفجارات خارقة للذي صمّم ألبستنا، وأنتج أرواحًا مبتذلةً تمامًا فوقَ مستوى المناعة المحصّنة!

وبالمناسبة... هناك أسئلةٌ كثيرةٌ، وكثيرةٌ جدًّا، مصابة بفقدان المناعة.. لا لشيء، إنّما لأنّ الأسئلة جعلتنا شعوبًا من الخيال. أليست الأسئلة هي اللغز الذي سيظل؟ يبدو أنّها مضبوطةٌ بجرمٍ جنائيٍّ كي لا تنفجر؛ لتظلَّ قلوبنا معذّبة/هائمة؛ لأنّ كلمة "أنا" العربيّة، صارت كلمةً ملتبسة، ميّتة، وتبحث عن مكانٍ لائقٍ لجسدها.

علينا إذًا أنّ نرتّب وجوهنا ونتريّث قليلًا للتحاور مع العدم، ونكون رديفًا للاستمرار، لنقدّم " زغاريد" جميلةً لحياتنا.

وإذا كان لا بدّ من التقاط الحجارة من الازقّة، ها هو التاريخ يعرف بالتمام، كيف تُلتقَط البدائل، لأن الزوايا التي تتقيّأ القهقهات.. أعلى بكثير من اي زجاج يرتدي الأقنعة.

المبدع العربي ضدّ الفرح، الناقد العربي ضدّ الفرح، السياسي العربي ضدّ الفرح.. وعليّ وحدي أن أقدّم الحطام الجيد كوجبة رائعة، ربما أكون الحطام المختلف، لتظلّ الأوديّسة التي قرأناها بشكل صريح هي الأوديّسة السوداء.

قال لي أحدهم: سأقذف السماء بالتراب، لأن مشكلتي مع ما يسمونه الوطن، ما زالت وحدها خارج الوقت.. أو ما وراء الوقت.

المبدعون العرب، ليسوا سيئين أبدا، فلهم مشكلاتهم، وهواجسهم، وأحلامهم، وحتى فظاظاتهم، مع أن الرأي العربي، يتبعه نقطة حساسة في الضمير، وهذا الضمير بدوره يحاول أن يصنع طرقاً للبقاء.

النقد العربي، تفوح منه رائحة العفونة، ويكرّس دون دراية منه، خللاً عميقاً، ومفزعاً داخل الشخصية الإبداعية، وعلينا نحن استعادة كل هذه التفاصيل، لأن - نقد العربي للعربي - ينجح دائماً في تقليد الله. ولا بدّ للغته أن تحطِّم أشياء كثيرة كي تضع كل الحلول اللانهائية الفارغة على طاولةٍ أقل إثارة من الملل.

شكل الإنسان العربي اليوم، يؤهّل التاريخ للرحيل، والرحيل بين الحين والآخر يكون صياغة نموذجية، لذلك اللغز الذي هو بأمس الحاجة إلى العصيان، ولطالما الهواء الذي يرتديها بمثابة الدرع الواقي كي لا يصطدم باللامعقول؟ تكون المصيبة التي وقفت على قدميها لترى مدى الارتباك الذي يلفّنا جميعاً.. ممّا يجعلنا نملأ بطوننا وأرواحنا بأي شيء يجعل علاقتنا بالمعرفة والأمان ملازمة للضجر، لأن كل ما قرأناه وعرفناه

يعود إلى عصور آكلي الهواء!

الصراخ لا يكفي أبداً أن يكون شديد الصراحة، وأن يرسم بعداً يلتصق بالصراخ، دون الأخذ.. أنّ المغامرة في كتابة قصيدة أو رواية أو تحليل ما.. هي إضافات مرتبكة تدعونا جميعاً إلى تناول العشاء الفاخر ونحن في أمسّ الحاجة إلى الاشتعال.

رئيس أمريكا يقول: سأستورد حجارة خاصة جداً لبناء مقبرة للثلج وللعرب، لينتهي الآخر تماماً بانتهاء التاريخ. لذلك تكبر الأيديولوجيا، وتضمحلّ الشموع التي فعلاً بشكلها يسيل التاريخ (التاريخ العربي بالتأكيد).

نحن العرب تحولّنا إلى اللون الرمادي بفعل الفلسفة التي ماتت.. وبدأ تاريخنا يستعدّ لقرع الطبول، وإزاحة الغيوم التي ستحمل لنا صياغة جديدة لمعرفتنا، لتملأ أيامنا المتبقية بالعدم. هنا تكمن الخطورة لحياتنا، لتبدأ الخطورة الجديدة في استقبال القرن القادم.

بصراحة: أفكّر في كيفية إعادة الألغاز إلى حظيرتها كي لا تخطئ الزمن، أي لنظل جميعاً تحت المراقبة، خوفاً على هذا الزمن "الزمن العربيّ" من التدحرج باتجاه الورثة الأشاوس، أو بالانتقال من مكان إلى آخر إلى أمكنة تسقط فيها جميع التوقعات التي ستفعل الشيء ذاته لاغتيال القدر.

من خلال عروبتي، علمني التاريخ، أنّ النار قد تحوّل الأمكنة إلى أمكنة مخرّبة، لذلك سأعطي - غودوت - كافة الأحاسيس التي تكسّر الزمن ليظل مرتبكاً على الدوام، وبذلك نهجر المغامرة، ونترك الأرصفة عرضة للنهب، لتظل أجسادنا من الخشب!

ماذا يحدث عندما تندلع النار في وجوهنا؟ الكائن العربي يغيّر لباسه الخارجي، ليعود مثلما كان عليه، قبل أن يولد التاريخ. لهذا أستطيع أن أصنع حذاء للجغرافيا، واستبدال الخيال بالنار، والعكس بالعكس، حيث لا مسافة بين اختيار المكان لنمكّن الخيال من إيجاد وسائل جميلة، بل هائلة.. لنوافق بين صناعة الأحذية، وصناعة الثورات.

