كاتبةٌ فلسطينيّةٌ ولدت في مخيّم نهر البارد، وتعيش في بيروت، عملت في التعليم سابقًا، والآن تعمل في العمل الثقافيّ وتكتبُ للصحافة الثقافيّة، لها ثلاثُ مجموعاتٍ شعريّةٍ وقصّةٌ للأطفال. أقامت ورشاتٍ فنيّةً وإبداعيّةً للأطفالِ في المخيّمات.
* كيف كانت بدايتُكِ مع الكتابة؟ ومتى تشكّلت لديكِ هذه الموهبة والعوامل التي أسهمت في تكوينها؟
** كانت بدايتي مع الكتابة في أكثرَ من محطّةٍ في حياتي، لكن في طفولتي، تعرّفت إليها من خلال القراءة، فقد كان والدي قارئًا وكاتبًا ورسّامًا، وفي بيتنا مكتبةٌ كبيرةٌ ومهمّة. تعرّفت إلى الكتب واللوحات في عمرٍ صغير، واكتشفت أنّها لا تشبهُ كثيرًا العالمَ في الخارج، أي في المخيّم. وبعدها طبعًا بدأت كتابة القصّة والقصيدة وبدأت أتعرّف إلى الكتّاب الفلسطينيين والعرب وكتّاب من العالم. في المحطّة الأخرى التي اكتشفت فيها الكتابة كانت في تجربتي مع الحياة ومع اليوميّات واصطدامي بحواجزَ وعقباتٍ كثيرةٍ، فعرفت أنّ الكتابة طريقي، وعليَّ أن أصغي لكلِّ شيءٍ حولي، وليس فقط الكتب، ففي ذلك ما يجعلني أختار ما يشبهني حتّى في خياراتي الشخصيّة في الحياة.
*من أسهم في صقل شخصيّة الكاتبة تغريد والكينونة الأدبيّة لها، سواءً كتّاب أو أدباء؟
** لقد أسهمت البيئةُ التي ولدتُ بها في صقلي؛ أمي وأبي وتلك الكتب واللوحات في المنزل، ولكن هناك أيضًا شخصيّاتٌ حولي تسهمُ بطريقتها في جعلي أقرأ كلَّ شيءٍ حولي بطريقةٍ تعنيني. كان الشاعرُ الروسيّ بوشكين هو أوّلُ الشّعراء الذين وجدتهم في مكتبة البيت، بالإضافةِ إلى قصص غسّان كنفاني التي تحاورت معها طويلًا قبل أن أبدأ رحلتي في القراءة، فوجدتُ شعرًا داخلها.
كان النقاشُ الذي يدور في البيت من أفكارٍ وآراءٍ مهمّةٍ في جعلي أناقشُ كلَّ شيءٍ وأحاوره داخلي. لكنّي أذكر ماركيز وعناوين رواياته التي كنت أتأمّلها أحيانًا دون أن أقرأها، وعدتُ إليها فيما بعد عندما كبرت. هناك الكثيرُ من الشّعراء والكتّاب والفنّانين الذين أشعر دائمًا أنّهم يضيفون شيئًا ما داخلي. هناك مثلًا مريد البرغوثي الذي شعرتُ بقصائده أنّ هناك شيئًا يدفعني إلى الكتابة، وهناك أيضًا حتّى الآن الكثير من الكتاب كساراماغو الذي يشعرني أنّ الكتابة تجربةٌ عميقةٌ جدًّا تذهبُ إلى أماكنَ بعيدةٍ وحميميّة.
*المخيّمُ رمزًا لقضيّةِ اللجوء، ونهر البارد رمزًا للجوء مرّتين... ما مدى تأثّر شخصيّتك أو صقلها من خلال هذا "الرّمز" مكانًا خارجَ الزّمن الفلسطينيّ الطبيعيّ؟
** المخيّمُ مكانٌ مؤقّتٌ لكنّه أيضًا مركّب، فهو يتمسّكُ بالذاكرة، لكنّه أيضًا يحلم بأمكنةٍ أوسع، وهو جغرافيا تحاولُ أن تتعرّف إلى نفسها دائمًا؛ لأنّه ولد على الطريق بعد النكبة. فهو يحنُّ ل فلسطين وينقل جوّها الخاص داخله، لكنّه أيضًا مشحونٌ بسؤال المستقبل والعودة. لقد ولدت في هذا المكان، وتعرّفت إلى ذاكرتي وإلى فلسطين داخله؛ وفي الوقت نفسه كان أيضًا نافذتي على كلّ أحلامي، لا يمكنني أن أستثنيه من داخلي. لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ لكي أتفاهمَ معَه، كنتُ لا أريدُهُ مجرّدَ مكانٍ للاجئين، كنتُ أحلمُ أن يكونَ محفّزًا للتعرّف إلى أمكنةٍ أخرى، ويتصالح معها، لذلك أستطيعُ القول: إنّي أصبحتُ أعلم من هو بداخلي. إنّه كما قلت: خارج الزمن الفلسطيني الطبيعي، لكنّه داخل الزمن الخاص لكلِّ واحدٍ منا، فهو الذي عرفني على ذاتي وعلى حياتي، وكلّما ابتعدت عنه اكتشفت أنه كوّنك وصقلك.
