(قراؤنا الأعزاء بدأنا من يوم السبت 11/2/2023، نشر وعلى أجزاء متلاحقة، آخر إصدار/كتاب؛ المفكر والباحث العربي الفلسطيني غازي الصوراني، الموسوم بعنوان: التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية. هذا الكتاب الهام والصادر في يناير من العام الحالي بعدد 228 صفحة، بحجم ورق من القطع المتوسط؛ نضعه بين أيدينا قراؤنا آملين أن تتم الاستفادة المرجوة منه في موضوعه المحدد وعلاقته المباشرة؛ بشعار/دعوة/مبادرة/ضرورة: "اعرف عدوك" وضرورة مواجهة تجسيداته العملية إلى جانب ما يسمى: راويته التاريخية..
نوجه شكرنا الكبير وتحياتنا العالية إلى الباحث والمفكر القدير غازي الصوراني، على جهده الفكري والمعرفي المتواصل، وعلى خصه بوابة الهدف بنشر كتابه على أجزاء عبر موقعها الإلكتروني).
التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية
(الجزء الثالث)
غازي الصوراني
مخطط الصهيونية الدينية المتطرفة:
في مراجعته لكتاب "الثورة الثالثة" ليائير نهورئي، عن مخطط الصهيونية الدينية لبلوغ "دولة الشريعة" الصادر عام 2021، اعتبر الباحث في الدراسات اليهودية، د. نبيه بشير ، هذا الإصدار إضافة نوعية في المجال كونه يتمتع على حد قوله بمساهمتين مركزيتين:
تتلخص الأولى في رصد مواد شفهية لقيادات مركزية تنتمي للجناح السياسي لتيار "الصهيونية الدينية"؛ فيما تتمثل الثانية في رصد مواد موثقة تفيد بوجود مخطط في تيار "الصهيونية الدينية" يسعى إلى التغلغل في كافة المؤسسات الحكومية الإسرائيلية، لا سيما في الجيش ومواقع صنع القرار، وكذلك التغلغل الملموس في حزب الليكود واحتلاله من الداخل، وذلك من أجل إحداث "انقلاب في نظام الحكم" وتحقيق الغاية المتمثلة بـ"دولة الشريعة" اليهودية.
في هذا الجانب، يتحدث كتاب نهورئي، عن مخطط لقلب نظام الحكم في "إسرائيل" من قبل الصهيونية الدينية، كما يتحدث بإسهاب -كما يقول د. نبيه بشير- عن هذا المخطط وملامحه والتفاصيل والآليات والأساليب والسياسات المستخدمة لتحقيقه، من خلال السعي للتغلغل في جميع المؤسسات المركزية والسعي إلى قيادتها.
أما كيف يتحقق هذا المخطط الروحاني - الاجتماعي من الأسفل، فهو بواسطة تشكيل فئة من الأشخاص تكبر شيئًا فشيئًا، كمًّا وكيفًا، بحيث من يشاهدهم يسعى للانضمام إليهم في مسيرتهم.
هذا هو المبدأ الأول والرئيس، كما يقول نهورئي، تشكيل هذه الفئة من النخبة وإقامة بؤر توراتية تتوزع في كافة المدن والبلدات الإسرائيلية، وتعمل في مختلف المجالات التربوية و"التطوير" والاستيطان وغيرها، كما يقضي المخطط باستغلال الخدمة العسكرية من أجل إحداث تغيرات جوهرية في الجيش وفي المجتمع الإسرائيلي، من خلال التأثير على الجيش لتغيير ثقافته وملاءمتها لتوجهات الجنود المتدينين.
وكان الباحث المتخصص د. نبيه بشير قد أشار إلى هذه المحاولة في إطار رصده للتحولات الجوهرية التي مرت بها الصهيونية الدينية، ومراحل تطور التيار قيد التشكل والمتمثل في ما بات يطلق عليه "الحريدية الصهيونية" أو "الحريدية القومية" واختصارا باللغة العبرية "حَردليم"؛ وهو يفيد بأن التيار "الصهيوني الديني" يعتمد مخططًا إستراتيجيًا منذ نهاية السبعينيات، يرمي إلى التأثير على الوعي اليهودي عمومًا والإسرائيلي خصوصًا، من خلال أنشطة وغرس موظفين ينتمون إليه في مختلف المؤسسات، وتولي وزارات محددة أهمها وزارة التربية والتعليم "للتأثير على الأجيال القادمة ، إلى جانب وزارتي الزراعة والبناء والإسكان لإقامة المستوطنات وتعزيزها والداخلية.
