(قراؤنا الأعزاء سنبدأ من اليوم السبت 11/2/2023، نشر وعلى أجزاء متلاحقة، آخر إصدار/كتاب؛ للمفكر والباحث العربي الفلسطيني غازي الصوراني، الموسوم بعنوان: التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية. هذا الكتاب الهام والصادر في يناير من العام الحالي بعدد 228 صفحة، بحجم ورق من القطع المتوسط؛ نضعه بين أيدينا قرائنا آملين أن تتم الاستفادة المرجوة منه في موضوعه المحدد وعلاقته المباشرة؛ بشعار/دعوة/مبادرة/ضرورة: "اعرف عدوك" ومواجهة تجسيداته العملية إلى جانب ما يسمى: راويته التاريخية.
نوجه شكرنا الكبير وتحياتنا العالية إلى الباحث والمفكر القدير غازي الصوراني، على جهده الفكري والمعرفي المتواصل، وعلى خصه بوابة الهدف بنشر كتابه على أجزاء عبر موقعها الإلكتروني).
غازي الصوراني
تمهيد:
في كتابه "موجز التاريخ" يقول المؤرخ البريطاني "ج. هـ. ويلز" "كانت حياة العبرانيين في فلسطين تشبه حالة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار، ومن البدء حتى النهاية لم تكن ممتلكاتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسوريا وآشور وفينيقيا، ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من تاريخهم".
يؤكد على ذلك المسار التاريخي لأصحاب الديانة اليهودية منذ أن طردهم "هادريان" من فلسطين عام 136م حتى نهاية القرن الثامن عشر -حوالي 1750 عام- لم يعرف التاريخ أية دلائل أو مؤشرات جدية لحركة أو تجمع سياسي يهودي يسعى إلى إقامة دولة "إسرائيل"[1]، واستمر هذا الوضع حتى عقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897.
في هذا الجانب، أشير الى ان عدد اليهود كان في عام 1922 نحو 83 ألف نسمة، أي أنهم شكلوا 11% فقط من سكان فلسطين، كما لم يتجاوز عددهم في سنة 1947 عشية قرار التقسيم 650 ألف نسمة، أي ما يعادل ثلث سكان فلسطين آنذاك، على الرغم من النشاط الصهيوني والدور البريطاني في تسهيل هجرة اليهود لإنشاء "الوطن القومي" تحقيقاً لمصالح بريطانيا الاقتصادية، وتنفيذاً لوعد بلفور الذي لم يكن أبداً مجرد تعبير عن تعاطف الاستعمار البريطاني مع فكرة الوطن القومي اليهودي، وإنما تجسيد للمصالح الرأسمالية الاستعمارية.
وهنا أود التأكيد على أن المشروع الصهيوني لم يكن من الممكن أن يتحول من مجرد حلم يراود هرتسل إلى مشروع عمل وبرنامج سياسي لولا تدخل الاستعمار البريطاني، دون أن نتجاوز الدور الذاتي لليهود الصهاينة العلمانيين خصوصاً عبر نشاطهم الفعال لتنفيذ مشروع الكيان الصهيوني، في مقابل تقاعس القيادة الإقطاعية الفلسطينية التي تقاعست وعجزت عن توفير المقومات المطلوبة -ضمن الحد الأدنى- لمجابهة عملية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، إلى جانب خيانة معظم بلدان النظام العربي آنذاك عموماً، ونظام الملك عبدالله الأردني خصوصاً.
إننا ندرك أن اغتصاب فلسطين لم يكن فعلاً احتلالياً نمطياً، بل إن جوهره يتمثل في كونه استعماراً استيطانياً [2]، إجلائياً وإحلالياً يؤكد على ذلك مسيرة نضال شعبنا منذ بداية القرن الماضي، واستشهاد الآلاف من أبناء شعبنا دفاعاً عن أرضهم، وتهجير وطرد حوالي مليون فلسطيني ومصادرة بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم وأراضيهم.
ومنذ إقامة دولة الكيان الصهيوني إلى يومنا هذا وهي مستمرة في سياستها العنصرية العدوانية الاستيطانية، عبر مصادرة الأراضي وإخراج العائلات من منازلها وإحلال المستوطنين الصهاينة محلهم.
