Menu

أصدر مؤخرًا مجموعة قصص "مقتل بخيته القصاصة":

حوارخالد إسماعيل: القصة القصيرة اختبار حقيقي لمن يختار طريق السرد في ظل ابتذال "الرواية"!

حاوره: محمد الشربيني شبانه

أصدر الكاتب خالد إسماعيل مجموعة قصص حملت عنوان "مقتل بخيته القصاصة" عن "دار ميريت" للنشر بالقاهرة، وهي المجموعة القصصية الثالثة بعد "درب النصارى 1997" و"غرب النيل 2002"، وكان الكاتب توقف عن كتابة القصة وأصدر اثنتي عشرة رواية، أحدثها "حكايات عائلية 2020" عن دار الأدهم بالقاهرة، وفى هذا الحوار محاولة للتعرف إلى مجموعته القصصية الجديدة والأسباب التى دعته للعودة لكتابة القصة القصيرة بعد توقف عن كتابتها دام لسنوات عديدة، في ظل تدفق الإنتاج الروائي فى مصر وغيرها من الدول العربية.

* القصة القصيرة.. ما قصتك معها وموقعها في مشروعك السردى؟

** القصة القصيرة كانت المفتاح الذي به دخلت عالم الأدب، فكانت مجموعة قصص "تصاوير من الماء والتراب والشمس" للكاتب الكبير الراحل "يحيى الطاهر عبد الله" هي أولى المجموعات التي قرأتها وغيرت مسار حياتي، وقررت عقب قراءتها في أوائل تسعينيات القرن الماضي أن أهجر "شعر العامية" وأكتب القصة القصيرة، وفى العام "1997" صدرت مجموعتي القصصية "درب النصارى" عن سلسلة "إبداعات" الصادرة عن هيئة قصور الثقافة.

* لكنك دائمًا تشير إلى "يحيى حقي" في أحاديثك عن القصة والرواية واللغة التى تكتب بها أعمالك.

** يحيى حقي هو الرائد الذى فتح طريق كتابة القصة القصيرة أمام الأجيال التى جاءت على يديه ومن بعده، فهو بحكم موهبته وقدراته الكبيرة ومعرفته القوية باللغة الفرنسية واللغة العربية وعمله فى وزارة الخارجية وإقامته في أوربا، استطاع نقل "فن القصة" للأدب العربي، وصاغ نظرية "حتمية اللفظ" بمعنى أن اللفظ الذي يكتبه الكاتب يكون معبرًا حتمًا عن المعنى، سواء كان اللفظ فصيحًا أم عاميًا، لأن المهم في هذه النظرية هو التعبير عن المعنى وتوصيل "رسالة الكتابة" للمتلقي بوضوح ومتعة، ومن بعده جاء "يوسف إدريس" ليقدم رؤى مختلفة لفن القصة ويفتح مجالات جديدة، ثم قدم "سليمان فياض" و"عبدالحكيم قاسم" و"إبراهيم أصلان" و"يحيى الطاهر" و"بهاء طاهر" و"محمد مستجاب" صورًا أخرى واجتهادات مهمة في هذا الفن الجميل الكاشف لقدرات الكتاب.

* ماذا تقصد بقولك "الفن الجميل الكاشف"؟

** أقصد القول إن فن القصة القصيرة هو فن الإحساس باللغة، والقدرة على رسم المشهد، والقدرة على الوصول للقارئ من أقصر الطرق، بالجمل السريعة الإيقاع، وهو بهذا المعنى فن وثيق الصلة بالرواية والشعر والصحافة، ومن لا يمتلك هذه القدرات، لن يجرؤ على المغامرة ودخول مجال كتابة القصة، ولهذا سوف تجد أن غالبية من يكتبون الروايات "الكعب!" لا يكتبون القصة القصيرة، خوفًا ورعبًا منها، حتى لا تظهر قدراتهم المتواضعة وينكشف أمرهم، فالرواية "ستارة" والقصة القصيرة "فضاحة " للساردين.

* هل هذا يعنى ضعف مستوى الروائيين الجدد؟

** كنت واضحًا وقلت "غالبية" لأن التعميم عمل ينافى العقل، وللتوضيح ـ مرة أخرى ـ أقول إن السنوات الأخيرة شهدت ابتذالًا وإهانةً لفن الرواية فى مصر، مقارنة بالمغرب أو لبنان أو العراق و السودان ، الكل يكتب صفحات كثيرة والكل ينشر والنقد غائب، حتى اختلط الأمر على القارئ، فالروايات المكتوبة للتسلية والموجهة إلى ربات البيوت والعجائز والشيوخ المتقاعدين أصبحت في المتن، والروايات الموجهة للفتيان والمراهقين، أصبحت تحصل على الجوائز التى حصل عليها ـ من قبل ـ نجيب محفوظ ويحيى حقى ويوسف إدريس، ونشأ تحالف بين "دور النشر" وأصحاب المطابع، لتحقيق أرباح خيالية من عوائد نشر هذه الأعمال والترويج لها، ولكن هناك من يمتلك القدرات والمواهب التى تجعله كاتبًا روائيًا وقاصًا، لكن هؤلاء يمثلون قلة لا تلقى اهتمام القائمين على صناعة ونشر الكتاب الأدبي في مصر.