وينقل د. نبيه بشير على لسان عضو الكنيست السابق وأحد مؤسسي حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية، حنان بورات، قوله "إن هذا التيار قد وضع إستراتيجية جديدة منذ مطلع الثمانينيات ترمي إلى دفع الأبناء المنتمين لهذا التيار للانضمام للجيش والانخراط في وسائل الإعلام، كخطوة نحو تغيير الوعي والثقافة السياسية في إسرائيل".
ويرى د. بشير أن تيار "الصهيونية الدينية" حقق نجاحًا كبيرًا، إذ حقق مشروع الاستيطان إنجازات كبرى، وجر أجزاء واسعة من المجتمع الحريدي المناهض مبدئيًا للصهيونية إلى المشاركة في مشاريع الاستيطان، والتقرب من المجتمع الإسرائيلي بواسطة الخدمة العسكرية أو المدنية، إلى جانب احتلال مناصب مرموقة في وسائل الإعلام.
أما دنيس شاربيت، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المفتوحة في إسرائيل، فقد توقع، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "لاكروا" الفرنسية، أن يستمر الصهيونيون الدينيون والمتشددون الأرثوذكس "في قضم تنازلات جديدة إلى أن يتم إنشاء هذه الدولة الدينية التي يأملون فيها.
تاريخياً، لقد أخذت الصهيونية الدينية بعد احتلال 1967 زمام المبادرة وشكلت من خلال حركة "غوش إيمونيم" رأس حربة في الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، وفي قيادة المشروع الاستيطاني الجديد.
وما حصل مؤخرًا أن جزءًا كبيرًا من مفكري ومثقفي الصهيونية العلمانية أصبحوا يتماهون مع الخطاب الديني، وأصبح الفكر الديني اليهودي أكثر طغيانًا وزحف باتجاه "القلاع" العلمانية اليهودية، ويكاد أن يطيح بها، وهذا الأمر يجري بشكل بطيء ولكن مدروس، وهو مخطط له ومغطى بميزانيات وفرها حكم الليكود، كذلك ظهور الخطاب اليميني المحافظ وتصاعده أميركيًا وعالميًا، أعطاهم وأعطى لحكم اليمين الإسرائيلي عمومًا غطاءً عالميًا.
والمشكلة أن الحركة الوطنية الفلسطينية تفتقر الى أدوات المواجهة، فلم نطور خطابًا لمواجهة الخطاب الديني الصهيوني، ولم نستعد مسبقا للتصدي له ولأخطاره المنتظرة، وهذا لا يعني أننا غير قادرين على توفير أسس المجابهة، بل على العكس، إننا نمتلك الإمكانيات اللازمة ولابد من بلورتها سياسياً ومادياً.
صعود الصهيونية الدينية:
إنّ صعود قائمة أحزاب الصهيونية الدينية وارتفاع تمثيلها في الكنيست من 6 مقاعد إلى 14 مقعدًا وتضاعف عدد الأصوات التي اقترعت لها من 225641 إلى 516146 في الانتخابات الأخيرة، يُعدّ الظاهرة الأبرز والأخطر في هذه الانتخابات ، وعلى نحوٍ خاص حصول هذه القائمة على 20 في المئة من أصوات الجنود في معسكراتهم.
فمنذ تأسيس "إسرائيل"، كان هناك دائمًا تيارٌ ديني وصهيوني، لكن لم ينشأ تيار ديني - صهيوني؛ بمعنى أنه لم يحصل تطابق بين الدين والصهيونية، كما يحصل منذ صعود موجة الحركات الاستيطانية في الضفة الغربية، وقد ظهر سياسيون إسرائيليون يمثِّلهم أساسًا الحزب الديني القومي "همڤدال"، وهم متدينون وصهيونيون في الوقت ذاته.
