حمل الجزء الثاني من مذكرات السياسي العراقي الدكتور محسن الشيخ راضي، مثل الجزء الأول عنوانا ثانيا، بعد العنوان الرئيس: كنت بعثيا، وهو، القطيعة والحل الأوحد- حزب العمال الثوري العربي، وهو الموضوع الأبرز في هذا الجزء من المذكرات، وفي كشف تجربته في العمل الحزبي وانتقالاته في الإطار القومي العربي، في الوعي والتجاوز والقطيعة وبدايات العمل وما آل إليه، مصيرا وتجربة وخبرة للتاريخ.
حرر المذكرات في جزئيها وعلق عليها د. طارق مجيد تقي العقيلي، كاتبا مقدمة احتلت عشر صفحات من الكتاب، والتي بلغت 189 صفحة من المذكرات، موزعة على فصول مرقمة من 1 إلى 21، سجلت ما أراد السياسي العراقي الدكتور محسن الشيخ راضي أن يدونه فيها ويريح نفسه من أثقال التاريخ وأعباء السياسة في بلده العراق. إضافة إلى ملاحق، من صور شخصية بالأسود والأبيض، وبعضها لولا التعريف بها لا يعرف محتواها، ومعها نص مصور تحت عنوان: حزب العمال الثوري العربي، الأبحاث التي دارت حول المجلس القومي لحزب العمال الثوري العربي، تشرين الثاني 1965.
لخص د. العقيلي في مقدمته كما في الجزء الأول محتويات الكتاب ورأيه فيها وتعليقاته حولها وقد تكون بعضها موضع نقاش أيضا، ولكنه في النهاية استمد من جرأة صاحب المذكرات وشجاعته في النقد والاعتراف بالأخطاء والخطايا التي عاشها، من موقع المسؤولية فيها أو الممارسة الفعلية لها عمليا، أو اتهاما بها، كما وصفها، لمواصلة الكتابة والنشر والرصد بالمواصفات ذاتها، واعتبارها سمات لمؤلف المذكرات، التي ميزّته ووضعت ما نشره امام الجميع، ممن كانوا معه في العمل السياسي والإدارة الحزبية والتحولات الفكرية التي مرّ بها، فردا وتنظيما، وهو ما رصده المحرر أيضا وعلق عليه. ورغم ذلك شعر المحرر بخيبة أمل من الصمت أو التهرب عن كشف الحقيقة وسرد الوقائع كما حصلت أو ما انتجت من تداعيات، من الأحياء من رفاق المؤلف أو معايشيه "أو من القيادات البعثية الأدنى التي عاصرت وشاركت على مستوى الأحداث الواردة في المذكرات، على وصف أنها تاريخهم السياسي وتاريخ حزبهم، وهم الذين صنعوا مواقفه ووقائعه، لكي يساهموا بإضافة المزيد من المعلومات التي لا زالت ذاكرتهم تختزن أسرار الأحداث، لا سيما أحداث انقلاب 8 شباط 1963، لكنهم التزموا الصمت وآثروا السكوت لحد الآن. وحسب اعتقادي أن جرأة المذكرات وصراحتها بنقد قاس على دموية ممارسات الحزب، وتعرية نبي البعث والتقليل من قيمة أناجيله، قد شكلت صدمة لهم" (ص9). وما أشار المحرر له في وصفه هذا عموما، كما يبدو، لا يتوقف عند طرف واحد، وإنما يرتبط بالثقافة السياسية وطبيعة المجتمع وقدرات القيادات في تلك الفترات والظروف، واستمرارها بشكل أو آخر، مما يطرح أسئلة أخرى، وانتظار إجابات صريحة وجريئة، كما حصل في المذكرات من كل الفاعلين السياسيين في الحركة الوطنية والقومية.
