صدر ديوان «بوينج سي 17 ليست شجرة» للشاعر المصري عبد الرحمن مقلد في نهاية العام 2022، والشاعر عبد الرحمن مقلد صدرت له من قبل دواوين "نشيد للحفاظ على البطء / مساكين يعملون في البحر/ عواء مصحح اللغة".
وهنا في هذه المساحة، نحاول أن نقدم قراءة في ديوان «بوينج سي 17 ليست شجرة» من خلال النقد الثقافي ومقاربة ما يسمى بأخلاق العناية أو أخلاق المحبة نظرية أخلاقية مستقلة ومقاربة مهمة للتعامل مع هموم الواقع المعاصر، وخاصة على مستوى العلاقات الشخصية، التي تتجلى العناية في أوضح صورها، أخلاق العناية بديل واعد من النظريات الأخلاقية التقليدية، التي لم تعد فاعلة في توجيه حياة البشر. الشاعر داخل قصائد الديوان لا يعتني فقط بأسرته وأبناءه، بل تمتد قيم الأبوة والغيرية إلى العالم الخارجي والاهتمام بالمهمشين والفقراء وكل من يعاني، من يهتم بما يحدث في العالم من حوادث وحروب ومآسي غير الشاعر الذي يتخذها موضوعات قصائده، ويرتفع بها من دلالة الحوادث اليومية إلى جوهر الشعر الخالد، تحفز موضوعات العالم الخارجي الشاعر عبد الرحمن مقلد على الكتابة ليختار بعناية الجوهري والإنساني والمهمش والمسكون عنه؛ لينتقل به من هامش الحياة إلى متن النص الشعري.
تظهر عناية الشعر بالعالم في تمثيلات صورة الأب العطوف وما تنتجه تلك التمثيلات من دلالات أخلاق المحبة التي تعد سمة أسلوبية بارزة في رؤية العالم الشعري الكلي في تجربة عبد الرحمن مقلد يقول في ديوان (بوينج سي 17 ليست شجرة).
(لم أتمنَ سوى أن أعودَ لأبنائي الخائفين / لأمنحَ ما أستطيع من الأمنِ والدفءِ والخبزِ/ عشتُ أجيرًا / وإن كنت أحمي دمًا أزرق سليلّ إلهٍ).
تطاردنا داخل النص صورة الأب، وقد رصدناها في أعمال شعرية سابقة، وقد أضحت سمة أسلوبية في رؤية العالم داخل كتابات الشاعر عبد الرحمن مقلد، نلتمس ذلك في قصيدة حديث مصحح اللغة إلى ابنته (حفارُ القبور) من ديوان( عواء مصحح اللغة) يقول مخاطبًا ماريا هذه الكائن الشعري المتكرر في قصائد الديوان: (لن أتأخر يا «ماريا» فانتظريني خلف البابِ- على عادتك- وصيحي فرحًا / إن الحلوى تملأ جيبي/صيحي كي يستيقظ قلبي وليتساقط ما يتعلق فيه وما تلحقه من أشباح كي يتوقف ما يتتابعُ في عيني من الأنباء وما يرسله البث ويعدو خلفي).
يخلق العالم الشعري نسختين من العالم أحدهما نسخة عالم الخارج العنيف والأخرى نسخة عالم الداخل، حيث البيت والأطفال والحلوى والطمأنينة، حتى أن الشاعر يتمني لو ظل في غرفته طول حياته يقول في قصيدة (لَعِب): (ماذا لو أصبحت الغرفةُ كوني الكاملَ/ وانتظر الموتُ لأقصى زمنٍ لأظل أراقبك).
تظل أخلاق العناية بالعالم، وهاجس الغيرية، والتفكير في الآخر، تسري منذ قصائد ديوان (مساكين يعملون في البحر) قائلًا: (ونحن نطوف كرحالة فقراء.. تجمعنا النبرات السريعة.. نعمل في المدن الداخلية أسرى لنطعم أولادنا/ ونخلي النساء تموتُ من الشبق المتأجج).
ولا تتوقف عناية الشاعر بالأبناء، بل تتعدي ذلك الإطار إلى الرثاء، وحضور الرثاء باعتباره مكمل لرغبة الشاعر في العناية بالآخر والإعجاب العميق يمن يرثي نطالع في ديوانه الأقدم (مساكين يعملون في البحر) رثاء الأب في قصيدة (نوارُ يضيء ويختفي) ثم إهداء قصيدة (أثر العابر) للشاعر محمود درويش، وإهداء قصيدة لصديقه الشاعر محمود سباق بعنوان( طرق متربة الهواء)، ويستمر ذلك التقليد الشعري في ديوان (عواء مصحح اللغة)، نطالع مواساة العازف الإيراني ناصر علي، وفي ديوان (بوينج سي 17 ليست شجرة) نجده يكتب قصائد بعنوان (بائع الصحف في ميدان الإسعاف) وقصيدة( أغنية الأخ الطائر). ونتوقف عن قصيدة بعنوان (قصيدة تحت المطر محاولة للتسرية عن طالب الهندسة نادر محمد وهو هناك في السماء)، والتسرية فعل من أفعال الاعتناء، نجده يحاول التسرية عن طالب الهندسة نادر محمد الذي قفز من أعلى برج القاهرة كما تقول قصيدة أغنية الأخ الطائر. يترك الشاعر عالمه الصاخب، ويحاول أن ينشد ثلاثة أراجيزَ من الفلكور الشعبي لروح ذلك الطالب قائلًا: (وننشدك ثلاث أراجيز / نذير التضحية المسفوحة «هنا مقص وهنا مقص هنا عرايس بتترص..» تلك الساعة ساعة رقص العالم يرقص تحت المطر وهذا النصُّ وهذا النصُّ وهذا النصُّ/ تراقص حتى امتص المعطف نصف المطر).