لكن، ما مَيَّز التيارَ الديني - الصهيوني الذي خرج من رحِم حركة الاستيطان في الأراضي المحتلة هو المطابقة بين الدين والصهيونية، ولا سيما بعد حرب 1967؛ حيث حصل تطابق بين أرض "إسرائيل" التوراتية ودولة إسرائيل، ما أدى إلى تنامي النزعات الدينية القومية ونشوء الحركات الدينية – الصهيونية".
في المرحلة الراهنة، ما بعد انتخابات 2022، باتت الحركات الدينية الصهيونية التي وافقت على الخدمة في الجيش والمؤسسات الاقتصادية وغير ذلك، تعبر عن جوهر المشروع الصهيوني، بوصولها إلى مواقع قيادية في الجيش وفي وحدات النخبة، وفي الصناعة، وفي قطاع التكنولوجيا الفائقة.
وفي كل الاحوال فإن حديثي عن الصهيونية الدينية ودورها العنصري النازي في هذه المرحلة، لا يعني أيضا انفراد الصهيونية الدينية في السيطرة على مؤسسات الدولة الصهيونية في المدى المنظور على الأقل، حيث ستحرص تلك المؤسسات على الاستمرار في الحفاظ على الجوهر العلماني للكيان الصهيوني انعكاساً لمصالح الرأسمالية الصهيونية عموماً ولطائفة الأشكناز ذات الثقافة الغربية خصوصاً.
لكن هذه الاستنتاجات، لا تلغي ضرورة الاستمرار في مواصلة النضال لمجابهة دولة العدو الصهيوني عموما وكافة منطلقات ومخططات وبرامج "الصهيونية الدينية" خصوصا، ما يعني ضرورة الاطلاع والمتابعة لتلك المخططات والمنطلقات الدينية الصهيونية باعتبارها الحاملة لبرامج شديدة التطرف والعنصرية تستهدف واهمة اقتلاع شعبنا الفلسطيني من أرضه، الأمر الذي يفرض علينا مزيداً من الوعي المعمق بمخططات العدو الصهيوني وكل ما يطرأ عليه من مستجدات دينيه أو سياسية عموما وتيارات الصهيونية الدينية خصوصا.
إن تولي عضوي الكنيست الصهيونيين الكاهانيين بن غفير "وسموتريتش" وزارة في الحكومة الحالية، ليس أمراً مستغرباً أو طارئاً بالنسبة لدولة العدو الصهيوني التي كانت طوال 74 عاماً على شاكلة بن غفير وسموتريتش ولكن بشكل متخفٍ ، والآن بعد فوزهما -تحت شعار الصهيونية الدينية- في الانتخابات، فإنهما يمثلان امتداداً لفكرة الدولة الصهيونية وحقيقتها العنصرية والفاشية تجاه شعبنا" منذ ما قبل اغتصاب فلسطين1948 وما بعدها، بغض النظر عن الحزب الحاكم فيها يسارياً أو يمينياً علمانياً أو متدنياً ، فكلهم صهاينة استعماريون استيطانيون مارسوا – وما زالوا – كل أشكال العدوان والعنصرية ضد أبناء شعبنا المستمر في نضاله وتضحياته وصموده حتى تحقيق أهدافه في الحرية والعودة وتقرير المصير.
مشروع الصهيونية الدينية في الضفة الغربية:
- كما أشرنا من قبل، فقد أحدث احتلال الاراضي الفلسطينية عام 1967 ذلك اللقاء المباشر والحقيقي بين المشروع الصهيوني الكولونيالي والمشروع الصهيوني الديني التوراتي.
- تجدر الملاحظة أن اليهودية الارثوذكسية ممثلة أساسا في احزابها الحريدية مثل اغودات يسرائيل ويهدوت هتوراة) بقيت في موقع الدفاع عن بؤر المقدس النقي في دولة إسرائيل، رغم أن ثغور متقدمة منها تصهينت وهوما يسمى اليوم التيار "الحردلي".
- حتى بعد صعود الليكود إلى الحكم، والذي تبنى مشروع "ارض إسرائيل" من النهر إلى البحر، فإن امتناعه عن ضم "أرض إسرائيل"، واكتفائه بتعزيز الاستيطان على الارض لم يكن ليعوض الصهيونية الدينية عن مشروعها الخلاصي، خاصة وأن الليكود تخلى عن سيناء في معاهدة كامب ديفيد، واعترف، ولو نظريا، بحكم ذاتي للفلسطينيين في الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.
