كاتبٌ أدبيّ/ الجزائر
محمد العيد آل خليفة شاعرٌ ملحميٌّ من روّادِ الوطنيّة، ومن أكابر مدارسِ الشّعرِ الجزائريّ والعربيّ، يحسبُ على تيّارِ المدرسة الإصلاحيّةِ المحافظةِ التي كان من باعثيها الشيخ الرئيس عبد الحميد ابن باديس وثلّة من علماء الجزائر، عبّرَ عن موقفِ الشاعر من الوجود ككل، وعن وعيٍ صادقٍ بالهُويّةِ والعروبةِ والانتماء الأفريقيّ الأمازيغيّ. قال عنه الشيخ العلامة البشر الإبراهيمي (من يعرف محمد العيد ويعرف إيمانه وتقواه، وتديّنه... يعرف أن روح الصدق المتفشّية في شعره، إنّما هي من آثارِ صدقِ الإيمان، وصحّة الخلق، ويعلّمك أنّه من هذه الناحية بدع في الشعراء). أحيا اللغة العربيّة وأسهم مع العلماء والخطباء والأدباء في محاربة الكولونياليّة بالوعي الثقافي واستنهاض المهمّ بالدعوة إلى التمسّك بالهُويّة تاريخًا ولغةً... فما قامت به فرنسا من طمسٍ لمعالم الهُويّة واللغة التي حوربت بعلق المدارس والتضييق على المعلمين قال الشاعر محمد العيد آل خليفة:
حثّوا العزائم وأصدقوا الآمال
إن الزمان يسجل الأعمال
بالكلمة الصادقةِ مربيًّا وشاعرًا وهو القائل:
يا شعب قم على الهموم والشؤوم
ثائر يا شعب جد الجد فانهض واكسب المفاخرا
تلمحُ في شعره بداوةَ ابن الصحراء، وصلابة شهمة وجلدًا... ولد بعين البيضاء موطن قبائل العواسي المقاتلة والشرسة، 28 أوت1904 لأسرةٍ محافظةٍ ومتديّنة، تنتمي لجذورِ طريقةٍ صوفيّةٍ ممتدّةٍ في واي سوف.. ثم انتقل سنة 1918 والعائلة إلى بسكرة، مدينة عريقة ومن طولقة مولد كثير من العلماء كما يحكي أبو القاسم سعد الله.
حفظ القرآن ختمًا وهو ابن الرابعة عشرة وبعضًا من علوم اللغة والدين على يد ابراهيم العقبي، وأحمد بن ناجي والشيخ محمد الكامل بن الشيخ المكي. درس بالزيتونة كما جلس في الخلدونية بصفةٍ حرة، أخذ كثيرًا من علوم عصره ونال شهادة التطويع من الزيتونة ولظروف اضطرّ للعودة وإكمال تعليمه على أيدي علماء أجلاء مثل اليعلاوي، الذي أخذ عنه الفلك والحساب والفقه. ينتسب لجمعية الشبيبة الإسلامية مدرسًا ومديرًا لها.. وينتقل إلى باتنة مدرسًا ثمّ إلى عين مليلة.
شارك في الإحياء الحضاري والثقافي وإصلاح المفاهيم، التي تبنته جمعيّةُ العلماء المسلمين وكان من مؤسّسيها... تعدُّ من أكبر الجمعيات التنويريّة في التاريخ الحديث للجزائر. كتب في الصحف الجزائريّة والعربيّة (الصراط، السنة، البصاير...) يعدُّ من الشّعراء القلائل الذين أدركوا مخاطر الغزو الثقافي الفرنسي. ناضل من أجل إحياء العربيّة والقيم الأخلاقيّة والمثل العربيّة الإسلاميّة. درس ببسكرة وباتنة وهناك يتولى الإشراف على مدرستها وفي عين مليلة مدرسًا ومديرًا لدار العرفان.
خطبه ودروسه كانت مفعمةً بوعيٍ وطنيٍّ وانتماءٍ أصيلٍ لجذوره الدينيّة، لهذا اعتقل بدعوة (التحريض) على الثورة.
مناضلٌ بالكلمة، شهد له علماءُ الجزائر بالبروز في الشعر، بل لقّبه الشيخ الرئيس ابن باديس /أمير شعراء الجزائر/... ويعدُّهُ الإبراهيمي أحد أعمدة النهضة في الشعر والخطاب الإبداعي، دافع عن قضايا الجزائر.. شاعر النجم، والحركة الوطنيّة المتحرّرة من الأفكار التغريبيّة... قال عنه شكيب أرسلان: كلما قرأت محمد العيد آل خليفة، تأخذني هزة طرب تملك عليا جميع مشاعري، وشبهه محمد بن سمينة بشخصية الشاعر المخضرم حسان بن ثابت.
في عزّ الثورة والكفاح يطلبُ منه أن يصادق على مناشير تدين الثورة والحرب المشروعة ضدّ فرنسا، يرفضُ ويوقفُ من العمل وتغلق بل تحوّل المدرسة إلى ثكنة... ويسجن بالمدية ثمّ بسجن الكدية بقسنطينّة. وله قصيدةٌ قويّةٌ من بين القصائد التي ردَّ بها على آشيل في التعدي على القرآن وقوله إنّه همجيٌّ، يدعو للقتل في مقالاته بلاديبيش التي تصدرُ آنذاك في قسنطينة منها:
هيهات لا يعتري القرآنَ تبديلُ ... وإنْ تبدَّلَ توراةٌ وإنجيلُ
وقال:
من يعيش عن نفع قومه
أقيّض له جيشًا من الكلمات
له ديوانٌ ضخمٌ ومسرحيّةٌ شعريّةٌ /بلال بن رباح/ وساجلات ورسائل أدبية بين الشعراء يقول /في بسكرة تعرفت إلى بعض الأدباء وكان لي معهم سجالاتٌ أدبيّةٌ ورسائلُ شعريّة /كتب في أغراض الشعر العربي كله.. وكان لا يخرج عن فكرة /الإسلام والعربيّة والوطنيّة والإنسانيّة / رثى حافظ إبراهيم
يا رحمة الله هبي نفحة وهمي ... غيثًا على حافظ في القبر مدرارا.

