ليكن الغبارُ سيّدَنا، كما العار سيّدنا. لن أبحثَ عن غطاءٍ زجاجيٍّ للفضيحةِ التي غطّينا سترها بورقِ التوت، مع أنّنا نتمزّق بملءِ إرادتنا؛ لكي نُدخلَ كلَّ الطغاة، حتّى وإن كانوا عراةً إلى عِظامنا.
يا للضحك الذي نضعه جانبًا، حين نتخلّى عن أفواهنا بكلّ هذه الهشاشة، وأيضًا بكلّ هذه الصور الفظّة الممتلئة بأماكن الإقامة الجبريّة في العراء! مجرّد أن نفكّر بالخلاص من التبعيّة، ومشاهدة العصا، ثمّة من يتداول النسخة المزيّفة من دونكيشوت وهو يضعُ وجهه بين الحائط والحائط، وبين الجمجمة والجمجمة، وبين الهواء والهواء.. ولا حلّ لبكائنا إلّا البكاء، أو الاحتمال الغارق حتى أذنيه في الرهان.
أين هو المنطقُ العربيّ، واللا معنى ضيّعنا، وضاعت معه الأرض وضاع التاريخ؟
أين الفلسفةُ العربيّة، والأجيال الحالية ضاعت في التيّه وضاعت الفلسفة؟
ثمّة حلمٌ يراودني... أن تظلّ أقدامنا على الأرض؛ لأنّ الصراخ هو أقصى ما نستطيع فعله، ولم نلاحظ أن استعمالنا لحواسنا معطّلة بدواعي الغيبوبة التي تتّجه بمنتهى الجنون إلى الجنون.
فلِمَ – إذًا - زرعنا المعتقدات الفضفاضة في رؤوس الذين لا رؤوس لهم، دون أن نقول للأجيال، لقد استهلكنا حتى أصابعنا... والآن نبدو جميعًا بلا أصابع، وهذا أيضًا أقصى ما نستعدّ إليه... الفرارُ من الجحيم إلى الجحيم.
سيّدنا العار يقول: الله يستقبلنا تمامًا مثلما يستقبل الآخرين؛ لأنّ الذي وضعنا في باطن الأرض، هو الذي وضع نفسه فوق كوكب المريخ. نتشابه بالحطام، والموت وعدم القدرة على التطوّر، ويتشابهون بما قالوه عن حرب النجوم، والفجوة القاتلة بيننا نحن فقراء الحوار - مثلما قال الجنرال ديغول - هياكلُ عظميّةٌ من الكريستال، لكن هياكلنا نحن من التنك... يا للحرقة في بنائيّة المنطق العربي! عِظامٌ ممدّدةٌ على أسرّة من القشّ.
المنطقُ العربيُّ ولو أنّه في كهف، ومع ذلك يستقبلُ الدموع ليوزعها على قلوب الآخرين، حيث إنّنا جثثٌ من الدرجة الثالثة والرابعة وَوَ... ولا شكَّ أنّ مثل هذه الجثث لا تصلح حتى وقودًا لتشغيل الحد الأدنى من الزمن. فما لنا ونحن نقرأ الكاتب الأمريكي الصادم والمشاغب نورمان ميلر (العراة والموتى وليل الأزمنة والقساة الحقيقيّون لا يرقصون أبدًا)؛ أنّنا في العالم الآخر.