- استمر الأب الروحي للصهيونية الدينية بعد حرب 1967، الحاخام تسفي يهودا هكوهن كوك (الأبن)، على غرار أبيه في إعطاء معنى خلاصي للمشروع الاستيطاني الصهيوني، وكانت تتمثل فكرة الحاخام الابن أن الارض في مرحلة ما بعد حزيران 67 أهم، في المنظومة المسيانية، من المقدس الموجود في جبل الهيكل، فتحرير الأخير يجب أن يكون آخر المراحل الخلاصية في المشروع الديني المسياني، وليست بدايته، وطبعا ليست في مرکزه.
حزب الصهيونية الدينية والضم:
ينطلق حزب الصهيونية الدينية من أنه يجب على "إسرائيل" فرض السيادة على الضفة الغربية كلها، معتبراً أن الضم الكامل للضفة الغربية وتهجير سكانها (ضمن مخطط الترانسفير)، هو الهدف الأساسي والنهائي للحزب. ويدرك الحزب أن ضم الضفة الغربية كلها أمرٌ غير وارد في ظل المعطيات الحالية، لذلك يتبنى الحزب فكرة الضم التدريجي والزاحف للضفة الغربية، ذلك هو جوهر برنامج "بن غافر" و"سموسترتيش" في ظل حكومة الليكود الجديدة .
وفي فصل "الاستيطان والسيادة" من برنامج حزب الصهيونية الدينية، فقد وضع الحزب مجموعة من الأهداف، منها: على "إسرائيل" عدم التفاوض على البناء الاستيطاني، ورفع سقفها كما يلي:
1. فرض السيادة على الضفة الغربية، لذلك على "إسرائيل" المبادرة لفرض السيادة على كل مناطق البناء الاستيطاني فيها، والضغط على النظام السياسي في "إسرائيل" من أجل تحقيق هذا الهدف.
2. منع "السيطرة" العربية على الأراضي الفارغة، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها.
3. في حالة عارضت الولايات المتحدة فرض السيادة الرسمية على كل الأرض، يجب العمل على فرضها في الواقع من خلال خطوات عديدة منها ما ذكر في البندين السابقين. وجاء في برنامج حزب الصهيونية الدينية أيضاً أن الهدف الأساسي له، هو فرض السيادة الإسرائيلية على كل الضفة الغربية، بيد أن هذه العملية يجب أن تكون تدريجية، فكما أن "عملية الخلاص للشعب اليهودي كانت تدريجية، فكذلك الأمر مع فرض السيادة".
4. شرعنة البؤر الاستيطانية التي أقيمت بدون قرار حكومي، وهي ما تسميها الصهيونية الدينية في برنامجها "المستوطنات الشبابية".
5. إلغاء الإدارة المدنية في الضفة الغربية وتوزيع صلاحياتها على الوزارات الأخرى. بسبب فشل الإدارة المدنية في تقديم الخدمات للمستوطنين ومنع السيطرة الفلسطينية على الأرض.
6. زيادة عدد المستوطنين في الضفة الغربية بمليون مستوطن جديد في السنوات القادمة، وتوفير سكن وعمل لهم
7. منع إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، والتي تطلق عليها الصهيونية الدينية "دولة إرهاب".
كما يشمل برنامج الحزب إعادة تنظيم توزيع الأراضي على المستوطنين أو للإسرائيليين الذين يرغبون في السكن بالمستوطنات وتسهيل هذا الاجراء، والذي بحسب رؤية الحزب سيسهم في زيادة عدد المستوطنين بنحو مليون نسمة خلال السنوات المقبلة.
ويشير برنامج حزب الصهيونية الدينية، إلى أن ضم الضفة الغربية يجب أن يكون تدريجياً، وأنه سيبدأ "فوراً" بضم مناطق عليها إجماع في المجتمع الإسرائيلي، مثل غور الأردن. أما في المناطق التي لم يتم ضمها فوراً، فإن الحزب يطالب بمنع البناء الفلسطيني فيها، والذي يهدف إلى خلق حقائق على الأرض من أجل إقامة دولة فلسطينية.
