Menu

في المنظور التكاملي للمعرفة الإنسانية

قاسم المحبشي

لا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة ومظاهرها وفهم قوانين حركتها والتنبؤ بنتائجها، وتلك هي وظيفة العلوم الطبيعية ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء في التاريخ والحضارة، إلا بمعرفة حقيقة الكائن الإنساني والمجتمع البشري بوصفهما لحمة التاريخ وسداه؛ المعرفة القادرة على فهم حاجات الإنسان ودوافعه ومقومات الحياة الاجتماعية المدنية المستقرة وقوانين التاريخ وحركته والتنبؤ بمساراتها المستقبلية، وتلك هي وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة في قلبها، بل هي أمها التي أبدعت أخصب وأنضج المفاهيم الأساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية (الوجود، الإنسان، العقل، الخير، الشر، العدل ، الحرية، الجمال.. الخ) وذلك منذ البواكير الأولى للفكر الفلسفي الشرقي واليوناني القديمين، مرورا باللحظة العربية الإسلامية الخصيبة لحظة الترجمة والتفلسف في المشرق والمغرب العربي وانتهاء بالعصور الحديثة والمعاصرة. إذ لم تكن الحداثة الغربية في معناها الأوسع إلا مشروعا فلسفيا عقلانيا، قرر إعادة تأسيس وبناء المجتمع من جميع جوانبه على أسس علمية عقلانية إنسانية شاملة. غير أن الانتصارات المذهلة التي حققتها العلوم التجريبية جعلتها في لحظة أوجها تستغني عن أمها الفلسفة والعلوم الإنسانية في منتصف القرن التاسع عشر حينما حلم اوغست كومنت بتأسيس فيزياء اجتماعية ،على غرار منهج الفيزياء في دراسة الظاهرة الطبيعية، وهذا أمر غير ممكنا، بسبب اختلاف الظاهرة الاجتماعية وطبيعتها الشديد التعقيد والتركيب.

نعم انتصر العلم والتكنولوجيا فظهرت مشكلات جديدة لا سابق للخبرة الإنسانية بها، فعادت الدعوة إلى المنظور التكاملي للمعرفة العلمية وذلك بتأكيد البعد السيوسيولوجي للعلم، ونسبية الحقائق العلمية، ومبدأ الكشف، وقوة الخيال والمغامرة، وأسبقية الفروض الحدسية وحيويتها قد أفضى إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والاجتماعية. ويقر بيير بورديو بفضل الأفكار التي طرحها توماس كون، بقوله: إنني أنسب الفضل لتوماس كون، في أهم جزء قدمته فيما يتعلق بمنطق الممارسة والديناميات التي تحتويها. ويقدم توماس كون نظرية في الممارسة العلمية تثير أكثر الأسئلة إشكالية بالنسبة لسوسيولوجيا العلم، والمتعلقة بالتغير، كيف يحدث؟ وما هي آلياته؟ وما هي الشـروط التي ينشأ فيها العلم الجديد أو النموذج الجديد؟ وما هي التأثيرات الخارجية المفروضة على المجال العلمي؟