المنطقُ العربيُّ لم يعد سوى جنازةٍ رائعةٍ في الريح، ونعلم أنّنا جميعًا نحمل جثثًا على ظهورنا، مع أنّنا نعلمُ في الوقت نفسه أنّنا نتقيّأ الجثث. فإذا كانت وجوهنا هذه مرصّعةً بالدم، فكيف لنا أن نرفعها مع أيدينا تجاهَ السّماء؟
نحن في إطارنا المنطقي، بارعون في صناعة التشرذم؛ بارعون في وضع القنبلة في رغيف الخبز، وزهرة اللوتس على باب المقبرة، مثلما اليهودي بارعٌ في صناعة الأنبياء، ونتساءل فيما بيننا من سيكون الحطام؟
المنطقُ العربيّ مع شقيقته الثقافة العربيّة الضريرة، ما برح يأكل من لحمنا منذ ألف عام أو أقلّ بقليل، وجعلنا نستخدم نصف رؤوسنا ونصف أرواحنا، ونصف خيالنا، ناهيك عن النصف الفارغ أو الرديء جدًّا من الذاكرة، ولا نزال على درايةٍ تامّة، كيف عِظامنا وصراخنا وحتّى أصابعنا توغّلت في رواية الغبار الناطق، ودخلنا ثانيةً في الخرافة الخالقة الناطقة، وإنّنا سوف نرقص عاجلًا رقصةَ المجانين!
قد يتساءل أحدنا: عن خيوط العنكبوت التي تقودنا لشراء الأفكار، وإنّ أي نقصٍ ما في العبقرية العربيّة لا يستطيع التحدّث بالمنطق الذي هو أساسًا يستند إلى معطياتٍ خشبيّة "مخلوطة" بالضوضاء والسذاجة التي تلامس جدليّة التاريخ، ونرسمُ بها هذه اللوحة البانوراميّة الخارقة - الضفة الأخرى للجوع - وإعادة بناء لوحةٍ ثانيةٍ لظِلالنا، ظلالنا الخشبيّة بالطبع.
المنطقُ العربيُّ الذي نتداوله اليوم، مشتّت الرؤية؛ لأنّنا - كما قلت قبل قليل - من ذوي العقول التي انخفضت فيها كميّة الإنسان، وإنّ المدة الافتراضية وإعادتها إلى أولاها، هي مدّةٌ لا نهائيّةٌ وربّما تكونُ هي الجزء الأخير المتبقية من نفايات العالم.
صحيحٌ أن الثقافة العربية هي في لا وعيها، وتسأل عن لحظة الطين، أو لحظة معمارية الدم، هنا: إلى أين تقودنا منطقة الثقافة وهي في زوالها، وتعترضُ بل تحاورُ "حفّاري" القبور ليأتي الآخر ويعلن إزالة ما تبقّى من ضوءٍ في كلمة "واعرباه".
ما يحدثُ في المنطق العربي، هو بالتأكيد أكثر هولًا ودويًّا من التفكير بإعادة تشكيل منطقنا.. حتى ما هي الجدوى من بقائنا على وجه الأرض.
سيدي المنطق العربي: دعنا نحلم في البقاء قليلًا حتى لو بعد البقاء! وهذا ليس ما فوق واقعي، بل لأنّني أظنّه أكثر تأثيرًا لإعادة البنية الثقافيّة السائحة إلى أصولها.
نتحاورُ في المنطق العربي؛ كي لا نقفل قلوبنا، ونظلّ في حالة الاهتزاز البارع الذي يرانا، ونراه، والتردّي الهائل بين أيدينا، لن يغيّر في استعادة ما فقدناه من حالاتٍ غرائزيّةٍ مثلًا، كان لها تأشيرةٌ ربّما تجاهَ الأفق.
نحن الآن بأمسّ الحاجة إلى إعادة تشكيل منطقٍ عربيٍّ حيويّ، لكن علينا أن نمرّ ولو قليلًا "إلى" ما يفرّقنا بنيويًّا... وما يجمعنا أيضًا... لأنّ هناك ثمّة أحاسيس وثمّة قيَم لا يمرّ فيها المنطق الذي نراه يمرّ الآن من أمامنا، وإن مرّ إلّا لمامًا ومن قبيل رفع العتب ليس أكثر!