نعم، لقد أسطرناه كثيرًا، لكنّه في العمق مليءٌ بالحزن ويتألّم بسبب الفقد، لقد جعلناه بطلًا، رغم أنه كذلك، لكنّنا نسينا أنّه مجرّد طفلٍ منعوه أن يكبر. لقد سدّوا عليه نافذةَ التنفّس حين وضعوه في قوالبَ ضيقةٍ ورأوه مجرّدَ مكانٍ معزول. تعلمت داخله أن أنظر إلى الخارج، وأن أتفهّم معنى المكان، وأن أحبّ الأمكنة التي تولد على الطريق، وأن أقدر من يمشي في طريقه إلى مكانٍ آخر، ومن يحبُّ هذا المكان ويبقى، وتعلمتُ أيضًا أن أبحثَ عن فلسطين في داخلي.
* معاناةُ اللاجئين في مُخيّمات اللجوء لا تُوصف، كيف توظّفت هذه المعاناة من خلال كتابات الكاتبة تغريد؟
** ربّما يجعلني الألمُ من حولي أدركُ ما أستطيعُ فعله في هذا العالم، فهو ينبّهني لسؤالِ من أنا، ويحفّزني لأفكّرَ في معنى وجودي، وذلك هو أهمُّ محفّزٍ للكتابة؛ أن تدركَ مبكّرًا أنّك في مكانٍ قسريٍّ وفي ظروفٍ ليست سهلةً من حولك.
هناك دائمًا إحساسٌ أنّ الكتابة ستفتحُ آفاقًا أخرى وزوايا للنظر إلى المعاناة تحفيزًا لاكتشاف الذّات والهُويّة. طبعًا شاهدت الكثير من معاناة اللاجئين من خلال عملي السابق في التعليم، وذلك أتاح لي لأوّل مرّةٍ أن أعلم أنّنا - نحن الضحايا - يجبُ أن نفكّر ألا نبقى كذلك أو نستسلم لذلك، بل ربّما نكون مسؤولين أكثر عن أنفسنا، وأن نعمل، وأن ننتج إبداعًا يعيدُ رؤيتنا مبدعين ومنتجين.
* هل الحروبُ والأزماتُ تُؤطّرُ أو تحجّمُ أفكارنا وتحد من خيالنا، أم أنّ العكس هو الصحيح؟
** ربّما تجعلنا الحروب نفكّر أن ننجو، ليس فقط ننجو بحياتنا بل بوعينا وأحلامنا وقيمنا؛ لأنّ من يدمّر يسعى لأن يدمّرك من الداخل، وأن يقتل شغفك في الحياة وسعيك لأن تجد ما تحب، ذاك هو العدو. لذلك أرى أنّه حال استطاعت تلك الحروب أن تعيقنا فقد هزمنا. علينا دائمًا أن نعيد أسئلتنا لنقرأها أمام أنفسنا لنعلم كم تراجعنا. ولقد شاهدنا وقرأنا كم وُلد من الحروب مبدعون ومفكّرون وقادة، وفي الوقتِ نفسِهِ كم ضاعت طاقات وأهدرت. ومن هنا تأتي قوة الخيال والإيمان بالذات، وقوة الحلم على الوقوف بوجه تلك الطاقة المدمّرة التي تقتل وتنهب وتسرق الطاقات المحفّزة والفاعلة...
* هل يمكنُ للأديبِ الفلسطينيّ أن ينجحَ في النجاة من المعارك، وخاصّةً السياسيّة في كتاباته ويبقى في المنتصف؟ أم أنّ الحياديّة ليس لها مكانٌ هنا؟
** لا أسمّيها حياديّةً، بل بالنسبة لي الذهاب إلى المناطق الخفيّة في الأشياء والخروج من أمكنةٍ جاهزةٍ ومعروفة. ربّما أميلُ أكثر إلى التعرّف إلى الأشياء من جديدٍ في كلّ ما أقرأ، أي ألا أجد السياسة المباشرة، بل أن يجعلني الكاتب أدرك القضايا بطريقةٍ مختلفة، حتى لو كانت تلك القضايا سياسيّةً بطريقةٍ ما. وفي حالة الفلسطيني، الموضوعُ ربّما أصعبُ؛ لأنّ كلَّ ما يعانيه ويتألّم من أجلِهِ هو شأنٌ سياسيّ، لكنّه في الوقت نفسه شأنٌ خاصٌّ وحميميٌّ وذاتيٌّ، ويعني أي شخص يتألّم في هذا العالم. لا أحبُّ تصنيف الأشياء؛ لأنّني أحيانًا أراها تتداخلُ وتفترقُ في الوقت نفسه. ومتعة الأدب الجميل برأيي أن يرينا كيف تتداخل هذه المواضيع بطريقةٍ لافتة، كما قال إدوارد سعيد: الممتعُ في الأدب هو درجة امتزاجه بالأشياء الأخرى، لا نقاوته. لكن أوافق أيضًا أن يبتعد أو يحاول الكاتب الابتعاد عن السياسة أو الشّعارات السياسيّة أو يكتفي بنظرةٍ سياسيّةٍ لما يريدُ قوله...
