على أهميّته، لا يعدُّ المكانُ هو الأكثرُ أهميّةً بالنسبة لخصوصيّات وماهية فلسطين، فالتاريخُ لا الجغرافيا - المعنى وليس الأرض- بالنسبة لهذه البقعة هو ما يشكّلُ صدارةَ السمات العامة والتميّز، حيث يطغى هذا التاريخ على الخاصيّات الأخرى بشكلٍ واضح، لهذا فإنّ النظر إلى هذا البلد الذي يشكّل الجزء الجنوبي لبلاد الشام" سوريا الكبرى" من منظارٍ يراه كونه أرضًا فحسب، هو اجتزاءٌ لمعلومةٍ بسيطةٍ أمامَ كمٍّ من المعطيات والحقائق والدلالات.
في معظم بلدان العالم يبدو تقاسم بقعة أو تبادل أراضٍ حدثًا عمليّاتيًّا عاديًا وممكنًا، أما في فلسطين فلا، فالجغرافيا هنا هي رسمٌ رافدٌ للتاريخ؛ وذلك بسبب الصياغة التلقائيّة تاريخيًّا، التي رسمت لوحة المكان عبر آلاف السنين.
سوف يبدو هذا للبعض رومانتيكيًّا، وفي الواقع فإنّ الأمر ليس كذلك مطلقًا، وإن بدا كذلك عينيًّا، فإنه من حيث معناه العميق هو أمر ناتج عن قراءة متأنية لعناصر تشكل هذا الوطن الصعب المراس والحدوث والمعنى.
تقع فلسطين بين خط طول 34 درجة و15 دقيقة وخط طول 35 درجة و40 دقيقة شرقاً، وبين دائرة عرض 29 درجة و30 دقيقة ودائرة عرض 33 درجة و15 دقيقة شمالاً. وهي تقوم على أرض مساحتها نحو 27 ألف كم ونيف، هذا جغرافياً- فلكياً منحها موقعاً استثنائياً، أما بالنسبة للموقع الحضاري والثقافي فهي تقع في كل مكان في العالم تقريباً، وهذا الانتشار التلقائي لم يتم في الواقع بسبب الصراع الحالي وإنشاء كيان الإرهاب الصهيوني على بقعة الأرض هذه، وإنما بفعل تراكم الأهمية التاريخية والحضارية منذ آلاف السنين، إذ مر بها كما يؤكد المؤرخون واحد وعشرون محتلاً لها منذ الألف الثامن قبل الميلاد وحتى الكيان الصهيوني الحالي، مما حقق تشابكاً حضارياً لا مثيل له وجعل أهمية هذه البقعة على ما هي اليوم، ومن قبل حيث تشابكت القوة الاقتصادية والتجارية والدينية والثقافية والسياسية فيها، وربما لم تنشأ قوة امبراطورية أو استعمارية خلال تاريخ البشرية إلا وفكرت أو حاولت الاستيلاء عليها، من الأقوام البدائية العديدة بصغيرها وكبيرها وقدماء المصريين والآشوريون والبابليون والفرس والإغريق والرومان والبيزنطيون، والمسلمون والعرب بمختلف المراحل، والصليبيون، والأيوبيون، والمماليك والعثمانيون، والبريطانيون وهي الآن ترزح تحت سلطة احتلالية دينية إمبريالية، تحاول جاهدة طمس اسمها، دونما جدوى في المدى المنظور أو حتى اللاحق.