كفانا - إذًا - الوقوف بملء قاماتنا داخل الكهوف، ونندفع بفرح نحو أفقٍ محترق، وإن كان لدينا ما يلهينا عن رقصة الكراهية الدائمة.. علينا أن نحلم في مكانٍ ولو بمساحة أقدامنا على الضفّة أو في المنطق أو في اللغة.. هل يكفينا الرهان على المنطق الساذج الموشّى بالمخمل كي يهتزّ فينا منطق العين الواحدة، والفكر الواحد الموحّد، واليد الواحدة؟ ماذا ننتظر؟
فلنحدّق في ضحكات القادة اليهود حين يُتداول الحديث فيما بينهم عن منطق العرب.. هم لن يغيّروا انطباعاتهم للخلاص من احتمال ما، ولا خطر عليهم سوى أنّنا نحاول أن نزحزح هذا المنطق الملطّخ بالجوع، والاستلاب، والانكسارات، ولدينا فائضٌ في الحلم أن نكون مثل أيامنا البائدة.. وعلى توافق مديد مع أخطاء كنّا نظنّها توافقيّة في السرّ والعلن.. هل يستطيع المنطق العربي، نزع قناعِهِ الخشبيّ، ويضعه على وجه التاريخ؟ أم تراه يذهب بعيدًا في حدود منطقه ليرى ملائكته وهي تنتعل الأحذية الثقيلة ليرمّم الصفقات بين لغته وماهيّته العرجاء؟
نحن الآن نعمل على مساندة استراتيجيّة الأشباح، وها نحن تحولّنا جميعًا إلى أشباحٍ لتحلية مياه اللغة، ومن ثَمَّ: سنكون بأبعد ما يكون في بلورة هذا الاحتقان الذي يغلّفنا على مدار الوقت.
يا لجمال الفلسفة حين تتحدّث عن المنطق العربي الآتي من أزمنةٍ ميّتة، ومن أزمنةٍ بلهاء أيضًا، وعبثًا أن نعثر على مثيلٍ لنا؛ لأنّ المنطق القادم من أدغال العروبة الفذّة، لا ولن يجلب لنا سوى حَمَلَة المناجل وحَمَلَة الأنياب، ولم يعد لدينا وسائلُ إيضاحٍ للدفاع عن هذا الفردوس الإلهيّ، والبدائيّ أيضًا... لأنّنا عبثًا بأصابعنا هذه نتلمّس نكهة الله!
المنطق العربي، قبضةُ رملٍ تلعب فيها الرياح، وفي أماكن أخرى.. تلعب فيها قبضة النار، وعلينا وبالقساوة ذاتها التي في عيوننا، علينا تطهير اللاوعي الذي ملأنَا تلقائيًّا في الرؤية السوداء، ومن جهةٍ أخرى الذوبان في الأزمنة السوداء... إنّه اللاوعي الذي يقبعُ في قاعةٍ مترامية الهذيان، وفلسفتنا ما زالت تحاورُ النسيان عن شراهة الذين يستخدمون عفن المنطق... وكيف تترعرع الثعابين الغبية داخل وخارج غرفة البهلوان...
بإدارة المهرج يُدار الحديث وتُدار الأمور... وقد آن الأوان كي يستيقظ من يُفترض أن يستيقظ، وهل يستيقظ!
المنطقُ العربي اليوم أمام البدائل الجراحية لجسده، حتى وكأنه في بداية التفريغ العملانيّ، لأنّه كما قلت المهرج البائس الضائع ينام فوق الخشبة.
صحيحٌ أنّنا ننتمي إلى بقايا الفتات الوجودي، وإنّ الكهوف البرتقالية تنتظرنا، وأيضًا وأيضًا تنتظرنا اللحظة الإنسانيّة الفاجعة، لكن الخوف أن يحل المنطق العربيّ محلّ المصادفة، وهذا الاحتمال يمكن أن يتزامن مع لحظة القيامة.