وفي هذا الجانب أشير إلى أن العنصرية الصهيونية تاريخياً بدأت عبر ممارساتها المتوحشة مع ما يسمى بالتيار العلماني اليهودي الصهيوني بمشاركة رموزه من تلاميذ هرتزل، أمثال وايزمن وبن جوريون وجابوتنسكي ومناحيم بيجن وصولاً إلى شامير وشارون ونتنياهو وليبرلمان ولابيد، إذ أن هذا التيار العلماني الصهيوني، يشكل -من وجهة نظري – ميراثاً اقتدت به وتعلمت منه مجمل التيارات الصهيونية الدينية المتطرفة التي برزت في المرحلة الراهنة، بحيث لا يمكننا التفريق بين بشاعة الممارسة الإجرامية للعلمانيين الصهاينة قبل عام 1948 وبعدها، وبين المجرمين الجدد في التيارات الدينية الصهيونية المتطرفة، وبالتالي فإن العنصرية الصهيونية هي بحق - كما يقول عالم الاجتماع البروفيسور اليهودي الأمريكي نورمان فينكلشتاين[3]، وهو من أبرز المناهضين للحركة الصهيونية- "إن الفلسفة العنصرية الصهيونية قد غرست في أعماق العقل الباطن الإسرائيلي العنصري كراهية لا ترويها إلا الدماء، فلا فرق لدى العنصري إن كانت الدماء المسفوكة لأطفال أو لنساء حوامل أو كبارا في السن".
وفي هذا السياق، أورد نص خطبة موشيه ديان المحمولة بالعنصرية الدموية، ألقاها في تأبين الجندي القتيل "روعي روتبرغ" [4]:
يوم 30 نيسان / ابريل عام 1956 قتل أحد الجنود الاسرائيليين، واسمه روعي روتبرغ، بالقرب من حدود قطاع غزة على أيدي فدائيين عرب. وفي جنازته حضر رئيس هيئة الاركان الاسرائيلي موشيه ديان شخصياً وألقى في الجموع كلمة مرتجلة، وفي خطبته تلك أظهر موشيه ديان حقيقة الصهاينة المتوحشين الذين لا يعرفون سوى لغة القوة والبطش والموت.
وقد اشتهرت خطبة ديان تلك في اوساط الاسرائيليين، وخصوصا الشبان منهم، وصاروا يرددونها ويتمثلون بها في كل حين، حتى أنها وصفت بأنها "صوت الجيل".
وفيما يلي النص الكامل لخطبة موشيه ديان[5]:
"يوم أمس قُتل روعي! الصباحُ الهادئ في اليوم الربيعي أعمى عينيه عن رؤية مَن يتربصون به خلف ذلك الخندق. دعونا لا نوجه الاتهامات اليوم إلى القتلة! لماذا نشكو من كرههم الشديد لنا؟ منذ ثماني سنوات يقيمون في مخيمات لاجئين في غزة، ونحن أمام أعينهم نحوّل أراضيهم والقرى التي سكنوا فيها هم وأجدادهم إلى منازلَ ووطنٍ لنا.
علينا أن نطلب دم "روعي" ليس من العرب في غزة، بل من أنفسنا! كيف فشلنا في أن نرى بأعيننا مصيرَنا، ومصيرَ جيلنا بكل قسوته ووحشيته؟ هل نسينا أن هذه المجموعة من الشبان الذين يعيشون في ناحال عوز، يحملون على أكتافهم عبء أبوابَ غزة الثقيلة، التي تتكدس وراءها مئات الآلاف من العيون والأيدي التي تتنظر ضعفنا حتى تمزقنا أشلاء، هل نسينا هذا؟! اننا نعلم أنه من أجل القضاء على أملهم في ابادتنا، يجب علينا، صباحاً ومساءً، أن نكون مسلحين ومستعدين.
نحن جيل المستوطنين، وبدون المدافع والخوذ الفولاذية لن يمكننا ان نزرع شجرة أو نبني منزلاً. لن تكون هناك حياة لأطفالنا إذا لم نحفر الملاجئ، وبدون البنادق وأسوار الأسلاك الشائكة لن يمكننا رصف الطرق أو حفر آبار المياه. الملايين من اليهود الذين تم إبادتهم لعدم وجود دولة لهم، يراقبوننا من رماد التاريخ الإسرائيلي، ويحثوننا على الاستيطان وبناء أرض لشعبنا.
وهناك من وراء تلك الخنادق على الحدود بحرٌ من الكراهية وأحلامُ الانتقام في انتظار اليوم الذي نتراخى فيه ونركن الى الهدوء!
