Menu

الدولة التجمعية وقوى التفكيك: الواقع والفلسفة

مظهر محمد صالح

عند قراءتي للخاطرة الثرية والخريطة التحليلية التي قدمها المفكر السياسي المشرقي حسين العادلي وهو يتناول: حياة الدولة وموتها، لم يطرق مخيلتي إلا فيلسوف فرنسا جاك دريدا Jacques Derrida 1930-2004 ومدرسته البنيوية -الحديثة أو (التفكيكية deconstruction) التي ظلت سلاحًا معرفيًا رصينًا هدفه إعادة قراءة النصوص الفلسفية والفكرية بطريقة نقدية شاملة وجديدة، بعيدا عن الولاءات المجانية للأفكار التي عدت لمدة طويلة مسلمات لا ينبغي زعزعتها أو نقدها أو إلغاؤها بصفة نهائية. فالتفكيكية هي ثورة جريئة على ثوابت الأفكار التي عمرت طويلًا دون أن تتم خلخلتها بواسطة جهاز مفاهيمي ونقدي صارم، إذ يقترب العادلي في موضوع حياة الدولة وموتها في ثنائية تفكيكية، قائلًا:
(الدولة "ظاهرة" مجتمعية سياسية تاريخية متغيّرة وليست وجودًا ساكنًا "استاتيكيًا"، فهي تتقدم وتتأخر، تحيا وتموت استنادًا إلى عوامل حيوية مجتمعية سياسية اقتصادية أمنية ثقافية متحركة).
حياة الدولة لا ينحصر ببقائها موحدة أو بموت جغرافيتها السيادية، بل قد تحيا أو تموت الدولة أيضًا بأشكال عدة، منها: موت وحدة أمّتها الوطنية مع توحدها السيادي الجغرافي، أو موت وحدة نظامها السياسي، أو موت حيويتها ودورها وتأثيرها وسيادتها فتكون تابعة أو مستلبة أو مفعول بها كما هو حال العديد من الدول اليوم. لذلك نرى أنَّ بقاء وقوة الدول لا يرتبط بمساحتها الجغرافية وحجم أمّتها الوطنية وبكم مواردها الطبيعية، بقدر ما يتصل بحياة وحيوية أمّتها ونظامها ودورها في السياسة والاقتصاد والثقافة.
قد يدعوني الأمر إلى استخدام ثنائية المفكر الفرنسي دريدا وثنائية المفكر المشرقي حسين العادلي لتشخيص مفهوم تفكيكي للدولة- الأمة في عالم الشرق، إذ أرى أن النمط الجديد لموت الدولة الأمة هو التمكين لمظاهر القوة والاستبداد القائم والموروث لمفاصل الأمة الاستاتيكية على الدولة الديناميكية نفسها، فقوة شرائح الأمة بانقساماتها القبلية والمذهبية والأسرية والمناطقية والعرقية، جميعها أصبحت مولدة لزعامات أو دكتاتوريات مصابة بعقدة التشظي ورفض قبول الكل وتعبر كل واحدة منها عن مفصل في الهيكل العظمي للدولة الخالي من الحيوية في تكامله مع النسق العام للدولة نفسها، وكل شظية تحمل بذور الفتنة واستعمال القوة وأواصر التفكك داخل الهيكل العظمي نفسه الذي هو أنموذجًا استاتيكيًا للدولة التجميعية. فالنموذج السياسي التجمعي الذي مرتكزاته هي جمع كمي شديد التصلب لنماذج غير متجانسة في فهم الدولة الأمة (بل هي أجزاء تحتكر الثروة والقوة والعقيدة بشكل سكوني…). إنها بلا شك تحفر في بداياتها قبل نهاياتها قبر موت الدولة طالما أن الأمة هي (تجميع لا تذويب) لشتات مفاصل منغلقة من نماذج مصغرة تصارعية النزعة، يصبح جمعها تعبيرًا راسخًا عن (شتات الدولة- وشتات الأمة).
فالانصهار في الدولة والانصهار في الأمة هو استدامة الدولة والأمة، وخلافه ما هو إلا جمع لقوى تفكيكية لبنية (الدولة الأمة) وهو في حقيقته (أنموذج متشظي) (لدولة مهشمة-وأمة مهشمة) ويعني موت الدولة - الأمة أو زوالها The demise of nation state.
وهكذا فمثلما يجادل التفكيك في ثنائيته بأن الهياكل المنطقية القائمة على الثنائيات، أو الأزواج الثنائية، هي عظام السياسة والاقتصاد والمجتمع واللغة، نجد أن الثنائية تتكون من مفهومين يتم تقديمهما على أنهما متعارضان لتشمل أمثلة:
الحياة -الموت، والعقل -الجسد، والمذكر -المؤنث وغيرها.
إن ما قدمه حسين العادلي من مقاربة في موضوع (حياة الدولة وموتها) هو اقترابًا من العملية التحليلية التفكيكية deconstruction في محاكاة فلسفة دريدا Derrida، إذ يقوم دريدا بعملية تفكيك للفلسفات التي تقوم على مركزية العقل (مركزية اللوغوس "Logocentrism") هو مصطلح صاغه الفيلسوف الألماني (لودفيج كلاجس Ludwig Klages (10 December 1872 – 29 July 1956)) في أوائل القرن العشرين. وهو يشير إلى تقليد العلم والفلسفة الغربيين الذي يعد الكلمات واللغة تعبيرًا أساسيًا عن واقع خارجي، إذ يثبت الواقع أننا حين ننظر إلى اللغة تحديدًا، فإننا لا نجد فيها مركزًا يستقطب الحقائق الصغرى، فإنها لعبة ليس فيها قائد وهي مبنية أصلاً على الاختلاف. وبهذا رفض دريدا الفلسفة القائمة على الذات التي استمدها الغرب من ديكارت، إذ كانت كل الفلسفات تقوم على العقل أو الكلمة أو اللوغوس logos نفسه كأشد الكلمات الإغريقية غموضًا في تفسير الدين والفلسفة الغربية، بكونها معيارًا وحيدًا ضامنًا للحقيقة أو غيرها كما نوهنا سلفًا. فمثلما دريدا هو العادلي، يبحث عن منزلة جديدة للكلمة بغية إسقاطها من مركزها المتسلط كأصل لها واخضاعها بالمقابل لبنية مغايرة كأصل لها.
وأخيرًا أجد، بالمدرسة التفكيكية deconstruction الغربية للفيلسوف دريدا كتطوير للمدرسة البنيوية الحديثة في الفلسفة، جاء العادلي هو الآخر ليلامس عالم الفلسفة البنيوية في تحليل الفكر السياسي ونزاعاته المشرقية.