هذه ثالثُ ثلاثِ قصائدَ كُرِّسَتْ لهذا الـ"عَنَانْ" ضِمْنَ كتابٍ شِعريٍّ صَدَرَ مُؤَخَّراً للشَّاعر صلاح أبو لاوي عن دار الفينيق للنَّشر والتَّوزيع في عَمَّان. وإذْ حَملَ هذا الكِتَابُ عُنوانَ هذه القصيدة: "فَعَلَهُ صَغِيْرُهُمْ هَذَا عَنَانْ"، فإنَّ في هذا إلماحٌ إلى كونِها "قصيدةً واسِمةً". ومَع أنَّها ثالثُ ثلاث قصائدَ كُرِّست في هذا الكتاب لـ"عَنَانَ"، فقد كان للقراءة المتكررةِ، والمتعدِّدة المداخِلِ والمُستَويَاتِ، لهذه القصيدة، سواءٌ في انفصالٍ عن القصيدتين الأخريين المُكرستينِ لـ"عنَانَ" وعن القصائد الأخرى التي يحتويها الكتاب، أو في تَفَاعُلٍ سياقيٍّ مع كليهما، أنْ تُوفِّرَ مِنَ المُعْطياتِ والمسوِّغات الرُّؤيويَّة والجماليَّة ما يُؤهِّلِنا لاعتبارها، من منظورٍ نقديٍّ رصينٍ، قصيدةً واسِمةً، جديرةً بأنْ تَسْتَقِلَّ بِمُقارَبَةٍ قرائيَّةٍ نقديَّةٍ نأمُلُ أنْ تَتَمَكَّنَ من إلقاءِ أضواءِ إشْعَاعِها على هذا الكتابِ الشَّعريِّ بأسره، لِتكونَ، بدورها، قراءةً نقديَّةً، رؤيويَّة وجماليَّةً، واسِمَةً على غِرار القصيدةِ التي قاربتْهَا.
جَدَلُ صَوتينِ وبَوَّابَةُ غَيمْ
تنفتحُ القصيدةُ المُعنونَةُ بـ"فَعَلَهُ صَغِيْرُهُمْ هَذَا عَنَانْ"*على صوت جَمْعيٍّ ينطقُ ضمير المتكلم الجَمْع، معلناً على الملإِ أنَّهُمَا: "خُطْوتانِ ونفتَحُ بَوَّابَةَ الغَيمِ"، فلا نكادُ نَتَسَلُّم هذا الإعلانِ الموجز، حتَّى نُصْغِي إلى صوتِ ذاتٍ مفردةٍ يأتي من قَلبِ هذا الملإِ على نحوٍ يشي بأنَّها ذاتٌ مِنْ صُلْبِهِ، ومنخرطَةٌ مَعَهُ، بِكُلِّيةِ كينونتها المُفردةِ المُلْتَحِمَة به، في فعل جمعيٍّ يستهدف فتح "بَوابةِ الغَيم" التي أَعْلنَ الصَّوتُ الجَمْعيُّ أنَّ خُطوتينِ فقطْ هُمَا المُتبقيِّتانِ ليُتَمَكَّنَ الجَمْعُ من فَتْحِ "بَوابَة الْغَيْمِ". تُخَاطِبُ هذهِ الذَّاتُ المُفْردةُ صَاحبَ الصَّوتِ الجَمعِيِّ، مُصَدِّقَةً بِقَوْلِها قَولَه، وطالبةً إليه أن يتمهَّلَ: "قلتُ تَمهَّل"، ومُسَوِّغةً طلبها هذا بأنَّ خَلْفَهُ؛ أي خلف صاحب الصَّوت الجمعي، لم يزل"صيفٌ عَجُوزٌ يجُرُّ عَصَا السِّنديانْ" مجرجراً قدميه صوب هُوِّةِ هاويةٍ مهيَّئةٍ لسِقُوطِهِ، وكأنَّي بها تدعوه لأنْ يَتمَهَّلَ قليلاً حتَّى يكتَمِلَ رحيلُ هذا الصيف الهجيري الجدب الشائخ باكتمال سُّقوطه في تلك الهاوية، باعتبارِ أنَّ اكتمال هذا الرِّحيلِ شرطٌ ضروريٌّ، قد يَكُونُ هو أوَّلُ خُطوةٍ من الخطوتين المتبقيتين اللازمِ خَطوهُما من قِبَلِ الجَمع، لإحداثِ التحوُّل الحقيقيِّ من أزمنة العُقْمِ إلى أزمنة الخُصُوبة الآتية مع مجيء أزمنة الغيم الُممطرِ، فيما سيكونُ "كسرُ الحِصَار" هو ثاني هاتين الخطوتين واجبتي التَّحَقُّق للتَّمَكُّنِ منْ فتحِ بوابةِ الغَيم، أو رُبَّما قَبْلَ اتِّخاذِ قرارَ الإقدامِ على فَتْحِهَا والشُّروعِ في تنفيذه؛ إِذْ "لَمْ يَعُدْ في الحِصَار سِوى كَسْرُ هذا الحِصَا رْ".