دماء "روعي" تنادينا وتصرخ علينا من جسده المشوّه، دعونا لا نتوانى عن رؤية العداوة التي تفيض بها قلوب مئات آلاف العرب الذين يسكنون حولنا وينتظرون اللحظة التي يمكنهم فيها سفك دمائنا. دعونا لا نغمض أعيننا لحظة كيلا تضعف أيدينا القابضة على السلاح. هذا هو قدر جيلنا. هذا هو خيارنا الوحيد: أن نكون مستعدين ومسلحين، وقويين وصلبين، لأنه إذا انزلق السيف من قبضة أيدينا فستنتهي حياتنا.
"روعي روتبرغ"، الشاب الأشقر النحيل، الذي غادر تل أبيب لبناء منزل على أبواب غزة ليكون جداراً لنا جميعاً! "روعي روتبرغ" الذي كان يسطع النور من قلبه فأبهر عينيه ولم يرَ بريق السكين المتربّصة! التوق إلى السلام أضعف سمعه فلم يسمع صوت الموت الكامن! أثقلت عليه بوابات غزة حتى أفنته! "[6].
بالإضافة إلى خطبة "موشيه ديان" الغامرة بالحقد العدواني العنصري الصهيوني، أورد فيما يلي فقرات من كتاب "الأكاديمي اليساري اليهودي المناهض للصهيونية د. إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي" حول بشاعة ممارسات الصهاينة العلمانيين ضد أبناء شعبنا: يقول إيلان بابيه، في 10 آذار / مارس 1948، وضعت مجموعة من أحد عشر رجلاً، مكونة من قادة صهيونيين قدامى وضابطين عسكريين شابين، اللمسات الأخيرة على خطة لتطهير فلسطين عرقياً، وفي مساء اليوم نفسه، أرسلت الأوامر إلى الوحدات على الأرض بالاستعداد للقيام بطرد منهجي للفلسطينيين في مناطق واسعة في البلد، وأرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لطرد الناس بالقوة: إثارة رعب واسع النطاق، محاصرة وقصف قرى ومراكز سكانية، حرق منازل وأملاك وبضائع، طرد، هدم (بيوت، منشآت)، وأخيراً، زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم، وتم تزويد كل وحدة بقائمة تتضمن أسماء القرى والأحياء المحددة كأهداف لها في الخطة الكبرى المرسومة، وكانت هذه الخطة، التي كان اسمها الرمزي الخطة دالت هي النسخة الرابعة والنهائية من خطط أقل جذرية وتفصيلاً عكست المصير الذي كان الصهيونيون يعدونه لفلسطين، وبالتالي لسكانها الأصليين"[7].
ويضيف بابيه قائلاً: "فعندما أنشأت الحركة الصهيونية دولتها القومية لم تخض حرباً نجم عنها طرد "أجزاء" من السكان الفلسطينيين، بل بالعكس: كان الهدف الرئيسي للحركة تطهير فلسطين بأسرها تطهيراً عرقياً شاملاً، باعتبارها البلد الذي أرادت أن تقيم دولتها، ويستطرد إيلان بابيه بقوله: لقد وضعت هذا الكتاب بقناعة راسخة بأن التطهير العرقي الذي حدث في فلسطين يجب أن يتجذر في ذاكرتنا ووعينا بصفته جريمة ضد الإنسانية، ويجب أن يستثني من قائمة الجرائم "المزعومة" أن مرتكبيه هنا ليسوا مجهولين – أنهم مجموعة محددة من الأشخاص: أبطال حرب الاستقلال اليهودية، وأسماؤهم مألوفة جداً لدى معظم القراء، والقائمة تبدأ بزعيم الحركة الصهيونية غير المنازع في زعامته، دافيد بن – غوريون، الذي نوقشت الخطة في منزله الخاص وحبكت نهائياً الفصول الأولى والأخيرة في قصة التطهير العرقي، فقد وضع هؤلاء خطط التطهير العرقي وأشرفوا على تنفيذها إلى أن تم اقتلاع أكثر من 70% من السكان الأصليين من وطنهم، وقد اشتملت القائمة، أولاً وفي الصدارة، على أعلى الضباط رتبة في جيش الدولة اليهودية الذي سيتكون لاحقاً، كالقادة الأسطوريين يغال يادين وموشيه دايان ويغال ألون ويتسحاق ساديه، ويوجد مع هؤلاء العسكريين من يمكن أن نصفهم في أيامنا هذه بـ "المستشرقين"، إما لأنهم أتوا من دول عربية، وإما لأنهم كانوا علماء في حقل دراسات الشرق الأوسط، وساعد هؤلاء الضباط والخبراء قادة مناطق، مثل موشيه كالمان، الذي طهر منطقة صفد، وموشيه كرمل، الذي اقتلع معظم سكان الجليل، ونشط يتسحاق رابين في كل من اللد والرملة، وفي منطقة القدس الكبرى، هناك شمعون أفيدان، الذي طهر الجنوب، والذي قال عنه، بعد أعوام، زميله رحبعام زئيفي، الذي حارب معه، "شمعون أفيدان، قائد لواء غفعاتي، طهر جبهته من عشرات المدن والقرى، وساعده في ذلك يتسحاق بونداك، الذي أخبر صحيفة "هآرتس" في سنة 2004: "كان هناك مئتا قرية وجميعها أزيلت من الوجود، كان لا بد من تدميرها، وإلا لكان بقي لدينا هنا عرب مثلما هي الحال في الجليل، ولكان بقي لدينا مليون فلسطيني آخر"[8].