وعلى هذا الأساس... يمكن أن تكون رؤوسنا وقد تضامنت كليًّا مع المدافن التي التهمتنا، والتهمت التاريخ ومعه الحلم... أو بشكلٍ آخر، الارتطام بالأمكنة المهلهلة التي بإمكانها إعادة رؤوسنا إلى ما كانت عليه... هل ثمّة من يعيدُ لنا صياغة المنطق العربي وأن نستعيد اللحظات النائمة في الثلج؟! وهل ثمّة "من" برامج لإعادة تشكيل ذاكرة الجمر، وأن نستذكر ذلك التصدّع الذي عاش وظلّ وما زال بيننا يقفز ويتراقص على إيقاع الصهيل العربي؟
أظنّ أنّ سيدنا الجليل "المنطق العربي" يعيشُ حالةً رائعةً أسميّها "الليلة الطويلة" أو ليلة الأطباق العامرة بما لذّ وطاب من النظريات التي ظهرت أيامئذٍ من العراء الأبديّ، وحتى العِظام الأبدية، أو حدودك يا وعي، من الفرات إلى النيل إلى تخوم الأطلسي!
فحين نحاور بعضنا، نطحن بعضنا، وحين تصبح عقولنا تنتج الرماد، نستخدم الخراب في تزيين الأفق بالبرابرة... إنّه المنطق الذي يتبع آثار افواهنا اليابسة، بل الهرطقة التي فُرضت علينا، دون أن نعي الإبادة الثقافية الأشدّ هولًا من الإبادة التاريخيّة، لأنّنا ويبدو قد أصبحنا من دعاة الذواكر الراشحة.
مرّةً أخرى يتأكّد لنا استعمال أفواهنا القديمة، وعيوننا القديمة، وخطورتها القديمة التي كنّا نقلّد بها أولياء أمورنا... لأنّ منطقنا هذه الأيام، إهالة التراب والوحل والسخام على الجغرافيا، ومن ثمَّ: من منّا يتحمّل هذا الخطأ الفادح الذي صنعناه بأيدينا... الذي أضحى يابسًا، طبعًا حِدادًا على بيوتنا التي لها مواصفات الزحاج الهشّ، وتحولت حتى أرصفتنا إلى أمكنة لتسكّع القطط الشاردة.. ربما تنقلنا أو تذكّرنا بالطريق إلى اتّجاه الأسلاك الشائكة، ألم يقل _ روديارد كيبلنغ _ قولته الشهيرة: الشرق شرق، والغرب غرب ولن يلتقيا منذ ذلك؟
أصبح من المنطقي البحث عن الصراع الحضاري الدائم الذي بشّر به - هينتغنتون - لأنّ الاثنين ينتميان إلى فصيلٍ واحدٍ من المنظريّن، الفصيل الذي لا يرى سوى الصراع، والاستعباد الاستعماري بكل أطيافه بين الشرق والغرب والمنطق لدينا، أن نستعيد في هذه اللحظة بالذات، اللحظة العربية القاتلة.. ألا نضع وقتنا في مجارير الصرف الصحي.. ولدينا جدول أعمال من بندٍ واحدٍ هو المجهول!
داخل أفواهنا المغلقة تمامًا، لن نجدَ كلماتٍ ضائعة... داخل أفواهنا، يوجد الجنون العبثيّ، والبلاهة؛ وأكثر فضائحيّة... تكريس وجودنا وما نحمله في مخفظاتنا، ونطالب مع ذلك باجتثاث الظُلمة القادمة من الأدغال.
المنطق العربي، هو ذاته المثقّفُ العربي، هو ذاته الحوار العربي، وأكثر بكثير أننا نقف أمامه بزهوّ طالما انتظرناه أمام هذه المعجزة التي تحوّلت إلى كوميديا من النوع الرخيص.
يقول ناحوم غولدمان: لم أكن أدري وأنا أمام المنطق العربي... أنني أنفخ في الكراهية..
كلّ شيءٍ أمام مولانا الانتهاك.. الانتهاك الملطّخ بالوعي.. إنه الذلّ الذي ترعرعنا في داخله، وترعرع في داخلنا.. إنّه الذي سيبقى إلى آخر الذلّ.. إلى آخر الدهر!