وفي ضَوء هذا التَّأْوِيلِ الذي نختاره لقراءة مدلوليِّ هاتينِ الخطوتينِ، كَدالَّين مفتوحتين، بطبيعة الحال، على تأويلاتٍ قرائيةٍ قد تأتي بمدلولينِ آخرينِ أو أكثر، فإننا نقرأُ صورة الصَّيف العجوز الذي يجر عصا السِّنديان على نحوٍ يجعلها تشملُ، من حيث مدلولاتها كدال رمزي مركّبٍ، كُلَّ ما أحاط ب فلسطين وقضيتها من قحطٍ وجدبٍ وخرابٍ، على أكثر من مجال ومستوى وصعيد، ولا سيما في العقود الأربعة، أو حتَّى الخمسَة، الأخيرة، فِيْمَا نقرأُ مسألة الحصار وكسره، بشمولية لا تقصره على الحصار التَّوحُّشي الخَانِق، الكُلِّيِّ والمديد، والمضروبِ من زمن بعيدٍ حولَ قطاع غزة وعليه، وإنما توسعه ليَشْمُلَ كل حصارٍ من أي نوعٍ أو لون، ومن قِبَل أي قوة غاشمة، أو نظام سياسيٍّ، يُفرضُ، بالإرهابِ والقَهْرِ وبأيِّ وسيلة من وسائل الإرغام، على الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة، وفي مخيمات اللُّجوء، وفي أي صقعٍ من أصقاع المنافى الموزعة على أربع جهات الأرض.
ومع أنَّ صوتَ الذَّاتِ المفردةِ، الذي نُرْجِعُ إحالتَهُ إلى "الذَّاتِ الشَّاعرةِ" لِعَدم وجود مُسَوِّغٍ أسلوبيٍّ يُحيلُ هذا الصَّوت إلى سواها، قد طلبَ من صاحبِ الذّاتِ ناطقِة الصَّوت الجمعي، الذي هو، بدلالة عنوانِ القصيدةِ، "عَنَانْ"، أن يتمهَّل، للأسباب التي بينها لَهُ على نحوٍ رمزيٍّ، والتى اخترنا تأويلها، دلالياً، وفق ما ما تقدمَ قولهُ، فإنَّهُ يُسَارعُ إلى ترميزه عبر تشبيه يُخاطبه به: "وأنتَ الحِصَانُ"، أي أنت القُوَّةُ الكفيلَةُ بكسر كُلِّ حصارٍ، والقفزِ فوقَ كُلِّ حَاجزٍ، وتَخَطِّي كُلِّ العراقيل. وفي هذا الوصف ما يشي بأنَّ صوتَ الَّذات الشاعرة يَقْصُر التمهُّلَ على الوقت الضروري اللازم لإتمام تلكما الخطوتين لا أكثر، لأنَّ في تمدُّد زمن التَّمَهُّلِ ضياعٌ للأرض، وسَحْبٌ لها، حِفْنَة حِفْنَةً، من تحت قدميِّ هذا الحِصَانِ الثَّائرِ المُتَوثِّبِ:
"كُلَّما نقَصَتْ حِفْنَةٌ تحتَكَ الأرضُ،
سَالتْ على خَدِهَا نَجْمَتَانْ:
نَجْمَةٌ للبعيدِ،
وأُخرى لما ضَاعَ ما بينَ صَارَ وكَانْ"
فمن ذا يَكُون هذا الـ"عَنَانُ" الذي تُسْلِمُ "الذَّاتُ الشَّاعرةُ" إليه، باطمئنانٍ راسخٍ وتمام ثِقَةٍ، مقاليد الأمور، والذي عليه تعقدُ الأمَلَ، إِذْ لا ترى في سواه قوَّةً واعيَةً، قادرةً على بلورة رؤىّ، وعلى اجتراح أفعالٍ مُخطَّطٍ لها بإتقانٍ لتنهضَ باجتثاثَ أسباب كُلِّ قحط وجدب وخرابٍ من جذورها العميقة، وبكسر كل حصاٍر مُهْلِكٍ، قبلَ أنْ تَتوجَّه، بكامل وعيها وإرادتها وقُوَّة فِعلها المُغَيِّر، صَوب "فَتْحِ بَوَّابَة الغَيْمِ" لِتُمَكِّنَ أمطارَ الخِصْب والتَّجدد الدَّائمين مِنَ الهُطولِ؟