يضيف إيلان بابيه في حديثه عن مخطط الطرد وتصفية الفلسطينيين فيقول: تم وضع الخطة (د) (دالت) في 10/3/1948 وكانت هذه هي الخطة التي حسمت مصير الفلسطينيين القاطنين داخل الأراضي التي أراد القادة الصهيونيون الاستيلاء عليها لإقامة الدولة اليهودية العتيدة، وبغض النظر عما إذا كان من الممكن أن يتخذ هؤلاء الفلسطينيون قراراً بالتعامل مع الدولة اليهودية أو مقاومتها، فإن الخطة دالت قضت بطردهم من وطنهم بشكل منهجي وكلي"[9].
ففي 10 آذار / مارس 1948، "تم تبني خطة دالت، وكان الهدف الأول المراكز الحضرية في فلسطين، التي اكتمل احتلالها جميعاً مع حلول نهاية نيسان / إبريل، وقد جرى في هذه المرحلة اقتلاع نحو 250.000 فلسطيني في أماكن سكنهم، ورافق ذلك مجازر عديدة، -كما يقول ايلان بابيه- أبرزها مجزرة دير ياسين، ونتيجة هذه التطورات اتخذت جامعة الدول العربية، في اليوم الأخير من نيسان / إبريل، قراراً بالتدخل عسكرياً، لكن ليس قبل انتهاء الانتداب البريطاني.
كثيرون في الدول العربية المحيطة بفلسطين تظاهروا ضد تقاعس حكوماتهم عن العمل، وآلاف من الشبان كانوا راغبين في التضحية بحياتهم من أجل الفلسطينيين، لكن الشخص الغريب في هذه التركيبة -يقول بابيه- كان ملك الأردن عبد الله، الذي استخدم الوضع الجديد لتكثيف مفاوضاته مع الوكالة اليهودية من أجل اتفاق مشترك بشأن فلسطين ما بعد الانتداب، وتكشف مذكرات فوزي القاوقجي عن الإحباط المتنامي لدى ضباط جيش الإنقاذ من عدم استعداد وحدات الفيلق العربي، المرابطة في فلسطين للتعاون مع قواته، في أثناء العمليات اليهودية ما بين كانون الثاني / يناير وأيار/ مايو 1948، عندما طرد ما يقارب 250.000 فلسطيني من بيوتهم، لم يحرك الفيلق العربي ساكناً.
كان الفيلق العربي، أي الجيش الأردني، -يؤكد ايلان بابيه- أفضل الجيوش تدريباً في العالم العربي، وكان يعادل القوات اليهودية، بل حتى كان يتفوق عليها في بعض المناطق، لكن نشاطه اقتصر، بناء على أوامر من الملك عبد الله ورئيس هيئة أركانه البريطاني، جون غلوب باشا، على المناطق التي اعتبرها الأردنيون لهم: القدس الشرقية، والمنطقة المعروفة حالياً باسم الضفة الغربية.
فيما يتعلق بالقيادة الفلسطينية، فإن ما بقي منها كان مجرد شظايا وفي حالة فوضى كاملة، بعض أعضائها رحل بسرعة على أمل أن يكون رحيله مؤقتاً، لكن هذا الأمل خاب، عدد قليل جداً منهم رغب في البقاء ومواجهة العدوان اليهودي.