كما أن حجم ونوعية المشكلات الإنسانية والاجتماعية التي أفرزتها المتغيرات التاريخية والحضارية العالمية المتسارعة اليوم، تستدعي الحاجة الملحة إلى ردم الهوة الشاسعة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، والنظر إلى المشكلات ومواجهتها وبحثها بصيغة تكاملية ورؤية عقلانية نقدية. جائحة فيروس كورونا كوفيد 19 وتداعياتها الإنسانية والاجتماعية ومشكلة سباق التسلح والحروب والأمن والسلام الدوليين، ومشكلات البيئة الأرضية والأوزون، وصدام وحوار الحضارات، ومشاكل الاقتصاد والتجارة والمال والأعمال العابرة للقارات، ومشاكل الفقر والصحة والمرض، ومشكلة التطرف والإرهاب والعنف، ومشاكل الهويات الطائفية والتعددية الثقافية، والأقليات والتمييز والتعصب والاستبعاد الاجتماعي، والهجرة غير الشرعية والاندماج، والمخدرات ومشكل الفساد والبطالة والحركات الاجتماعية والثورات، وقضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفل والشباب، وكل ما يتصل بالحقوق المدنية، ومشاكل التربية والتعليم والجودة والاعتماد الأكاديمي، والمشكلات الأخلاقية للعلم والثورة البيولوجية؛ كالاستنساخ، وزراعة الأعضاء، ومنع الحمل، ومشاكل الفضاء السيبراني والأقمار الاصطناعية والوسائط الإعلامية والتواصلية الجديدة والآثار الاجتماعية والأخلاقية، فضلا عن المشكلات المستعصية التي تفتك بالمجتمعات العربية والإسلامية منذ زمن طويل ومنها: مشكلة الهوية والحروب الطائفية، إذ تعيش مجتمعاتنا العربية اليوم حروب طائفية مستعرة في كل مكان وغير ذلك من المشكلات الحيوية الأخرى. وهنا تزداد الحاجة، إلى المنظور التكاملي للعلوم الطبيعة والإنسانية والاجتماعية اليوم، أكثر من أي وقت مضى وذلك أثر الثورة المنهجية التي شهدها الثلث الأخير من القرن العشرين، إذ أحلت النظر السوسيولوجية للعلم محل النظرة الابستمولوجية الصرفة وهذا ما أفضى إلى تغير جذري في النظرة إلى العلم بوصفه صنعة إنسانية وإبداعاً إنسانياً، ومؤسسة سوسيولوجية، وفعالية اجتماعية، ومغامرة تاريخية، إلا يمكن تعيين خصائصها بمعزل عن البيئة الفيزيقية والحيوية والجغرافية والسياسية والثقافية الإنسانية العامة وهذا يعني أن مسألة، نمو العلوم وتقدمها، هي مسألة، ليست ابستمولوجية أو مهنية خالصة فحسب، بل مسألة سوسيولوجيا حضارية ثقافية عامة، مرهونة بسياق مجتمعها المتعين وصحته وقدراته وفرصه وممكناته الواقعية والافتراضية التي من شأنها أن توفر وتؤمن البيئة الحاضنة والراعية والدافعة لنموها وازدهارها أو العكس.

ولما كان العلم بجميع أبعاده وعناصره المعرفية النظرية والمنهجية والتطبيقية والتقنية، يعد الظاهرة الأبرز في القرن الحادي والعشرين؛ قرن العلم والثورة العلمية بامتياز، فقد استقطب جلّ اهتمام الفلاسفة والمفكرين والعلماء ودفعهم إلى إعادة التأمل والتفكير فيه بوصفه ظاهرة جديرة بالتفكير والفهم والتفسير وذلك من منظور تكامل المعرفة العلمية. فقد ولى الزمن الذي كان ينظر الناس فيها إلى التخصصات العلمية بوصفها مجالات مستقلة ولا رابط بينها، وكلما زاد تقارب العالم واندماجه كلما زادت الحاجة إلى تقارب العلوم وتكاملها. وهنا يأتي دور الفلسفة بوصفة نظرة كلية إلى لعالم. فمن نحن اليوم؟ وكيف نعيش الحاضر؟ وماذا سنكون غدا؟

هذا السؤال المزدوج الأبعاد والمعاني هو سؤال الفلسفة في كل عصر جديد، حيث يتشكل الواقع الإنساني من جديد. فما طبيعة العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية؟ وكيف نفهم العلاقة التكاملية بين أنساق المعرفة العلمية في مختلف المجالات الطبيعية والثقافية، إذ لأول مرة في تاريخ المعرفة الإنسانية تتوحد العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية والتربوية في مواجهة أزمنة العالم الراهن مع جائحة كورونا كوفيد-19 التي مسحت الصفحة. وقد ذهب فيلسوف العلم المعاصر ميشيل بولاني إلى تأكيد الطابع الإنساني العام للمعرفة العلمية، "فصحيح أن العلم الطبيعي يبحث في عالم فيزيقي لا شخصي، إلا أنه ذاته نشاط ذو سمة شخصية، فلا يمكن تتبع نمو المعرفة العلمية إلا كسلسلة من أفعال أشخاص معينين وإنجازاتهم وأحكامهم وكشوفهم وخيالاتهم وحدوسهم، والعلم لا يعمل في فراغ مطلق، بل يفلح أرضاً مهدتها الثقافة السائدة أو تركتها صعيد بلقعاً". كما أكد مارجوليس في كتابه، علم بغير وحدة: إصلاح ذات البين للعلوم الإنسانية والطبيعة: أن مشاريع العلم هي بصورة حاسمة إنجازات إنسانية، والصفة الجذرية للعلم بعد كل شيء أنه نشاط إنساني.. لذلك فكل العلوم هي علوم إنسانية من زاوية إنجازها الفعلي، فلا يمكن تعيين خصائصها بمعزل عن ملامح الثقافة الإنسانية والتاريخ الإنساني واللغة الإنسانية والخبرة الإنسانية والاحتياجات والاهتمامات الإنسانية.