من الذي يهتم بما يحدث في العالم سوى الشاعر الذى يلتقط مأساة العالم الخارجي ويحولها إلى تجربة شعرية فريدة، يجابهنا ذلك الاهتمام بما يحدث في العالم من حروب ومآسي في قصائد عديدة منها ثلاث قصائد عن حادثة (بوينج سي 17) وفي قصيدة «أبناء صنوبرة»، ثلاثة أفغان سقطوا من طائرة الشحن العسكرية الأميركية وهي في السماء، وينتقل في قصيدة (السيدة الميتة) عن سيدة أفغانية تجمدت على الحدود بين إيران و تركيا ، ونجد ذلك التكثيف الشعري لعناية السيدة الأفغانية التي تتحدى الموت، من أجل عيون أطفال، كما يصف لنا المقطع الشعري التالي: (ليس الموت/ تقول السيدة الميتة / أن أتجمد فوق الثلج /الموتُ/ عيون صغاري وهي تترجى والأسنان وهي تصطك/ هلاكي ألا يجد صغاري الدفء الآن/ دفئا ورغيفًا وحليبًا).
يصنع الشاعر عبد الرحمن مقلد، نسخًا متعددة من عالم واحد، نلتقي داخله مع نسخة الشاعر الكادح من أجل كسب العيش والعودة لعائلته آخر الليل بعد صراع مع العالم الخارجي، نلتقي مع نسخ أخرى للشاعر العبثي (دون كيشوت) الذي يشعر أنه يحارب طواحين الهواء ويواجه العالم بسلاح الكلمات ليجسد صراع الشاعر أمام العالم... عالم الشاعر عبد الرحمن مقلد الشعري، ليس عالمًا معطىً مثاليًا جاهزًا في انتظار الوصف من جانب الشاعر، بل هو عالم متطور ينظم تصورات ومقولات فريدة عن العالم ويعيد تنظيم العالم الخارجي ويدمجه في معجمه الشعري ليخرج عالم شعري مصنوع بالدم بما يتلاءم مع الطبيعة البشرية التي تسعى نحو تلمس قيم الحق والخير والجمال.
دائما ما يحدث داخل عالمه الشعري ذلك الالتفات والانتقال من موضوعات عالم الخارج العنيف إلى عالم الداخل.. عالم الطفولة والصداقة والحب، وهذا الحضور لثنائية يوتوبيا عالم الداخل وديستوبيا عالم الخارجي، مع تفكيك تلك الثنائية الضدية وتداخلها يعيد تعريف الشعر باعتباره معيار نقدي ضد القبح والزيف والكراهية، الشعر معيار نقدي ضد فساد العالم المعاصر، وبذلك يصبح الأسلوب الشعري، ليس مجرد تقنية أسلوبية، بل رؤية خاصة للعالم.
تتجلى في قصائد ديوان «بوينج سي 17 ليست شجرة» تمثيلات صورة العالم الذي يواجه الشاعر، ذلك العالم الذي ينفتح معجمه على الحروب والصراعات والعنف والكراهية. ينتقل النص من القلق والشتات إلى عوالم الطفولة وأماكن الصبى، حيث الحدائق والبساتين ومناخ البيت الدافئ، ليرسل النص إشارات يقول فيها: أننا أمام نسخ لعوالم حقيقية هي عالم الواقع بكل ثقله المادي، وعالم الشعر بكل ثقله الجمالي؛ ليختار القارئ أن ينحاز لعالم الجمال الشعري مع تحذير الشاعر لنا بأن نحذر ولا ينبغي لنا المرور على قصائد الديوان باعتباره محض بلاغة أو كلام، بل دعوة له ليصنع كلنا منا نسخته من العالم.
كما يرى غاستون باشلار الشعر باعتباره «وظيفة منبهة»، يتماهى من خلالها الشاعر من أجل توليد تجربة ما، وإنتاج معنى يؤثر في الحياة، ويمارس فعل وعى الذات بالعالم، فالشاعر في ديوان «بوينج سي 17 ليست شجرة»، ربط مصيره كإنسان بإبداعه الأدبي، فالأدب موضوع تجربة وليس معرفة.