على أي حال ، استمر شعبنا الفلسطيني في مقاومته للمحتلين الصهاينة منذ ما بعد النكبة، والتطهير العرقي، إلى يومنا هذا، وصمد رغم كل المؤامرات التي تعرض لها عبر مخططات الصهاينة والإمبرياليين الأمريكان والرجعية العربية، الذين حاولوا تهجير شعبنا توطينه في بلدان الشتات، لكن صموده كان تحدياً عظيماً، حيث يبلغ عدد أبناء شعبنا الفلسطيني اليوم في الأرض المحتلة 48 والضفة وقطاع غزة وبداية عام 2023 سبعة ملايين ومائة ألف نسمة موزعين على الضفة الغربية بواقع ثلاثة ملايين ومائتي ألف نسمة، وقطاع غزة بواقع مليونان ومائتي ألف نسمة، والأرض المحتلة 1948 بواقع مليون وسبعمائة ألف، وذلك حسب تقرير الإحصاء المرزي الفلسطيني الصادر بتاريخ 29/ ديسمبر/ 2022، وهنا بالضبط، تتجلى تطلعات شعبنا من أجل استعادة وحدته الوطنية، ومواصلة نضاله التحرري والديمقراطي من أجل عودته وتقرير مصيره.
أشير هنا إلى أنني على قناعة تامة – بالمعنى الموضوعي - بأن الصهيونية وعاء للعلمانية والديمقراطية لليهود في إسرائيل، وذلك انطلاقاً من أن "الدولة" يهودية في الجوهر ديمقراطية تعددية في الشكل والمظهر، ولكن، يبدو أنه في المرحلة الحالية، بعد الانتخابات الأخيرة نوفمبر 2022، باتت الدولة الصهيونية وعاءً للعلمانية والدين معاً، وباتت تجسيداً عنصرياً وعدوانياً لإرهاب الدولة[10] في إطار الجمع بين القومية الصهيونية والدين التوراتي، لكن لابد من التذكير بأننا مهما تحدثنا عن عنصرية المتدينين وجرائمهم الوحشية العنصرية ضد شعبنا، فإن جرائم العلمانيين أكثر توحشاً وعنصريةً، بقيادة بن جوريون وقيادة حزب العمل، ومذابحهم في يافا وحيفا ودير ياسين والطنطورة وكفر قاسم وعشرات المذابح الأخرى الموثقة قبل وبعد نكبة 1948، وخاصة في غزة وخانيونس وبورسعيد أثناء العدوان الثلاثي عام 1956، إلى جانب الدور الرئيسي للقيادة العلمانية الصهيونية في حرب عام 1967 والاعتداءات الإجرامية البشعة ضد قواعد الفدائيين في الضفة وغزة كما في الأردن ولبنان وسوريا وتونس.
إلى جانب ذلك، فإن كل هذه الجرائم التي مارسها العلمانيين الصهاينة ، لا تمحو أبداً من أذهان أبناء شعبنا، جرائم هذا العدو الصهيوني العلماني في هدم ومحو أسماء أكثر من 400 قرية ومدينة فلسطينية، أقاموا بدلاً منها مستعمرات صهيونية داخل الأراضي المحتلة 48 وداخل أراضي الضفة الغربية، حيث أعطيت تلك المستعمرات أسماء يهودية توراتية / صهيونية، وقام المحتل الصهيوني بتغيير مصطلح "المناطق المدارة" على الضفة الغربية ليصبح اليوم "يهودا والسامرة"[11]، وذلك في سياق أوهام العدو الصهيوني وممارساته الهادفة إلى إزالة شعبنا الفلسطيني كوجود تاريخي وديمغرافي سكاني / بشري ومعنوي من أرض وطنه فلسطين.
