Menu

ثلاث مجلَّدات في صفحة: يا لَهول التكليف!

أحمد جرادات

عندما بادر صديقي العزيز العتيق- العتيق بمعنى الثمين- الرفيق غازي الصوراني (أبو جمال) بتكليفي بكتابة مقال عن مجلداته الثلاثة الأخيرة "دراسات ومقالات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع" استهولتُ التكليف واعتذرتُ بصدق عن عدم تمكُّني من كتابة شيء يليق بهذا المنتَج الفكري الهام في وقت قصير لأهميته وسِعته وحجمه وتنوُّع موضوعاته وما يستحقه، خصوصاً في ظل أوضاعي الصحية التي لا تُعينني على أداء هذه المهمة الكبرى على نحو مقبول.

بيد أنه بتواضع أبي جمال الكبير وحرصه المخلص على أن يكون لي إسهام في تقديم كتابه، ولو بصفحة واحدة، ولعلمي بأنني سأكون أحد أفراد نُخبة من الأساتذة الكبار الذين قدَّموا لهذا الكتاب: المفكر الماركسي الكبير الأستاذ الدكتور هشام غصيب، والمؤرخ عبد القادر ياسين والأمين العام للحزب الاشتراكي المصري أحمد بهاء شعبان، صار من واجبي أن أُلبِّي مبادرة التكليف.

لكن، هل ترك لي هؤلاء الأساتذة فُسحة لإضفاء قيمة مضافة؟ لذا، اخترتُ أن أُضيء هنا على الكاتب كما عرفتُه، أكثر من الغوص في بحر محتوى الكتاب.

 لعلَّ من أهم ما يميز المناضل والمفكر غازي الصوراني إيمانه بالعلاقة الجدلية بين الفكر والنضال، بين الفكر النظري والنضال الملموس. وقد أثبتَ ذلك في المراحل المفصلية لمسيرته الكفاحية، إذ اختار بوعي تام حمْل مصباح المنهج الماركسي للسير على هدْيه، فحرصَ على ربط الفكر الثوري بالتحرر الوطني، بل بضرورة أن تكون حركة مقاومة الاحتلال حركةَ تُحرر وطني- اجتماعي، غير آبهٍ ولا متأثرٍ بالسائد من الأحداث والأوضاع مهما بلغت جسامتها.

عرفتُ غازي في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم في الأردن، صديقاً حميماً، متواضعاً، كريم النفس، دخلتُ بيته في عمان مرات وعقدنا فيه اجتماعات، وشهدتُ كيف كان يستقبل عائلات كاملة من أقربائه ومعارف أقربائه وجيرانهم في غزة في طريق الذهاب إلى والإياب من الخليج، ويقيمون أياماً وأسابيع في بيته الذي كان بالكاد يتسع لعائلته النووية، بدون أن يُظهر أدنى ضيق أو تبرُّم.

 في منتصف السبعينيات، حيث لم نكن بعيدين زمنياً عن أحداث أيلول البغيضة وتداعياتها القاسية في ظل الأحكام العرفية، مع الجرح الغائر الذي حفرته تلك الأحداث في صخرة العلاقة بين الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني، وربما في محاولة طَموحة وجريئة للإسهام في التئام ذلك الجرح، انخرطنا معاً في علاقة تنظيمية، حيث قمنا بتأسيس اتحاد الشباب الديمقراطي الأردني وقيادته مع رفاق آخرين، بينهم من الرفاق الراحلين عصام التل وسامي المصري وعدي مدانات.

وعندما عاد غازي الصوراني إلى جزء من وطنه فلسطين، غزة، وجد نفسه في مواجهة "اتفاقيات سلام" شائنة مع دولة الاحتلال، العدو التاريخي للشعب الفلسطيني والأمة العربية: أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، وقبلها كامب ديفيد مع نظام السادات، وبعدها وادي عربة مع النظام الحاكم في الأردن، وهي اتفاقيات بمثابة أثافي قِدر الحصى المطبوخة على النار الصهيونية. وبعدها كان عليه مواجهة الحصار الكامل على غزة والعدوان الدائم عليها، الذي تُوِّج بالانقسام الفصائلي الهدَّام، الذي ما فتئت دولة الاحتلال الصهيوني والإمبريالية والرجعيات العربية تُغذِّيه وتُسمِّنه حتى باتَ يُستخدم حبلَ غسيل ومبرراً مجانياً مريحاً للتقاعس أو العجز أو حتى العمالة. إلا أن المناضل غازي الصوراني لم ييأس ولم يُحبَط، بل ظل يناضل ويفكر ويحلل ويكتب وينشر ويحذِّر ويصرُّ على ضرورة ربط النضال الفلسطيني والعربي الثوري بالنظرية الثورية، الماركسية ومنهجها الديالكتيكي.

في أعقاب تفكيك الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الفائت تحت ستار الاسم الزائف والمضلِّل، "البريسترويكا والغلاسنوست"، بمؤامرة إمبريالية وخيانة داخلية، وما ترتَّب على ذلك من تداعيات كارثية على العالم أجمع، بما فيه العالم العربي، و فلسطين في قلبه، وسيادة القطب الأوحد والأيديولوجيا الواحدة: العولمة الأوليغارشية النيوليبرالية و"نظرية" نهاية التاريخ وصراع الحضارات المتهافتة، التي زعمت وأشاعت لشعوب العالم أن الاشتراكية والشيوعية، ومعهما حركة التحرر الوطني برمُّتها، أصبحت خلف ظهر التاريخ إلى غير رجعة، وصل الانهيار إلى حركة التحرر الوطني العربية والحركة الشيوعية العربية، فتنكَّرت أحزاب ومنظمات لمبادئها، وغيَّرت أسماءها وألوانها وعباءاتها، وغادرت مواقعها، أو انقسمت وتحوَّلت إلى الليبرالية، وشكَّلت على عجل "إن جي أوز" بتمويلات أجنبية غربية، وشارك مثقفون وكتاب وفنانون وإعلاميون وسياسيون عرب، ومنهم فلسطينيون، في زفَّة العولمة الرأسمالية، وعملوا زمَّارين للألحان التي يطلبها مَن يدفع لهم من رعاة الثقافة والأدب والفن والإعلام والسياسة النفطيين.  بيد أن غازي الصوراني حصَّن نفسه ضد تلك الجائحة الخبيثة، وأدرك صحَّة مقولة أبي بكر: "مَن كان منكم يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومَن كان يعبد الله، فإن الله حيٌّ لا يموت"، وترجمها إلى لغة واقِعه: "مَن كان منكم يؤمن بالاتحاد السوفييتي، فإن الاتحاد السوفييتي قد مات، ومَن كان يؤمن بالاشتراكية والماركسية وقضية التحرر الوطني الفلسطينية والعربية، فإنها حيَّة لا تموت.. ومضى في سبيله الثوري.