من يحدد من؟ الأخلاق تحدد السياسة؟ أم السياسة تحدد الأخلاق؟ أو لا هذا ولا ذاك؟ أو ليس هناك من صلة أو علاقة لأحدهم بالآخر؟
سؤال اشكالي متناسل عويص، شغل مفكرون وفلاسفة وسياسيون وأدباء؛ فأفلاطون أحد الذين يقولون: "الأخلاق هي التي تحدد السياسة". أما مكيافيلي فهو يقول: "السياسة لا علاقة لها بالأخلاق". أما موراس فيقول: "السياسة هي التي تحدد الأخلاق". وهناك طيف واسع من المواقف والآراء والتصورات المتدرجة في التحديدات أو الصلات أو العلاقات التي تجمع أو لا تجمع، أو تسيد وهيمنة أحد المفهومين على الآخر -الساسة والأخلاق-.
وفي الوقت الذي نجد فيه أفلاطون وكنتيجة لمثاليته الفلسفية، ومزجه للسياسة بالحكمة والفضيلة؛ يضع الأخلاق قائدًا ومعيارًا للسياسة الفاضلة؛ فإن مكيافيلي جعل من الغاية هي المحك المبرر المفتوح لكل الوسائل مشروعة وغير مشروعة مباحة ومقبولة للوصول للغاية السياسية المرامة! لذلك كانت السياسة أيقونة متعالية ومقدسة لا تمت بصلة لما يسمى بالأخلاق أو الفضائل، إلا حين تكون مطية أو جسر للعبور، أي (وسيلة) لا أكثر! أما موراس وفلسفته السياسية المضادة للثورة والمعادية للديمقراطية، ورفعه لشأن السياسة كقيمة عليا، فلم تكن الأخلاق تعني له شيئًا في كل الأحوال.. فلا فضيلة هناك تعلو على السياسة!
هذا في الغرب بتلاوينه بين المثالية والمادية، وبين الفلسفة السياسية، وبين القيم الأخلاقية، ومن يحكم من؟ ومن يقود من؟ ومن له السيطرة أو السيادة: الأخلاق أو السياسة؟ أما بلداننا السعيدة ودولنا التقيّة وأوطاننا التليدة؛ فالسياسة عندنا - ومن نحن حتى يكون لنا(عند)! كما رأى ابن دقيق العيد- لا تحدد الأخلاق فقط، بل هي الذروة السيدة، والمقياس الأب، وكل شيء في خدمتها ومن أجلها، وبها وحدها تبرر الأسباب والوسائل... والويل لمن يقف في وجهها أو ينافسها، فليس له سوى السحق والتصفية والإلغاء...
وعلى الإخاء نلتقي