إن ما يؤكد على حقيقة أوهام العدو الصهيوني، تلك التضحيات المتصلة في مسيرة نضال شعبنا الفلسطيني طوال ما يقرب من 100 عام مضت ، وها هو شعبنا اليوم -عبر كوادره الثورية الشابة- يقدم أروع صور المقاومة والتضحية ضد العدو رافضاً وجوده الاحتلالي ووجوده ككيان استعماري استيطاني غاصب، وهذا الموقف الثوري جاء انعكاساً لممارسات قوات الاحتلال والمستوطنين التي أدت إلى تعزيز دافعية التحدي لدى أبناء شعبنا الفلسطيني وترسيخ قناعتهم بضرورة النضال المسلح ضد العدو، وتغيير قواعد الاشتباك، وترسيخ مفهوم "الاحتلال المكلف"، ومن هنا ظهرت المجموعات المسلحة -بصور ومبادرات عفوية أو تنظيمية - التي تصدت مؤخراً لاقتحامات قوات الاحتلال للمدن الفلسطينية في جنين وطولكم ونابلس، وستظل هذه المجموعات، على الرغم من الضربات التي تعرضت لها، واستشهاد العديد من عناصرها، تشكل نموذجا يحتذى و"إرثا قتالياً" ومثلاً أعلى للشباب في فلسطين والشتات الاقتداء بها.
لقد حرصت أن أقدم في هذه الدراسة عدداً من العناوين ذات الطابع التاريخي المرتبط بجذور الصهيونية وارتباطاً بالتوسع الرأسمالي الاستعماري، ومن ثم نشأة الصهيونية وتبلور حراكها ومخططاتها مشاريعها منذ نمو وتطور ولادة الحركة الصهيونية في إطار التطور الرأسمالي الأوروبي الاستعماري.
كما حرصت على إعداد دراسات مكثفة تتناول صعود الصهيونية الدينية "والقومية" الرجعية وأبرز المنظمات الصهيونية، وأهم رموز التيار القومي والديني الصهيوني اليميني المتطرف، ضمن الملاحق المرفقة لمن يرغب في المزيد من الاطلاع على الحركة الصهيونية.
[1] إسرائيل: تنسب تسمية "إسرائيل" إلى (حسب الأسطورة الصهيونية) يعقوب ابن اسحق؛ حيث ترد في التوراة قصة مفادها أنه خاض عراكاً ضد رجل حتى مطلع الفجر، عند جدول صغير في منطقة الأردن يدعى "يبوق"، ولما رأى الرجل أنه لا يقدر عليه، طلب منه أن يطلقه، فقال له يعقوب لا أطلقك حتى تباركني، فباركه وقال له "لن يدعى اسمك يعقوب من بعد، بل إسرائيل، لأنك صارعت الله والناس، وغلبت (سفر التكوين 23:20 وما بعدها). ولفظة إسرائيل مكونة من كلمتين ساميتين قديمتين هما: "إسر" بمعنى غلب، و"إيل" أي الآله أو الله، وقد أصبحت هذه التسمية مصدر فخر صهيوني من "الناحية القومية" "لبني إسرائيل"، وأصبحوا ينسبون أنفسهم لها فيقولون: "بيت إسرائيل" أو "آل إسرائيل" أو "بني إسرائيل"، كثيراً ما يختصرون التعبير فيقولون "إسرائيل" فقط كما في مأثور التلمود والاسم العبري لفلسطين، وهو "إيرتس يسرائيل" أي "أرض إسرائيل". (مصطلحات ومفاهيم سياسية إسرائيلية – وكالة وفا)
[2] برز في السنوات الأخيرة في حقل الأكاديميا استخدامٌ متزايدٌ لنموذجٍ إرشاديّ تفسيري جديدٍ (أو متجدد) بهدف فهم ودراسة حالات الاستعمار الاستيطانيّ في دول مثل أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، وهو ما يُسمّى نموذج منطق الإبادة، والذي طوّره بشكلٍ أساسيٍّ المؤرخ الأسترالي الأبيض باتريك وولفPatrick Wolfe . يقول هذا النموذج باختصار ما يلي: الأرض أولًا والأرض أخيرًا. فالمستعمر المستوطن جاء ليبقى. الاستعمار الاستيطانيّ لا ينتهي في الزمان أو المكان، فهو استعمارٌ لا رجعةَ عنه، لا يمكنُهُ التراجعُ ولا تغييرُ طبيعتهِ التوسعيّة، لأنه قائمٌ على منطق الإبادة لأهل البلاد، وبعد أن تتم الإبادة يتم السطو على هوية أهل البلاد واستدخالها في هوية المستوطن الجديدة، ما يعني أن الاستعمار الاستيطاني لا يزول إلا بالقوة المطلوبة القادرة على توفير عوامل هزيمته وإزالة وجوده بالكامل.