السؤال الآن: ماذا يمكن أن تفعله الأيديولوجيا بالقصائد، والروايات، والمسارح، والآراء الأخرى، وردود الأفعال؟

الجواب: يجب أن نستورد قادة من السماء، ونلبسهم ضوء القمر، بدلاً من اللباس العسكري.. مع أن العربي يعيش بطريقة أشبه بالمصالحة الذاتية، ما بين الحرية والخيانة العظمى، وما علينا غير استبدال الفاكهة بالفلسفة، أو الفلسفة بالوجودية. بمعنى: أن يكون للشعر مثلاً، نكهة السياسة ونكهة القبائل البدائية، ونكهة الغابات، ونكهة القياصرة. كل الشعراء العرب على سبيل المثال، يبحثون عن مصمّم لتأطير قصائدهم.. لانتهاك القوى الصارخة التي تكافح من أجلها، وهنا تحضرني كما قلت الأوديسة الجديدة التي سيّجت طروادة بالجثث اللامتناهية، واستوعبها اللاوعي، لتكون أمام الحرية العظمى، وأمام الخيانة العظمى بنفس الوقت.

أمامي الآن صورة حديثة للإبادة - إبادة العرب طبعا - تقول: أكثر الأشياء الساخنة، هذه الديدان التي صنعت أسماء الجنرالات، وبدّلت الورد بشفاه ساخنة، أكثر دفئاّ.. بل أكثر من الدفء بقليل، لأن أيامنا الباردة هي التي ترسم لنا الخطيئة، وتحوّلنا بعد ذلك إلى جاذبية تحتسي القهوة العمياء، لنظل أمامها خشباً يتذكر القياصرة، وصدى للذين ابتدعوا الأحصنة واستمرار الهواء.

قليلاً قليلاً، نقف أمام المرايا، ونظراتنا الوردية أصلاً للتأكد من سلامة الفلسفة وإننا نخجل من الوقوف أمام النار وهي تتقاسم الطريق الذي نمشي عليه.. وتُبادِل العربيّ المدوّي بالطحين المدوّي، ومحاولات بائسة أن نظل مثل جثة مجرّدة من مهماتها، والبقاء زمنا في الأسرّة لا لتحطيمها، إنما لابتزاز الأسطورة التي تمارس معنا لعبة المقارنة بين أجسادنا والبلّور النقي الذي نتطلّع فيه لتكون الجثة أكثر بريقاً من تلك الجثة التي تسير بقدمين خشبيتين في هذا اللازمن القابع وراء آذاننا.

صوت هناك يبدو أنه للسيد القيصر.. أكبر من الحائط ويدعونا إلى تناول طعام العشاء أمام التاريخ. هل قلوبنا صارت محطّة شاسعة لاستيعاب اللغز، ليكون هذا اللغز، أو ليظل هذا اللغز؟

إن لحظة الأسطورة، أكثر غموضاً من الفراغ، حيث أيامنا التي هي حياتنا، أصبحت مختلفة تماماً، تبيع كل شيء لأي شيء! ها هي ملابسنا التي نرتديها، تبدو بمثابة الإهانة العظمى لأجسادنا، لأن كل شيء في أجسادنا يتحطّم، ومع مرور الزمن يتلاشى كالغريزة.

العبقرية العربية، هي التي أخضعتنا لتحطيم إيقاعنا، وقذفه في الهاوية، نحن الذين نعطي كل الأمكنة الخالية من أجسادنا، للأمكنة الخصبة لكتابة الشعر، وها هو غموضا البائس يدلّنا إلى الطريق إلى اللاشيء، وحتى لا أتكلم كثيراً عن مدى العلاقة بين العبقرية العربية والإهانة، لا بد من ليلة يكون فيها الجدار الذي أمامي، هو تلك اللحظة التي اغتالها لكي "أرتبط" بالموت. بالموت فقط، لأن الحل الأمثل لذلك الارتباط الأخلاقي هو استقبال الغموض والتأكيد على مضاجعته.. لأنه يحمي كياناتنا من التناسخ عن اليباب.

الآن يكثر اللغط حول قوة أجسادنا التي تشعّ دائماً وهي راقدة في "الفِراش" ونعلم تماما أن هذا الفراش هو المرادف الحقيقي للموت، إنها الأغنية التي أحببتها لأكون رجلاً عربياً أخضر اللون، ودائم الاستغاثة. كم هو الوقت الذي يفصلنا عن الحطب لنتمتّع بالمعجزة؟ النصوص المفروضة علينا، تمتلك الدليل القاطع أن الدم هو الذي يلاحق الخنجر، وإن الأنبياء يهربون لئلا يُصلبوا أمام المارة، لأن الحاكم العربي أفرغ المفاهيم من صلاحيتها.

نحن الآن أمام التراب اليابس، الذي لم يعد يتقن لعبة التشكّل مع هذا الحائط العجوز وهو يحاول استرداد الموت من أجل أن لا نذهب إلى المأساة، بل إلى حائط آخر هو الجحيم. إنه طراز فريد من الأمكنة التي عندما أراها، تضطرب الرؤيا، وينداح التراب الجليل فوق جثثنا بشكل مروّع، لأن لغتنا العربية أصبحت تداعب النار، والنار هائمة على وجهها خوفاً أن يتغير التاريخ، لأن صوت الملاعق أكثر إثارة من تأوهات القياصرة! ونحن خليط رائع بين الحليب والطحين والفلسفة  والأحذية!