لكن الضم الفعلي لمناطق "ج" يشكل الحلقة الأهم في فرض الأمر الواقع، حيث تتكون سياسات الضم الفعلي من مركبات عديدة، منها: بناء الوحدات السكنية الاستيطانية في مناطق "ج"، دعم البنية المؤسساتية داخل المستوطنات، تضييق الحيز الفلسطيني وتهجير سكانه وهدم بيوته، اتباع سياسة اليد اللينة في التعامل مع اعتداءات المستوطنين على الممتلكات الفلسطينية.
في هذا الجانب أعتقد أن السياسات الاستيطانية لحكومة نتنياهو الحالية، تنسجم مع تصور اليمين الاستيطاني وأجزاء كبيرة من أقطاب حزب الليكود بضرورة ضم مناطق C إلى إسرائيل، أو على الأقل فرض أكبر قدر من الحقائق الديمغرافية والطبوغرافية على هذه المنطقة، بمعنى أن سياسات الاستيطان للحكومة الحالية تنسجم مع مخطط الضم الزاحف لمناطقC.
وفي تفسير هذه المواقف، نقول، إن ما يحدث اليوم، أن الحريديين يتقربون تدريجيا للصهيونية وأفكارها، والعلمانيين يتقربون للدين فيحدث هذا التزاوج الذي لا يقتصر على مستوى النخبة بـ"الحردليم"، بل يمتد إلى الشارع والمجتمع بتعميق الثقافة الدينية الصهيونية التي أخذت تحتل محل الثقافة العلمانية الصهيونية التي كانت سائدة، لحساب فكرة "يهودية الدولة" وعنصريتها بالطبع.
وفي هذا الجانب، فإنني لا أستبعد في ظل توافق اليمين الصهيوني بكل تياراته العلمانية عموماً والدينية المتشددة خصوصاً على تفعيل الدعوة إلى مصادرة القسم الأكبر من مناطق (ج) في الضفة الغربية، والاعتراف بالدولة الفلسطينية فيما يتبقى من أراضي الضفة الغربية، إلى جانب حرص العدو الصهيوني على تهجير قطاع هام من سكانها إلى الأردن أو الخارج، في ظل تهدئة سياسية/اقتصادية، بموافقة السلطة، تمهيداً لتنفيذ مخطط إعلان الكونفيدرالية مع الأردن على قاعدة " فلسطين هي "إسرائيل" والأردن هي فلسطين" وبداية مشهد جديد من النزاعات والصراعات داخل الأردن بين الشرق أردنيين وبين الأردنيين من أصل فلسطيني، مع احتمال زوال النظام الملكي فيما بعد بما قد يؤدي الى ولادة " دولة " فلسطينية اردنية، وكل ذلك مرهون بقوة المخططات الامبريالية / الصهيونية من جهة وباستمرار الضعف والخضوع العربي من جهة ثانية.
شعار "يهودية الدولة" والصهيونية بين الرؤية الدينية والعلمانية:
في هذا الجانب أشير إلى أن طرح حكومة دولة العدو الإسرائيلي شعار يهودية الدولة، لا يبتعد أبداً عن ظاهرة "الانبعاث الديني" على المستوى العالمي، كما تتوافق مع جوهر مواقف "الصهيونية الدينية"، علاوة على أنه يشكل جوهر البعد الديني الأسطوري الذي تتذرع به الحركة الصهيونية، أو تستخدمه عندما تقتضي الحاجة إليه في ظروف محددة.
فالمعروف أن الحركة الصهيونية في بداياتها الأولى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم تتمسك ابداً بالمنطلق الديني التوراتي لإقامة " دولتها" بل وافقت في مؤتمرها السادس (1903) على إقامة دولة إسرائيلية في اوغندا أو الأرجنتين، كدليل ساطع على تجاوز الادعاءات الدينية فيما يسمى بـ"أرض الميعاد" ، ما يؤكد على أن العامل الديني ، التوراتي، لم يكن منطلقاً وحيداً لسياسات الحركة الصهيونية وقادتها الذين أدركوا منذ البدء أن الظاهرة الدينية ليست معياراً لقوة الدولة الحديثة ، التي لا يمكن تحقيقها إلا بالاعتماد على الأسس العلمانية في المؤسسات المدنية السياسية والمجتمعية والاقتصادية والعسكرية والثقافية ، وهذا ما قامت بتنفيذه الحركة الصهيونية منذ بداية القرن العشرين إلى يومنا هذا.