[3] " إسرائيل فينكلشتاين" اكد في تقرير نشرته مجلة جيروساليم ريبورت الإسرائيلية- 5-8-2011-"أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم بعض القصص الواردة في التوراة بما في ذلك قصص الخروج والتيه في سيناء وانتصار يوشع بين نون على كنعان"، وأكثر من ذلك حيث يشكك في قصة داوود الشخصية التوراتية الأكثر ارتباطاً بالقدس حسب معتقدات اليهود"، موضحا"أنه لا يوجد أساس أو شاهد اثبات تاريخي على وجود هذا الملك المحارب الذي اتخذ القدس عاصمة له والذي سيأتي احد من صلبه للإشراف على بناء الهيكل الثالث"، مؤكداً "أن شخصية داوود كزعيم يحظى بتكريم كبير لأنه وحد مملكتي يهودا وإسرائيل هو مجرد وهم وخيال لم يكن لها وجود حقيقي". (للأسف كافة المسلمين يعتبرون داود نبياً رغم سيرته الاجرامية البشعة)، ويضيف فينكاشتاين "إن وجود باني الهيكل وهو سليمان ابن داوود مشكوك فيه أيضاً، حيث تقول التوراة أنه حكم امبراطورية تمتد من مصر حتى نهر الفرات رغم عدم وجود أي شاهد أثري على أن هذه المملكة المتحدة المترامية الأطراف قد وجدت بالفعل في يوم من الايام وإن كان لهذه الممالك وجود فعلي فقد كانت مجرد قبائل وكانت معاركها مجرد حروب قبلية صغيرة.
أما فيما يتعلق بهيكل سليمان فلايوجد أي شاهد أثري يدل على أنه كان موجوداً بالفعل". وكان فينكلشتاين ادلى بواحدة من اهم الشهادات الموثقة المتعلقة بالصراع المحتدم حول "هوية القدس ": اذ شكك في اسطورتي الملك داود وسليمان الحكيم موردا قراءة جديدة لهما على ضوء ابحاث علمية مفادها "ان داود كان ربما مجرد قاطع طريق وسليمان كان حاكما على القدس في زمن لم يكن عدد سكانها يتعدى بضعة آلاف، وقال لصحيفة معاريف العبرية ايضا:"آسف لا يوجد ادلة اثرية على هذه الحكاية الهامة و الجميلة"، اى حكاية خروج شعب اليهود العبيد من ارض مصر الى ارض الكنعانين". مضيفا:" انه خلال عشرات السنوات من البحث الاثري العلمي لم يتم اكتشاف اية براهين اثرية لحكاية الخروج من مصر، رغم حراثة سيناء كلها ودلتا النيل طولاً وعمقاً… ليس هناك اية براهين على ان الاسرائيليين القدامى مّروا من هنا". مردفا:"ليست هناك ادلة على وجود تجمع سكاني عبري اياً كان استوطن فيه يعقوب وابناؤه او غيرهم من الاسرائيليين الاخرين في مصر نفسها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد الذي يعتبر فترة حدوث المجريات المفترضة في الحكاية".
الاستعمار الاستيطاني، بموجب منطقه فإن المستعمر جاء ليبقى ويبني مشروعه في البلد الجديد، وعليه فإن هذا النوع من الاستيطان جاء ليتعمق، وليسيطر على البلد سيطرة كاملة، ويبدل معالمه وأسماءه وأرضه وسماءه. وضمن هذا المنطق، فإن السكان الأصليين يقفون حجر عثرة أمام مشروعه، وعليه فإنه يتبنّى سياسة تقوم على محو السكان الأصليين وإلغاء وجودهم، وإن كان ذلك بدرجات متنوعة، وبأساليب متعددة، وهناك دراسات متعددة تناولت الاستعمار الاستيطاني الصهيوني تناولت فلسطين كوحدة واحدة، وحللت المواطنة الإسرائيلية من هذا المنظور، يمكن الاشارة إلى مساهمات نديم روحانا ودراسات هنيدة غانم، والتي ركزت على طبيعة المحو والإنشاء في علاقة الصهيونية بالمجتمع الفلسطيني، ونادرة شلهوب –كيفوركيان التي ركزت، في المقابل، في دراساتها على أساليب العنف المباشر وغير المباشر الذي يمارسه الاستيطان الاستعماري، وخصوصاً على الأطفال والنساء، وكذلك على طريقة تحكمه في أسئلة الحياة والموت والجسد الفلسطيني. ومؤخراً نشر إسماعيل ناشف كتاباً يعرض فيه من منظور السيطرة الكولونيالية الطريقة التي سيطرت فيها إسرائيل على اللغة العربية في الحيز العام.بناء على ما سبق، يمكن القول إنه لا يمكن فهم الحركة الصهيونية باعتبارها حركة قومية أو مجرد حركة قومية، وإنما يجب النظر إليها في سياقها الكولونيالي الاستيطاني الهادف إلى تفتيت أواصر شعبنا الفلسطيني وتفكيك وحدته وصموده على أرض وطنه التاريخي.