مَنْ ذَا يَكُونُ هَذَا الـ"عَنَانُ"؟
من ذا يكون هذا الـ"عنَانْ"؟ وكيف تَصُوغُ القصيدةُ هُوِيَّتًهُ فيما هِيَ تُبْلْورُ مُكَوِّنَاتِهَا الجوهَريَّةَ؟ وكيفَ تُجَلِّي صيرورة تحقُّقِه في هذه القصيدة كشخصيَّة شعريَّةٍ رامزة يتواصلُ ترميزها عبر سلسلةٍ متفاعلة من الصُّور الشِّعريَّة والإشاراتِ الدّالَّة والرُّموزِ التي يجري تعميقها من خلال بؤر تَناصٍّ ظاهرة جلية، أو مُضْمَرة خَفِيَّة، تشيرُ بِجلاءٍ أو تومئُ بِغُمُوضٍ مُحَفِّزٍ على التَّبَصُرِ، إلي مورانِ أنماطٍ أصلية، ورُموزٍ كُبرى، في قاع نصِّ القصيدة المَقْرُؤة، وذلك على نحو يُمْلِي على قارئيها اعتمادَ قراءةٍ أُفقيَّةٍ ورأسية متعاقبتين ومتداخلتينِ ومُتَواشِجتينَ طوال وقْتِ القراءةِ، ليتمكنوا، كقراءَ خَلَّاقِينَ مُتَفَاعلينَ مع كل مكوناتها، من الهُبُوطِ، رأسياً، من سَطْحِ نسيجها النَّصِّي المفعم ببؤرِ التَّناصِّ تِلْكَ، إلي أبعدِ أغوارِ قاعها العميق، ومنه، وهم مُحَمَّلُونَ بما التقطتْهُ بَصائرهُم العارِفَة من مكتنزاته الدَّالة، صُعُوداً، صَوبَ سطحها، ليُتابِعوا صعدوهُم عبرهُ، وقد أمْسَكُوا بأيدي بَصائرهم خيوطَ العلاقة التَّفَاعُلِيَّة المُتَبَادَلَة ما بينَ سطحِ القصيدةِ وقاعِها، صَوْبَ فضائها الدَّلالي المُتَراكِبِ، المُتَشَعِّبِ الخُيُوطِ والشَّبَكاتْ، وهكذا دواليك؟
فلنتابعُ القراءةَ إِذَنْ، مُعْتَمِدينَ إجراءاتِ هذه الآلية القرائية الأُفقيَّة الرَّأسيَّة التي أملتها القصيدةُ نَفْسُهَا، عَلَّنَا نَعثرُ على ما يفتح أُفُقَ، أو آفَاقَ، إدراكِ إجاباتٍ مُمْكِنَةٍ عن هذه الأسئلة، وعن ما قد ينبثق عنها، كما عن إجاباتها المُمكنَةِ والقابِلَة للوجودِ الفعليِّ، من أسئلةٍ ولَّادةٍ، ومِنْ فُروضٍ قابِلَةٍ للتَّأْصِيْلِ والتَّبَصُّرِ والفَحْصْ.
وبحَسَبِ تصورنا لتوزيع القصيدة إلى سلسلة مقاطع ومتتاليات شعرية** يتجلَّى حضورها فيها وفق معايير رؤيوية وجمالية تَمَّ لنا استنباطُهَا منها، سَنَجِدُ أنَّ المتتاليةَ الشِّعرية الأولى من ثاني مقاطعِ هذه القصيدةِ ستشرعُ في مناداة "عَنَانْ"، بصيغة النِّداء الحميمة: "يَا عَنَانْ"، وهي الصِّيْغَةُ التي ستتكرر ستَّ مراتٍ، بحيث يمكننا، في ضوءِ تمايز مُعطياتِ شبكات الدلالة التي تبثها الأسطر الشعرية والمتواليات التي تقع ما بين صيغة نداء وأخرى من هذه المتكرِّرات الستة، اعتبارَ النَّصِّ الشِّعريِّ الواقع بعد كل صيغة نداءٍ مقطعاً شعريَّاً تتعدَّدُ المتتاليات الشِّعْريَّةُ التي تكوِّنُه، ويتباين، أو يتماثل، عدد أسطر كل متتالية مِنْهَا في تراوح ما بين سطرٍ واحدٍ وما هو أكثر من سطرٍ، لنكون إزاء قصيدة تَتَكَوَّنُ من سبعةِ مقاطع.