وللتذكير فقط نشير إلى المؤتمر التأسيسي الأول للحركة الصهيونية (1897) الذي خطط ووضع البرامج والأفكار الكفيلة ببناء الدولة العلمانية.
وفي هذا الجانب يمكن العودة إلى كتابات أبرز المفكرين والقادة الصهاينة الذين أكدوا على أهمية فصل الدين عن الدولة مثل "موشي هس" و "ليو بنسكر" و "تيودور هرتزل" و "وايزمن" و"بن جوريون"... إلخ، ما يعني دوراً رئيسياً للعلمانيين الصهاينة في تأسيس دولة العدو.
إن استخدام الأساطير الدينية والتوراتية، كان ولا يزال، لحساب الأهداف السياسية ، التي تخدم الكذبة الكبرى التي تقول بأن اليهود أمة ، وذلك على قاعدة أن الصهيونية هي الجانب القومي في اليهودية ، واليهودية هي الجانب الديني في الصهيونية ، وبالتالي فإن "إسرائيل" تحقيق سياسي وتجسيد عملي وسياسي للظاهرتين معاً ، الأمر الذي يعني ان الصهيونية هي الوجه السياسي والفكري لليهودية، أما اليهودية فهي المرتكز الديني للصهيونية حسب ما أورده "هرتزل" في كتابه -دولة لليهود- على الرغم من عدم اقتناعه أصلاً بالدين ، فالديانة اليهودية أو التوراة عند "هرتزل" ضرورية فقط لفقراء اليهود لكي تنجح الحركة الصهيونية في استثارتهم عاطفياً بما يسميه "أرض الميعاد" وتشجيعهم للعودة إليها.
فالدين هنا، أو التوراة والتلمود ، ضروري جداً كمدخل لدى فقراء اليهود ، وبدونه – كما يستطرد هرتزل في كتابه – يصبح من المستحيل على الحركة الصهيونية، أن تقنع آلاف الفقراء اليهود من العودة إلى "أرض الميعاد" بعد ما يقرب من ألفي عام على طرد الرومان لليهود، فمنذ ذلك الطرد عام 136م، لم يتحرك أحد من الدول الغربية – ومن اليهود – بصورة جدية للعودة إلى ما يسمونه بـ"أرض الميعاد" حتى ظهور الرأسمالية وانتشارها وتوسع مصالحها، ومن ثم نبشها للماضي الأسطوري واستخدامه ذريعة لزرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي ، تأميناً لتلك المصالح ولضمان استمرار تجزئته واحتجاز تطوره ووحدته في آن واحد .
وفي هذا السياق، اِعتَقَد "مؤسسو الصهيونية ومنظروها أنه عبر تأسيسها على مبادئ العقلانية الغربية العلمانية ستكون الصهيونية قادرة على ترويض الأساطير التي استقدمتها من الحقل الديني وإخضاعها لحساباتها والتحكم بها، فلم يكن مشروع بناء الهيكل أو إقامة دولة شريعة يهودية هو هدف الصهيونية المؤسسة، بل إقامة الدولة القومية التي تخيلها هرتسل علمانية غربية حديثة أوروبية، وعلى الرغم من أنه أشار إلى الهيكل الذي يسميه هيكل السلام، فإنه لم يتوقف عنده إلا للإشارة إلى أنه "سيبنى داخل أسوار المدينة بجانب بقية الأماكن المقدسة".
من ناحية ثانية، فقد عبر حاييم وايزمان عن رفضه الحاد لقيام حزب المزراحي الصهيوني- الديني خوفاً من أن يصادر ما اعتبره السيادة من الإنسان ويعيدها للرب أو للحاخاميين.
أما الفيلسوف المتخصص بالقابلاه اليهودية "غرشوم شالوم" فكتب في رسالة موجهة إلى "فرانز روزنزفايغ" عن المخاطر التي تنطوي على علمنة اللغة العبرية "المقدسة" فيقول: غالباً ما نتحدث هنا عن أشياء كثيرة قد تفشلنا، ويتم الحديث عن العرب اليوم كثيرا. لكن خطراً آخر أشد خطورة من العرب يتهددنا، خطر (الدين) لا محالة استجلبته المهمة الصهيونية" .
