بدون مخططات تفصيلية، وبدون شقق للإيجار، ونقص سنوي لا يقل عن 6000 وحدة، ومع وجود آلاف المنازل غير القانونية لامتناع سلطات الاحتلال عن منح تراخيص ولعدم وجود خيار آخر، فإن أزمة الإسكان في المجتمع العربي الفلسطيني أصبحت معضلة خطيرة، وتعكس أحد وجوه التمييز العنصري في الكيان، وتفرض ضغوطًا على الأزواج الشباب وتهدد بمأساة اجتماعية.
من المعتاد في الداخل المحتل أن ينتظر المواطن الفلسطيني تسع سنوات كاملة في انتظار تصريح بناء، سيتذرع البيروقراطي الصهيوني إنه مرتبط بخطة بناء حظرية شاملة لم تكن موجودة ولا تنوي السلطات إيجادها، وبين مطرقة الحاجة الملحة وسندان البناء غير القانوني وملاحقة الشرطة وأوامر الهدم التي لا توفر حتى كوخًا بائسًا في النقب يتساءل مواطنون فلسطينيون في دولة الاحتلال أين المفر؟
على مر السنين امتنعت سلطات التخطيط الاحتلالية عن تعزيز خطط بناء حضرية لتوسيع البلدات العربية وزيادة المساحات الممنوحة للبناء في ظل مصادرات واسعة لصالح المستعمرات اليهودية والكيبوتسات التي تسيطر على مساحات أرض واسعة جدا تفوق احتياجاتها حتى بعد خمسين عاما، كل هذا يجب أن يضاف إليه امتناع السلطات حتى عن الاعتراف بالقرى التي مضى على إنشائها عشرات السنين في النقب حيث يعيش ما يقرب من 50-100 ألف شخص في قرى مجهلة، وكل أعمال البناء فيها غير قانونية بموجب القانون "الإسرائيلي" المتحيز.
في ظل هذا الوضع يزعم المخططون الصهاينة إن احتفاظ العرب بالأرض في حوزتهم في ملكياتهم الخاصة يعطل عمليات التخطيط، بينما في الواقع إن عين السلطة هو لاستكمال مصادرة هذه الأراضي، بحجة أنه يجب على المواطن تأمين الأرض للبنية التحتية للتطوير، وهذا كله ليس له سوى اسم واحد: تقليص المساحات التي في حوزة العرب لصالح الدولة التي ستقوم بتسريبها لليهود ومنفعة المستوطنات.
معطيات؟ وزارة البناء ليس لديها
على سبيل المثال، ينص القرار الحكومي رقم 4432 لعام 2012 على أن المجتمع العربي يحتاج إلى إضافة 13 ألف وحدة سكنية سنويًا. وقدم تقرير مراقب الدولة من عام 2015 نتائج مماثلة فيما يتعلق بالاحتياجات وأضاف أنه في المجتمع العربي يتم بناء ما يقرب من 7000 وحدة سكنية سنويًا، أي بنقص يزيد على 6000 وحدة سكنية من المطلوب.
ويتم بناء حوالي 4600 مبنى غير قانوني كل عام. أي مقابل كل 1.5 مبنى قانوني يُبنى سنويًا في المجتمع العربي، يُبنى واحد بدون ترخيص، وهو يعكس حجم الحاجة الملحة. وحسب تقرير صهيوني فإنه حتى بدون محاولة سد النقص الحالي، "هناك حاجة إلى حوالي 100 ألف وحدة سكنية إضافية في السنوات العشر القادمة". وتشير دراسة أخرى للمركز العربي للتخطيط البديل، إلى أن حوالي ثلثي الأبنية غير القانونية تتركز في عشرة تجمعات فقط في المجتمع العربي.
في المجتمع البدوي الوضع كما ذكرنا صعب بشكل خاص. حيث يبلغ عدد القرى غير المعترف بها هو 35 وكل البناء في هذه القرى غير قانوني حسب سلطة الاحتلال، وبحسب تقرير لجمعية السكن، فإن هذا العدد يقارب 100 ألف نسمة - حوالي ثلث السكان العرب في النقب. مع العلم أن الأرقام الحكومية الرسمية لا تعترف بهذا العدد وتخفف منه، إلى ما بين 50 ألف و80 ألف شخص. ويذكر أنه في ظل الحكومة المنتهية ولايتها بقيادة يائير لابيد، وبعد سنوات من عدم معالجة القضية، نشرت هيئة تنمية واستيطان البدو في النقب خطة جديدة. ولكن في ظل تغيير الحكومة، لم يتضح بعد ماذا سيحدث لها.
خطط التطوير؟ ليس في المجتمع العربي
عانت البلدات العربية من عدم الاهتمام الحكومي والتجاهل السلبي بمعنى التجاهل الذي يستند إلى خطط معاكسة للتضييق والاستحواذ على الأرض بدلا من تطوير هذه البلدات، وعلى الجانب الحكومي، يشير العديد من الباحثين إلى ضعف التخطيط المستقبلي والفشل في الموافقة على كل من الخطط التفصيلية الشاملة والمفصلة.. الدراسة التي أجرتها جمعية السكن، التي تم الاستشهاد بها سابقً، فحصت 70 بلدية من أصل 85 بلدية عربية (لا تشمل المستوطنات العربية الموجودة في المجالس الإقليمية اليهودية)، ووجدت أن 27 منها ليس لديها مخططات تمهيدية تمت الموافقة عليها بعد عام 2000. في غياب مثل هذه الخطط، يكاد لا يوجد أي إمكانية لبناء جديد في المستوطنات القانونية.
وقد وجد أيضًا أنه حتى عندما تكون إجراءات التخطيط جارية بالفعل، فإنها طويلة ومملة. وفقًا للدراسة، يبلغ متوسط الوقت اللازم للموافقة على المخطط التفصيلي حوالي 80 شهرًا (ستة أعوام ونصف)، وفي إحدى الحالات بلغ حتى 13 عامًا. وللعلم فإنه فقط بعد الموافقة على خطة المخطط التفصيلي الشاملة، ننتقل إلى الموافقة على الخطط الفردية - وهي مسألة تستغرق بضع سنوات أخرى.
ويضيف الباحثون أن قلة الخطط مصحوبة بالعوائق البيروقراطية المختلفة مثل عدم تحويل الأموال للسلطات المحلية العربية لأغراض التخطيط، فضلاً عن نقص التمثيل العربي في هيئات التخطيط المختلفة. على سبيل المثال، من بين 556 موظفًا في وزارة الإعمار والإسكان، هناك 39 موظفًا عربيًا فقط (حوالي 7٪ - أقل من نصف حصتهم في عموم السكان)، بينما التمثيل في مؤسسات التخطيط الأخرى أقل من ذلك.