هذا التتابع التجاربي عبر التاريخ خلق في سكانها هوية حضارية مختلطة ومستقلة بمعنى صوغ المكان لا مكاناً يُنجز صياغة الهوية، صحيح أنها لم تتبلور كمصطلح اسمي واضح شامل إلا مع بدايات القرن العشرين، حيث أنها ومنذ ربعه الأول استعارت تحديد الانتداب البريطاني الجغرافي للمنطقة- وهو ما نصه اتفاق سايكس بيكو- الذي سلخ منها منطقة شرق الأردن وبعض التداخلات مع سوريا الأم ولبنان وحتى من سيناء مصر، لكنها بقيت على خاصيتها الأبرز وهي أنها الجزء الجنوبي من سوريا الطبيعية. ولهذا قد يتبادر إلى ذهن البعض أن في مصطلح الهوية الفلسطينية انغلاقاً أو شوفينية ضيقة تعنيها عبارة قيلت مراراً بصيغة "الهوية الفلسطينية"، وفي الحقيقة لا صحة لذلك، فلا ضير عندما نقول بأن حلب أم الصناعة في بلاد الشام، أو أن بيروت حاضرة السياحة، وربما نذكر خصائص تميز الشخصية الحلبية أو البيروتية، من هنا فإن تصنيف الهوية الفلسطينية بهذا السطوع اللفظي مرده لتميز التاريخ في بقعة جغرافية، ثم فيما بعد للاستهداف الصهيوني والعالمي لهذه الهوية، حيث سعت دوائر الصهيونية لنفيها بذاتها مركزة على أن لا سكان في فلسطين بل هم بعض "السكان" العرب، ولهذا كان الحفاظ على الهوية وتجذيرها ثقافياً أحد أهم أذرع النضال الوطني، من هنا لم يكن التمسك بالخصوصية نضالاً لصناعة هوية، بل لعدم تفككها أو تلاشيها بعد نشوئها التلقائي، وهو بعكس الجهد الصهيوني اليهودي الذي حاول بكل قوته وكل دعم عالمي وإقليمي خلق هوية سماها "إسرائيلية" قوامها دين وثني ينتمي منتسبوه لعشرات البلدان والقوميات، لهذا يبدو مع كل هذا السعي وضخ المليارات لتزوير الواقع غير مجد ولن يكون، بل على العكس، فإن وهم صناعة الهوية الإسرائيلية وفشلها كان أقوى وأشد قناعة لدى جمهور مستوطني الاحتلال في الخمسينيات والستينيات منه اليوم، وبالتالي هو ذاهب نحو التلاشي، وهنا يكمن سر اللهاث الصهيوني السريع خلف تطبيع الكيان من قبل أنظمة العرب ودول الجوار، وحث العملاء على نفي فلسطين وشعبها أو بث الكراهية ضد شعبها والإساءة لهويته، ويكمن سر تفسير السعادة المبالغ فيها لاتفاق الغاز مع لبنان باعتباره أول اتفاق عربي يشير إلى ملكية "إسرائيل" دون فلسطين للأرض والثروات، كما يكمن بين السطور مبالغة من الكيان وإعلامه القائل بأن ذلك أقوى الاعترافات بـ "أرض دولة إسرائيل".
من ناحية الهوية الأخرى- النقيض الطبيعي- تبدو الهوية الفلسطينية ثابتة المعنى، ولا تحتاج دعماً من أي كان لتثبيت فحواها وخصائصها، فهي واحدة في لحظات الهزيمة أو لحظات النصر، أثناء الحرب أو في فترات التهدئة، ولنا في فترة ربع قرن ونيف من أوسلو مثالاً حياً واقعياً على ذلك، حيث تبدل الوضع الصراعي لا المعنى الجوهري لهذا الصراع بدليل عدم تأثيره على "تثبيت" أو نفي هوية من يتواجدون في المناطق المحتلة عام 1967 ولا نفي الهوية عن المتواجدين في مناطق 48 أو اللاجئين في مختلف بقاعهم، إذن هي هوية لا يحددها الظرف السياسي الموضوعي ولا إرادة منتسبيها حتى، بل حقيقة التاريخ وحتمية المستقبل.