ولعلنا لا نبالغ في القول أن استشراء الظاهرة الدينية العنصرية في "إسرائيل"، ليست بعيدة أبداً عن كونها ظاهرة في خدمة مقتضيات العولمة الإمبريالية الراهنة ، والهادفة إلى اشعال النزعات الدينية العنصرية ، الطائفية في كل البلدان العربية التي باتت في حالة غير مسبوقة من الخضوع والتبعية والتخلف ، لإثارة المزيد من النزعات الطائفية والمذهبية والاثنية فيها، تكريساً لتجزئتها وتفكيكها، كما هو الحال في العراق والسودان واليمن ومصر ،إذ أن هذا الضعف العربي، كان وسيظل احد اهم الأسباب التي عززت قوة دولة العدو الصهيوني وغطرستها وعدوانيتها وعنصريتها البشعة المتمثلة في رفع شعار "يهودية الدولة" كشرط اول لما يسمى بعملية التفاوض الجارية مع قيادة م.ت.ف صوب المزيد من الخطوات الاستسلامية باسم السلام المزعوم.
من هنا تكمن أهمية القراءة التاريخية، الموضوعية المتأنية لهذا الشعار ومخاطره المحتملة على مستقبل شعبنا وقضيتنا وحقوقنا التاريخية.
فمنذ أن أعلن " بن جوريون" وثيقة قيام "إسرائيل" تكررت كلمة "الدولة اليهودية" في تلك الوثيقة ليلة 14/5/1948 خمس مرات؛ ومنذ ذلك التاريخ اختفى إلى حد كبير مصطلح "الدولة اليهودية" أو مصطلح "دولة اليهود" وحلت محلهما عبارة "دولة إسرائيل".
لكن الخطير في الأمر ، خاصة بعد توقيع مصر لمعاهدة "كامب ديفيد" وما تلاها من اعتراف بدولة "إسرائيل" والتطبيع معها، وبعد اعتراف قيادة م.ت.ف بـ "إسرائيل" وتوقيع اتفاق "أوسلو"، وكذلك اعتراف النظام الاردني بها، وتوقيعه على اتفاق "وادي عربة" ، وما تلا هذه الاتفاقات من اعتراف وتطبيع سياسي واقتصادي من عدد من الدول العربية في الخليج العربي والمغرب ، حيث أدى كل ذلك إلى تكريس استجابة النظام العربي للشروط الامريكية الصهيونية، إلى جانب تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية وانقسامها ، ففي مثل هذه الاوضاع المهزومة والمأزومة، لم يعد مصطلح الدولة اليهودية مجرد تعريف ذاتي للإسرائيليين بحسب القانون الأساس الذي أصدره "الكنيست" في 1992 فحسب، بل صار مسألة دولية بعد خطاب "جورج بوش" في مؤتمر العقبة (4/3/2003) الذي شدد فيه على ضرورة الاعتراف بـ"يهودية الدولة"، ليصبح ذلك المطلب أو الشعار –لدى حكومة نتنياهو- شرطاً لا تستقيم أي تسوية من دونه، منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا تطور مشروع "يهودية الدولة" ليصبح مشروعاً لتشريع الدولة العنصرية، الذي توسع انتشاره وصولاً إلى شعارات "الصهيونية الدينية" مع تزايد الدعم الامبريالي من ناحية وتفاقم أوضاع النظام العربي وتزايد خضوعه للشروط الامريكية/ الصهيونية من ناحية ثانية، إلى جانب استمرار تفكك وانقسام الوضع الفلسطيني من ناحية ثالثة ، الأمر الذي ساهم في تعزيز مناخات التطرف السياسي/ الديني الصهيوني، وأدى إلى فوز احزابه في الانتخابات الأخيرة نوفمبر 2022.
على أي حال، إن تعريف دولة العدو بأنها "دولة يهودية وديموقراطية" يعني، بحسب القراءة الإسرائيلية، "دولة قومية لليهود لكن بنظام ديمقراطي". أما دولة ديموقراطية فحسب فتعني لا يهوداً ولا عرباً، بل مواطنين، أناس، بشر، لهم حقوق متساوية، وهذا ما ترفضه ذهنية المجتمع الإسرائيلي عموماً وقوى اليمين المتطرف خصوصاً بشقيه العلماني والديني.