في المقطع الثاني، الذي افترضنا تكَوُّنُهُ من أربع متتاليات شعرية، ستتابعُ الذَّات الشاعرةُ مخاطبة قرينها "عَنَانَ" الذي هي أيضاً قرينتُهُ، مُفْتَتِحةً خطابها بندائه: "يا عَنَانْ"، لِتُفْصِحَ له عن رؤيتها للزَّمانِ الذي تراهُ لَعُوباً، مُخَادِعاً، لا يُعَوَّلُ، بِأيِّ حالٍ، عليه، وهي الرؤيةُ الواجبُ عليه اعتمادها إزاءهُ لِتَحديدِ علاقتهُ به، وموقفهُ منه، وطبيعة فِعْلهِ فِيْهِ. وفي هذا السِّياق الرُّؤيويِّ المحَفِّزِ إِبْدالَ الاعتمادِ على النَّفسِ بالمراهَنَةِ على عودةِ زمانٍ مَضَى وانقَضَى؛ أي على تَركِ الانْتِظَارِ المهيضِ، والشُّروعِ في أنهاضِ الوعيِ والفعل الحيويِّينِ المفضيينِ إلى توجيه حركَةِ الزمانِ الحاضر صوبَ إدراك الهدفِ المُستَقْبَليِّ المنشود، تَشْرَعُ الذَّات الشَّاعرة بإيداع أولى وصاياها في وجدانِ عنانها: "فلا تنتظرْ أنْ يَعُودَ أَبُوكَ"، مُسَوِّغةً هذه الوصية بعبثية المراهنة على "الزَّمان اللَّعُوب"، وبضرورة أنْ تُجَلِّي أفعالُ "عَنَانَ"، وأشكال استجاباته للتَّحديات الحياتيَّة والوجوديَّة التي يُواجهها في مُخيَّماتِ اللُّجوءِ القسريِّ والبُؤسِ، ماهيته الحقيقة، وجوهر هويَّته، ورؤيته المستقبلية. وهنا تنبثقُ، في تواشج صميميٍّ، مكوناتٌ رمزيَّةٌ تُومئُ إلى رؤيةِ الذَّات الشَّاعرةِ لطِفْلِهَا "عَنَانَ" الذي صَارَ شَابَّاً: ماهيَّةً، وهويَّةً، ورُؤيَةً للعالم، ومقاصِدَ فعلٍ يَمُورُ في أعماقِ الحاضِر الرَّاهنِ، لينطَلقَ مِنْهُ، مُتصاعدَ الوتائرِ، صوبَ مُستَقْبَلٍ منشُودٍ سيأتي به منَ المستقبَل:
"فإِنَّكَ مِنْ قريةٍ
أَنجَبَتْ أَنبياءَ بِغَيْرِ أبٍ أو نَسَبْ
وحْدَكَ المَاءُ والنَّارُ
فاضْربْ عَصَاكَ وقُلْ للسَّواقي كُوْنِي
تكُنْ جَنَّةً ولَهَبْ"
إنه، إذن، نبيٌّ لا ينتمي إلا لذاته، وإلا لقريتهِ التي أنجبتهُ وباسمها أسمتْهُ؛ لأنَّهُ باسْمِه الإنسانيِّ الحَضَاريِّ أسمَاهَا: "فِلَسْطِين"، لِتَكونَ هي أُمُّهُ وحْدَهُ ودونَ أيِّ أحَدٍ سِواهُ، وليكونَ هُوَ وحِيْدُهَا المُخْصِبُ، بِفِعْلِهِ الحضاريِّ الخلَّاقِ، رحَابَهَا، والمَالِئُ عليها الحَيَاةَ، والمُجَلِّي وُجودها في كُلِّ مداراتِ الوُجود، فَهُوَ وحْدَهُ، في قناعتها الرَّاسِخَة، مالكُ المَاءِ والنَّارِ اللَّذين هُمَا مُكَوِّنانِ رمزيَّانِ جوهريَّانِ من مُكَوناتِ هُوِّيَّتهِ؛ إنَّهُ نبيٌّ ذو عَصَا فِعْلٍ سِحْريَّةٍ إنْ ضَربَها في السَّواقي وقال