هنا لا بد أيضاً عدم نسيان المكان بوصفه حاضناً للخصوصية التاريخية، ولا عامل الدين، حيث تختلط مع هذه الهوية الديانتان اللتان تشكلان عقيدة الغالبية العظمى من البشر وهما الإسلام والمسيحية اللتان ترتبطان بدورهما عضوياً بالهوية التاريخية للفلسطينيين وبالمكان في آن معاً، إذ تعتبرانه مقدساً، وهو ما انتبهت له الصهيونية منذ البداية بذكاء عالٍ فسعت إلى فصل الشعب الفلسطيني عن ارتباطه بتاريخ المسيحية ثم استخدام العرب- الإسلام لنفي ما قبل ذلك وتزويره ودعم بعض تكتلاته السياسية لتعميم شكل الصراع بوصفه صراعاً دينياً بين اليهودية والإسلام للوصول نحو الوهم الجديد المتمثل في صرعة الإبراهيمية المودرن التي يتم ترويجها اليوم بعد فشل تنسيب الفلسطينيين لخارج المكان تارة تحت مقولة إمكانية امتزاجهم بأشقائهم العرب وأخرى بأشقائهم المسلمين، الأمر الذي باء بالفشل بحكم استيعاب القصدية التغريبية للهوية عن المكان- الوطن.
يصنف الفلسطينيون أنفسهم اليوم بأنهم عرب أو سوريون أو كلاهما، لكن ذلك بدوره لا يعني انفصال الهوية عن مكانها، فالقول بأن فلاناً حمصي مثلاً لا ينفي بأنه سوري كما لا ينفي بأنه عربي.
تلك أخطر مسألة تعانيها الصهيونية على الإطلاق، فقوة الهوية المعنوية- الثقافة هذه كانت حصن الفلسطينيين الأول، لا يتغير بتغير الظروف والأحوال، حتى وإن بدا ذلك أحياناً، فمقابل ما أسلفناه قبل سطور عن تراجع قناعة المستوطنين بالهوية الإسرائيلية، هناك في المكان ذاته تقدم كبير في وضوح وارتقاء الهوية الفلسطينية حتى بالنسبة للفلسطينيين من حاملي الهوية "الإسرائيلية" ذاتهم، وقد ساعد على اتضاح ذلك بسرعة زمنياً وفي تبلوره بشاعة وغباء العنصرية اليهودية الصهيونية وتراث المخطوطات الدينية الفاشية التي تدعو للكراهية إلى جانب الجرائم الموصوفة التي ارتكبها الصهاينة ضد الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال أو الذين في مخيمات الشتات الذين طالتهم آلة القتل والإرهاب سواء بيد الصهيونية وكيانها مباشرة أو على يد عملائها في غير فترة وغير مكان.
يمكن القول إذاً، بأن ذوبان الهوية وملامحها المتأصلة مستحيل بالنسبة للفلسطينيين، لأنها تحولت إلى فكرة- ثقافة أكثر من كونها بطاقة تعريف، فعلى الرغم من أنها هوية متعبة ومستهدفة ومحاصرة في كل مكان، إلا أن مكتنزيها متمسكون بها، بل يحيون بها روحانياً حتى وإن حملوا جنسية أمريكية أو أوروبية مثلاً، وهم يدفعون يومياً ثمناً لذلك.
اليوم، يمكن وبسهولة ملاحظة الثبات في الهوية بالنسبة للفلسطينيين والتلاشي بالنسبة لهوية الإسرائيلي المصنعة، لنقرأ المسألة كالتالي فقد هاجر فلسطينيون منذ القرن التاسع عشر نحو أميركا الجنوبية، وبعضهم اليوم لا يتقن العربية ولم يزر فلسطين، لكنه يعرّف عن نفسه بأنه فلسطيني، يا للغرابة والمفارقة! فعلى الجانب الآخر من يسميه العالم بأسره "إسرائيلي" هو وحده من لا يقتنع بهويته تلك!
إن سقوط فلسطين يتم عبر إسقاط الهوية لا الجغرافيا، فإن تم احتلالها بأكملها هذا لا يعني تلاشيها، التلاشي يرتبط هنا بتلاشي الهوية، وبالتالي الانتماء الهوياتي الذي وضمن خصوصية الواقع والاستثنائية هو من يعطي الجغرافيا ملامحها لا العكس، كما هو معهود وسائد في بلدان العالم، هنا تكمن المسألة.