تبقى في الجزء الثاني والأخير من المذكرات، ومع تقدير المحرر، "الحقيقة ملك القارئ الواعي المتجرد عن الأحكام المسبقة أو سلطة أيديولوجية منغلقة على ذاتها" (ص7). ويوجه أسئلة موضوعية أو يحكم بتعليقاته وهوامشه على مجريات فصول الكتاب، وخصوصا الأساس منها بما تعلق بمسار التحولات الفكرية لدى المؤلف والمجموعة من قيادات حزب البعث معه، وما انتهت إليه، سواء بمؤتمرات أو بإعلانات ومسميات أكدها في العنوان الثاني، القطيعة والحل الأوحد، وهو موضوع المذكرات الأساس وتعليق المحرر عليه في التقديم والهوامش العديدة التي أفصح المحرر عنها في منهج عمله في الكتاب بجزئيه، ومنه تساؤله عن التحولات وتجربة المؤلف فيها ومن استنتاجاته على الأبرز منها في هامش ص 44، حيث كتب: "ولد حزب العمال الثوري العربي ميتا منذ لحظة تأسيسه". وهذا حكم لسؤال مهم يطرح بعد قراءة المذكرات ومسار التجربة وأهمية ما ورد فيها وعنها، ليس في شؤون حزب البعث وحده، بل وتاريخ العمل السياسي العربي عموما، وارتباطه بالتشكيلات الاجتماعية والطبقية في المجتمع العربي والتحديات التاريخية ودور القوى الإمبريالية الخارجية.
اختصر المحرر في تقديمه الجزء الثاني والأخير بفقرة معبرة، وبرأي له في المذكرات أيضا، "التي يسجل (المؤلف) فيها لمرحلة ثانية من حياته السياسية بعد فصله مع رفاقه البعثيين من حزب البعث العربي الاشتراكي الذين شكلوا من داخله وبموازاته تيارا وحزبا بعثيا يساريا، يتناقض كليا مع يمين البعث ومناهضا لتوجهات ميشيل عفلق وكافرا بقيادته القومية اليمينية، ثم تبدأ تدريجيا مرحلة نضج فكري وسياسي أخرى، تتحول فيه مجموعة من البعثيين اليساريين عن قناعة لمغادرة حزب البعث العفلقي ونبذه كليا وشطبه نهائيا من قاموسهم السياسي، ليتحولوا نحو اعتناق الماركسية ال لينين ية ويتبنوا شكلها العربي، بعد تعريب أسسها وأفكارها، بما يخدم توجه التطلعات القومية العربية، حسب اعتقادهم، إيذانًا بتأسيس حزب العمال الثوري العربي". ويختمها "ولعل الكثير من العراقيين وربما بعض المتخصصين بتاريخ العراق المعاصر الذين عاشوا الانغلاق الفكري والسياسي في ظل سلطة حكم البعث الثاني لم يطرق مسامعهم بوجود هذا الحزب في العراق" (ص10-9). وواصل المحرر انصافا لعمله ومحتواه في السؤال عن الدور والفاعلية والنتائج التي انتهت إليها مسيرة صاحب المذكرات وتياره وحزبه، حسب وصف الكتاب وإصداره ومواصفات الجرأة والتجاوز والتميز بالروح القومية والوعي الوطني والاجتماعي.
بدأ المؤلف فصله الأول، او الرقم واحد من تسلسل المذكرات، بعنوان: ما بين الماركسية والقومية.. المنطلقات النظرية للمؤتمر القومي السادس، مبينا أهمية المؤتمر ومنطلقاته التي كتبها وطرحها المفكر الماركسي القومي ياسين الحافظ، كما عرّفه، وقناعاته مع مجموعة أخرى فيها وفي التحولات الفكرية التي حصلت في المؤتمر والحزب. واستمر حتى الرقم السادس من مذكراته في استعادة تلك الصراعات والتحولات التي كشفت نوعها وتطورها وتعمقها في قراءة الواقع ومتغيراته والإيمان بضرورة التجديد والتجاوز والانحياز إلى اليسار، فكرا وتنظيما (هذه التحولات، وإعلان تبني النظرية الماركسية اللينينية، عند فصائل التيار القومي العربي، التي عرفت به، في تنظيمي حزب البعث وحركة القوميين العرب بانقساماتهما وتعدد مسمياتهما، تحتاج إلى قراءة وبحث ودراسة، في الأسباب والنتائج، في الوعي والنضج السياسي والفكري). وقدم فيها شهادته عنها، وتفاصيل منها للتاريخ، "وعلى أي حال، رغم أن الحزب في بدايات تأسيسه الأولى كان غني! بثقافة الفكر السياسي ومعبأ بالعقائدية، لكنه ضعيف في الجانب التنظيمي، ورغم أنه ليس انشقاقا عن حزب البعث، إنما كان انتقالا وتحولا عقائديا وفكريا بحكم الضرورات التاريخية والمراجعات.."(ص 44). ورغم كل ذلك لم يتمكن قادة الحزب من بنائه وتقدمه، وقد نعاه المحرر كما أشير سابقا، وظل الحزب والمؤلف في صراعات داخلية متواصلة مع الحزب الأول إلى الانقسام وإلى التجاوز. واعترف: "أن المشكلة التي واجهت حزب العمال الثوري العربي في الجانب الحركي والتنظيمي، فضلا عن عدم قدرتنا على تنضيج أفكاره العامة عمليا، رغم قوتها الفكرية والعقائدية، إنه قائم منذ بداية انطلاقه على الشللية والتكتل.." (ص 50).