لها كوني، لا تكونَ إلا ما أمرها أنْ تكونه، وما هو بآمرها، باسمِ أُمِّه وباسْمِه، إلا أنْ تكونَ على غرارِ ما هُوَ وأُمِّهِ كائنَانِ، جَوهَرِيَّاً، عليه: جَنَّةً وجحيماً؛ جَنَّةً حياتيَّةً خِصْبَةً لِبُناةِ السَّواقِيَ الفلسطينيينَ، أصحابَ الأرضِ، ولمن هم بِهَا جديرون من الإنسانيينَ من النَّاسِ، وجَحِيْماً سَعِيريَّاً لمن هم جديرونَ بِشَوَاظِّهِ من مُتَوحِّشي البَشَرِ. أهوَ، إذنْ، يرتقي، رمزياً، من مرتبة نبيٍّ لا يَنتسِبُ إلَّا لإنْسَانِيَّتِه التي هي جوهَرُ هَوِيَّةِ أُمِّه، إلى مرتبة إلهِ خِصْبٍ يمتلكُ عُنْصُرين من عناصر الخَلقِ البَانيَة الهَادِمَة هُمَا: "الماءُ والنَّارُ"، وفي يده عَصَا الإرادةِ والفعل الخَلَّاق؟ وهَلْ ثَمَّة من فَرقٍ هُوِيَّاتيِّ، أو سُلُوكيٍّ، جَوهريٍّ، بينَ إنْسَانٍ نَبِيٍّ، وإلهِ خِصْبٍ إنْسَانْ؟!
(يُتْبَعُ في العَددِ القَادمِ من "الهَدَفْ")
إشارات:
* جميعُ المُقتبساتِ الواردة في هذه المُقاربَة النَّقديَّة مأُخوذةٌ عن نصِّ القصيدةِ المُضَمَّنَة في الكتاب الشَّعري الذي يَحملُ عنوانَها: صلاح أبولاوي: فَعَلَهُ صَغِيرُهُم هذا عَنانْ، دار الفينيق للنَّشر والتَّوزيع، عَمَّان، الطَّبْعَة الأولى، 2022، الصَّفحات من 52 إلى 56. وإضافَة إلى القصيدتين القصيرتينِ المُعنْونتين بـ"أمَل" (ص 26)، و"المَاء" (ص 27، 28)، ثَمَّة مقطعٌ مُكرَّسُ لـ"عنان القصيدِ"، ولـ"رُوحِ عَنان"، هُو المقطعُ رقم 46 والأخير، من مقاطِع القصيدةِ الدِّرامِيَّة المُطَوَّلَة، المُعنْونَة بـ"آخِرِ اللَّيلِ" و التي تردُ في آخرِ الكتاب.
** تفتقرُ هذه القصيدةُ، وكُلُّ قصائدِ هذا الكتاب الشِّعريِّ، لشديد الأسفِ، التَّوَزُّعَ النَّصِّيَّ إلى مقاطع، ومتتالياتٍ شعريَّةٍ، يَتَجَلَّى توزُّعُ كليهما في المظهر الطِّباعي للصَّفحاتِ عبر استعمال علامات التَّرقيمِ المعهودة، ومسافات البياض النَّصِّيِّ، أو غير ذلك من علاماتٍ نَصِّيَّة يعتمدها الشَّاعرُ، في هذه القصيدةِ أو تلك، كي يُبَنْيُنَها على نَحو لا يُيَيسِّرُ قراءة القصائد فحَسْبُ، بل يَؤَمِّنُ قدرتها على الإمتاعِ، وعلى تشكيلِ شبكاتٍ دلاليِّةٍ تبثُّ رؤاها ومدلولاتِها بلا التباسِاتٍ قدْ تُعتِّمُ عليها، أو تأخذها صَوب ما يُجافيها من مَعَانٍ، وأحاسيسَ، وتحفيزاتٍ. وأحسبُ أنَّ تداركَ هذا الخللِ مُمْكِنٌ في طبعةٍ قادِمَة، إنْ رأى الشَّاعِرُ صَوَابَاً في الملاحظَة التي أبديناهَا.