* مجموعتك الصادرة مؤخرًا "مقتل بخيته القصاصة" ما العلاقة بينها وبين المجموعتين السابقتين "درب النصارى" و"غرب النيل"؟

** العلاقة بينهما علاقة وحدة الجغرافيا ووحدة العالم، فالجغرافيا تطل من أعمالي بقوة، لأنني "مصري صعيدي" وهذا يعنى وجود خصوصية ثقافية، لا أستطيع الزعم أنني كائن كوكبي، نعم أنا منحاز لحرية الإنسان في كل مكان ولا فرق عندي بين عرق وآخر، لكنني مصري صعيدي، وصعيدي من "عرب العراينة" من "بنى رياح" من "بنى هلال " وبداخل تكويني النفسي والسلوكي أثر للثقافة المصرية القديمة والثقافة القبطية، وهذا كله ينافى ويتنافى مع "العولمة الأمريكية" التى تروج للقضاء على التاريخ والأخلاق الموروثة من الحضارات القديمة، ومن خلال قصصي ورواياتي أحاول التعبير عن هذه المكونات وهذه الجغرافيا.

* لكن "مقتل بخيته القصاصة" عنوان ملغز للقارئ وقد لا يفهم دلالته..

** أولًا "بخيته" اسم إفريقي، موجود في الصعيد المصري والسودان، و"القصاصة" لقب لها حملته بحكم مهنة والدها "كان يعمل فى مهنة قصاص الحمير" وهى مهنة كان يحترفها قطاع من "الحلب" ـ أو الغجر كما يسمون في دلتا النيل ـ و"بخيته" طبقًا لثقافة المكان، حملت صفة أبيها، أما "مقتل" فالقصة تروي سيرة كفاح بخيته القصاصة، الفقيرة المكافحة التي تبيع البرتقال وتبيع العيش والطعمية لأطفال المدرسة الابتدائية، وتموت مقتولة، لأن المجتمع المأزوم اعتبرها مسئولة عن فشله. البعض اتهمها باحتراف السحر الأسود، والبعض اتهمها بالانحراف الأخلاقي، ولأنها ضعيفة في المجتمع ولا عزوة تحميها، قتلها أحد هؤلاء المأزومين، ومزق جثتها وألقاها لكلاب الشوارع. القصة تعبر عن واقع اجتماعي وتحمل رمزية ما، والقارئ يستطيع تأويلها كيف يشاء، لكن في كل الأحوال "بخيته القصاصة" امرأة فقيرة مكافحة تسعى لتأكل لقمتها بعرق جبينها، في ظل مجتمع يحتقرها ويعتبرها منتمية لعرق أدنى "عرق الغجر" أو "الحلب".

* المجموعة فيها "الصعيد" ولكن فيها ربما للمرة الأولى فى أعمالك "التجربة السياسية " لليسار في هذا الإقليم..

** الصعيد إقليم مصري له خصوصية ثقافية، تجعل الأفكار الحديثة غير مقبولة فيه، رغم مجانية التعليم ورغم التحولات التى وقعت عليه منذ ثورة 23 يوليو 1952، وفى رواية قصيرة "مذكرات رفيق" وأربع قصص من المجموعة، رصدت تفاصيل تجربة "منبر اليسار" الذى انبثق عن "الاتحاد الاشتراكي" والتنظيمات الشيوعية التى حاولت العمل في هذا الإقليم، وشخصية "المناضل الدجال" أو "المزيف" هي الأكثر وضوحًا في هذه النصوص، لأن كل من كتبوا عن الصعيد تجاهلوا شخصية المثقف الصعيدي ما عدا عبد الوهاب الأسواني رحمه الله، قدم شخصية "بشير" فى روايته "النمل الأبيض"، وبالنسبة لي قدمت رواية "أوراق الجارح ـ 2006" عن شخصية "شيوعي" قتله جهاز الأمن لأنه حاول تنظيم "الفلاحين" فى اتحاد ونقابة تدافع عنهم.

* هل لديك خطة عمل قصصى جديد أم هناك رواية؟

** المشروع القادم رواية، قطعت شوطا فيها، تتناول الصعيد أيضًا، وتقدم مجتمع "العبيد" من خلال شخصية مركزية هى "الشيخ جوه" وأتمنى أن أنجزها قريبًا.