أصيب المؤلف بعد هذه التجارب الفاشلة والضغوط المتنوعة بالإحباط، والاخفاق السياسي، كما وضعه في عنوان الفصل أو الرقم السابع، والعودة إلى العراق، وشعر "أن الحزب قد خيمت عليه النخبوية، والإفلاس في القواعد الجماهيرية العمالية، حتى أدركت وكأنها مقدمات لبدايات انحسارنا السياسي عن الساحة السياسية في العراق" (ص 65). فضلا عن تفشي أمراض أخرى، رغم عقد مؤتمرات ولقاءات ومحاولات تجميع الكادر الحزبي، في العراق وخارجه. وتلك تجربة حزبية سياسية عربية سجل أحد أركانها ما عاشه فيها وما تركت عنده من تداعيات، كما أشار إلى الاختراقات الخارجية وإدارتها العمل الحزبي والسياسي وإلى أدوار أفراد في القيادات الحزبية، في الانقلابات والممارسات الدموية التي طبعت تلك الفترات من التاريخ السياسي "على العموم، لقد أدركنا بأن نجاح انقلاب 1968 المشبوه، كان بإرادة دولية تقف وراء دعمه" (ص86). ولصراحته في المذكرات أفاد عن مرحلة تحوله من النضال السياسي إلى البحث عن أمل شخصي، السفر والدراسة وقبلهما الزواج، ومن ثم التفرغ إلى العمل الاقتصادي، وختم المذكرات بالموقف الحاسم من احتلال العراق عام 2003 وتثبيت موقف واضح منه والمتخادمين معه، وما نشره في الفصل الأخير، أو الرقم 21 برنامج عمل وتقدير موقف من الفترة التي تلت الاحتلال وموقفه منها.
قدمت السيرة الذاتية وفصول المذكرات وملاحظات وتعليقات المحرر أيضا، اعترافات جريئة لقائد حزبي وسياسي عراقي، خاض الصراعات اليومية وشهد لمسار الحركة السياسية وسجل شهادته الشخصية، فيها وعنها، ونشر فيها خبرته التي استخلصها منها للتاريخ وللأجيال التي لم تعشها. وحملت بين طياتها دروسا عن دور القيادات في الأحزاب والحركة السياسية، وعن طبيعتهم وطبعهم في القيادة الحزبية وإدارة الدولة، ومجريات ما حصل وما دفع بالأوضاع إلى ما نحن عليه الآن، منذ غياب الحياة السياسية الديمقراطية وخداع الشعارات الحزبية وفشل أغلب من تسلم السلطة في إدارة الدولة وضياع بوصلة الحس الوطني وشيوع التخادم الأجنبي وتفشي روح التسلط والاستبداد والدكتاتورية والتسقيط والمخبر السري (الحزبي) وتقارير الانتهازيين والنفعيين الانتقامية وكتابات فاقدي الضمير وتشوه المواقف والمصالح والقدرات والأخلاق، كلها أثرت على المشهد السياسي في العراق، وما تزال.. ومن هنا، فتسجيل المذكرات عموما، ونشرها، ومنها هذه المذكرات مهم وضروري في الشهادة للتاريخ وتحفيز الذاكرة وتصحيح الآراء والأخبار وإنعاش الحوار الموضوعي بوعي ديمقراطي والصدق والوفاء الإنساني لبناء الحاضر والمستقبل.