لهذا نلاحظ توحد اليمين الصهيوني المتطرف (شبه العلماني أو العلماني) إلى جانب السلفيين المتطرفين (الحريديم) ليطالبوا بدولة يهودية لا بدولة ديموقراطية، انعكاساً لعقلية القوة والغطرسة الصهيونية، بدعم صريح من الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي سيؤدي إلى أشكال جديدة من الصراع مع الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية عموماً، ومع أبناء شعبنا في الأرض المحتلة 1948 خصوصاً، وذلك ارتباطاً بوعيهم لمخاطر الاعتراف بـ"يهودية إسرائيل" التي تفوق بسلبيتها ما لا يمكن قياسه من الآثار السياسية المباشرة. وعلى سبيل المثال:
1. يجعل قيام دولة "إسرائيل" أمراً مشروعاً وأخلاقياً؛ وهذا شأن خطير جداً لأنه يعني ان الفلسطينيين والعرب لا يعترفون بإسرائيل كأمر واقع، بل يعترفون بشرعيتها التاريخية، ما يجعل المقاومة الفلسطينية منذ ما قبل قيام "إسرائيل" عام 1948 وبعد قيامها، أمراً غير مشروع وغير أخلاقي، بل ويمكن أن توصف بأنها عمل ارهابي من وجهة نظر التحالف الإمبريالي الصهيوني وتوابعه في بلادنا!!
2. يفرض هذا الاعتراف على فلسطينيي 1948 قسم الولاء عنوة للدولة اليهودية، وعدم مساواة الفلسطينيين مع اليهود، ليتحول أبناء شعبنا في الأراضي المحتلة 1948، إلى مجموعة قومية بدون انتماء إلى دولة أو وطن.
3. يفرض على أي نائب عربي منتخب، الولاء لا للدولة وقوانينها باعتباره مواطناً، بل الولاء للرموز الدينية أو القومية للدولة اليهودية كالعلم والشعار والنشيد..
ومع فوز حزب الليكود الصهيوني العنصري بقيادة بنيامين نتنياهو مجدداً في عام 2022، فإن حكومته ستسعى إلى تكريس دولة العدو "إسرائيل" فعليا كدولة "يهودية"، في تعبير واضح عن روح الجوهر الإمبريالي الصهيوني العنصري المسيطر على "المجتمع" الإسرائيلي؛ فتحت هذا المصطلح الأوسع يقبع ما بقي من أهداف إسرائيلية متعددة تعد الوجه المماثل لـ "يهودية" الدولة، في ظل تيار التطرف الديني / الصهيوني العنصري وفوز رمزية الرئيسيين "بن غفير" و "سموتريتش".
ومن أبرز هذه الأهداف: استكمال تزييف التاريخ الفلسطيني، وتديين الصراع من جديد بحيث يتم الاحتماء بشعار "مكافحة العنف والإرهاب" للقضاء على ما بقي من مقاومة فلسطينية، وأيضا للتخلص -ولو التدريجي- من عبء الوجود الفلسطيني داخل ما يسمى بـ"الخط الأخضر"، والتمسك ب القدس "موحدة للأبد" تحت سيادة "إسرائيل" ، وضم أكبر كتلة ممكنة من أراضي الضفة الغربية ، بحيث يكون للفلسطينيين فقط ما يشبه الحكم الذاتي في هذه الأرض، مع احتمال طرح فكرة الكونفدرالية مع النظام الاردني ليقوم بدوره المشبوه مجدداً، فيما تكون السيطرة والسيادة الفعلية لـ "إسرائيل" ما بين نهر الأردن والبحر، وبحيث يتم كذلك الفصل والانعزال عن الفلسطينيين تجنبا لخوض الصراع الديموغرافي المستقبلي، إن داخل "إسرائيل"، أو على أرض فلسطين التاريخية كلها، والعمل على محاولة تطبيق سياسة الترانسفير لتهجير أكبر عدد من أبناء شعبنا إلى الأردن والشتات في أوروبا وغيرها، لذلك فإن من الضروري استيعاب سياقات البحث حول الصهيونية وما تفرع عنها من تيارات علمانية ويمينية ليبرالية ويمينية دينية متطرفة.