*في أدب الأسرى، من اللافت أنّ هذا الأدب ينفتحُ على مضامين غير سؤال السجن والأسر، كيف تقرأين ذلك؟
** من خلال قراءتي لبعض روايات الأسرى المبدعين، شعرت أنّهم أيضًا يحرّرون لغتهم من السجن ويكتبون عن أشياء أخرى، ولكن بقي سؤال الحرية في العمق، وهذا أثّرَ بي كثيرًا. أحسستُ أنّهم يكتبون لأنّهم أحرارٌ كما قال وليد دقة: "أكتبُ كي أتحرّر من السجن، على أمل أن أحرّره مني". لقد جعلوني أتأكّد دائمًا أن الكتابة حريّةٌ ومسؤوليّة. عندما قرأتُ سر الزيت لوليد دقة وأيضًا العاصي لسائد سلامة ومسك الكفاية لباسم خندقجي عرفتُ أنّ كلَّ واحدٍ منهم يحفرُ خندقًا في اللغة مختلفًا عن الآخر، وهناك أيضًا الكثيرين ممّن يحاولون ذلك. لهذا السبب أرى أنّهم لا يكتبون سيرتهم فقط، رغم أنّ معظم الروايات هي مستلهمةٌ من قصّتهم الذاتيّة، بل إنّهم يبتكرون سيرةً مختلفةً من خلال قراءاتهم ومناقشاتهم وتفكيرهم بمعنى التحرّر داخليًّا ونفسيًّا. لقد كانت المضامين الأخرى التي تنفتحُ عليها تجربتهم هي تجربةُ النضال، الحريّة، المرأة، الخيال، المستقبل والكتابة والقراءة. ربّما نستطيعُ القول: إنّهم يخوضون تجربةً في الإبداع، التي هي من صلب نضالهم.
*يقولُ غسّان كنفاني إنّ "الإنسان في نهاية الأمر قضيّة"، هل هذا شعارٌ أم أنّ غسّان تلمّس دواخلنا والكامن فيها وعبّر عن مقاومتنا وإنسانيّتنا؟
** ليته يتحوّلُ إلى مبدأ؛ لأنّه يقفُ ضدَّ شعاراتٍ كثيرةٍ تؤطّر القضايا، الإنسان كما رآه غسان قضيّة، والقضيّة الفلسطينيّة إنسانيّةٌ بالنهاية، وهذا كان واضحًا في فكر غسان الذي أنسن القضيّة وأعطى أبعادها السياسيّة أبعادًا أخرى إنسانيّة في فكره وأدبه...
* كيف قرأت تغريد عبد العال فلسطين من خلال ما تركه لنا غسّان كنفاني من إنتاجٍ فكريٍّ وأدبيّ؟
** أستطيعُ أن أقول: إني بدأت بالتعرّف إلى فلسطين من قصص غسان بعيدًا عن حكايات الأجداد عنها، كنت أريدُ أن أكتشفها أكثر، فرأيتها بعين غسان وروحه، ربّما رأيت في البداية كاتبًا يسردُها قصصًا وروايات ويحول حياته فيها إلى فنّ. رأيت عظمتها ورأيت كيف تصبح مكانًا عظيمًا في الروح. في "أم سعد" مثلًا، نراها بلادًا تجعل النساء استثنائيّات، وفي عائد إلى حيفا تصبحُ سؤالًا مستقبليًّا وفلسفيًّا وفي رجال في الشمس تأخذنا إلى شتاتٍ يطرح علينا الأسئلة. لم تكن العلاقةُ مع فلسطين سهلةً في كتابات غسّان بل علاقةُ عشقٍ مفعمةٌ بالفكر والاطلاع والاستكشاف والحوار والتساؤل.
*أخيرًا، من يرسم طريق من: الكاتب أم الشخصيّات الروائيّة؟ ومن يأسر الآخر في أزقّة الرواية؟
** ربّما سأسألُ هذا السؤال للروائيّين، وقد قرأت أن بعضهم يترك الشخصيّات الروائيّة تقوده، كساراماغو مثلًا. لقد شغلني هذا السؤال يومًا، رغمَ أنّي لم أكتب الرواية يومًا؛ لأنّه برأيي من الشيّق أن نتعرّف على عملِ الروائيّين وطريقةِ تفكيرهم بالكتابة، ففي ذلك ما يدفعنا أن نتعرّف على عوالمَ خفيّةٍ وغير ظاهرة في الرواية. ولأنّي أيضًا أقدّر الروائيّين وأقدّر الشخصيّات الروائيّة أيضًا وهي التي تتركُ أثرًا كبيرًا داخلنا وبعضهم يسهمون في تغييرنا إلى الأفضل...