[4] حسام عبد الكريم- خطبة موشيه ديان في تأبين الجندي القتيل "روعي روتبرغ" -موقع أطلس– 13 فبراير2022
[5] المصدر السابق -حسام عبد الكريم-
[6] المصدر السابق - حسام عبد الكريم.
[7] غازي الصوراني – ملخص كتاب: التطهير العرقي – ايلان بابيه – الحوار المتمدن – بتاريخ 5/6/2008.
[8] المصدر السابق - غازي الصوراني.
[9] المصدر السابق - غازي الصوراني.
[10] «إرهاب الدولة» هو السمة المميزة للكيان الصهيوني، وقد برع فيه زعماء هذا الكيان بما لهم من خبرة «جيدة» في هذا المجال؛ فمنهم من كانوا زعماء عصابات ثم أصبحـوا رؤسـاء وزارات كـابن غـوريون وجلدا مائير وإسـحاق شـامير ورابين ومناحيم بيغين وايهود باراك وأرئيل شارون وبينيت ولابيد... وبجانب «الإرهاب الرسمي» نشأ ما يمكن أن نطلق عليه: «الإرهاب شبه الرسمي»؛ وهي الظاهرة التي برزت في أعقـاب حرب يونيو 1967م والاحتلال الصهيوني لمزيد من الأراضي العربية، وإعلان المدينة المقدسة بكاملها (عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل). تبلورت وتنامت هذه الظاهرة في مطلع السبعينيات من القرن الماضي متمثلة في تنظيمات صهيونية عنصرية إرهابية ترفع شعار «أرض إسرائيل الكاملة» وتدعو إلى طرد العرب من فلسطين المحتلة والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم وضم الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان إلى ما يسمى «الحدود التوراتية» التي يروَّج لها الآن بدعم من بعض الأنظمة العربية، خاصة في عهد الرئيس السابق للولايات المتحدة "ترامب" في ما عرف بـ «صفقة القرن». (عرفه عبده علي - يد تمسك التوراة ويد تمسك السلاح... الإرهاب الصهيوني «قبضة مطوية في درع داود » - مجلة البيان – العدد 394.)
[11] إن المرتكزات التي كانت سابقاً حكراً على اليمين العلماني، تحولت اليوم مع الصهيونية الدينية إلى جزء من الإجماع العام، وهو على النحو التالي: (1) يتطبق "يشع هنا" (يهودا والسامرة هنا) بدلاً من المناطق المدارة، هذا الشعار اليميني الذي أُطلق خلال أوسلو تحول اليوم إلى إجماع من خلال اعتبار الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة والجولان المحتل جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل المستقبلية. (2) مسألة ضم المستعمرات للسيادة الإسرائيلية باتفاق أو من دون اتفاق ليست نقطة خلاف مبدئي، بل اتفاق كامل على رفض اخلاء أي مستوطنة أو إزالة أي مستوطنة. (3)" إسرائيل" هي الدولة القومية للشعب اليهودي. (4) اختفى الاحتلال من البرامج الحزبية، والحديث يدور فقط حول تسويات حدود تتوسع وتضيق وفقاً لما يُطرح من تسويات وفق الشروط الصهيونية... شعار "يشاع هنا"، ويعني "يهودا والسامرة هنا"، هو شعار أطلقه المستوطنون المعارضون لاتفاق أوسلو ولأي انسحاب من الأراضي المحتلة، وكان يعني أن حكم أرض إسرائيل المُرادة هو كحكم إسرائيل ككيان سياسي. ويشاع هي أول حروف عبرية من "يهودا شومرون وعزا"، أي يهودا والسامرة وغزة، وهي المسميات التوراتية للضفة الغربية وغزة. (هنيدة غانم – أي أفق سياسي وأي سلام بعد الانتخابات الإسرائيلية الكنيست 19؟ - مجلة الدراسات الفلسطينية – العدد 121 – شتاء 2020).

